البطريرك الماروني نصرالله والزعيم الدرزي وليد جنبلاط خلال "مصالحة الجبل" عام 2001
البطريرك الماروني نصرالله والزعيم الدرزي وليد جنبلاط خلال "مصالحة الجبل" عام 2001

فارس خشّان/

عندما نزل البطريرك نصرالله صفير عن كرسي بكركي في آذار/ مارس 2011، وكان يشارف على الحادية والتسعين من سنواته، قضت طبيعة الأمور أن يتطلّع الجميع، مريدين كانوا أم معارضين، إلى خلفه.

لم تسمح سُنّة التغيير بالتوقف عند ما أنجزه البطريرك الماروني السادس والسبعون. بدا كأنه طوى نفسه ومسيرة حياته وانعزل في ركن مظلم، تاركا الأضواء للبطريرك السابع والسبعين بشارة الراعي.

ولكن "انزواءه"، حيث تفرّغ للتأمل والصلاة، لم يُتِح له أن يغيب عن الوجدان الوطني، إذ كان كثيرون، عند كل منعطف وطني، يشعرون بالفراغ الذي أحدثه.

لم يدعُ صفير إلى ثورة، ولكنّه لم يُهادن طاغية

​​لم يكن خطيبا مفوّها، على الرغم من لغته العربية المسبوكة في قالب سليم وسلس، ولكنّه، على رتابته في تلاوة أفكاره المدوّنة ـ عظات أو بيانات ـ كان واضحا وقويا وثابتا ورؤيويا وتغييريا.

كان يحترم المقامات، ولكنّه ما كان يخشاها.

كان يعرف موازين القوة، ولكن ثابر على الدفاع عمّا يراه حقا في وجه كل بطش.

كان يُدرك حصانة موقعه، فحوّله إلى مظلة تحمي فاقدي الحصانات، فضخّ بمن يؤمنون بما هو به يؤمن، شجاعة منقطعة النظير.

لم يدعُ إلى ثورة، ولكنّه لم يُهادن طاغية.

لم يغشّه حملة الشعارات الكبيرة التي ما رامت يوما إلا المصالح الأنانية الضيّقة، ولكنّه لم يتنازل أبدا عن مبدأ سليم.

كان خصما عنيدا لصوت المدفع، ولكن كلماته طالما بدت أكثر تأثيرا من عظيم الدوّي.

بعد ثمانية أعوام على اعتزاله عاد إلى الضوء رغما عنه، حتى بدا أن موت جسده أعاد تصحيح المسار.

أمثال البطريرك صفير، في هذا الزمن اللبناني المأزوم، يستحيل أن يُسمح للانزواء أن يلفّهم بالنسيان. يفترض أن يبقى نموذجهم ساطعا، حتى يكونوا قدوة للأجيال القيادية الجديدة.

كان يعرف موازين القوة، ولكن ثابر على الدفاع عمّا يراه حقا في وجه كل بطش

​​ما قدّمه صفير لما يسمّى لبنانيا بالاستقلال الثاني، في إشارة إلى الانسحاب العسكري السوري، يحتاجه اللبنانيون اليوم ليتمكّنوا من بناء دولتهم.

يوم وقف داعيا إلى تحرير الإرادة فالأرض، لم يكن يجاري تيارا قويا، بل خلق هذا التيّار، وجذب إليه من يؤمن بذلك، فكانت المصالحات وكانت التجمعات السياسية السيادية وكان الحوار الوطني الذي جمع الكبار بعيدا عن الطاولات الدعائية الفارغة، فتقاربت بكركي وقريطم، حيث بدأ الرئيس رفيق الحريري رحلة "الخروج من الشرنقة"، ورعت بكركي مع المختارة، حيث أطلق وليد جنبلاط "مسار اللبننة"، مصالحة الجبل التي دفعت الوصي وعملائه إلى التكشير عن نيوبهم الأمنية الصدئة.

واليوم، مع انتهاء عمر البطريرك صفير، يتسلّط الضوء على الحاجة الملحّة والماسة إلى من يمكن أن يسير على دربه، فيشق طريقا مماثلا لضخ الروح في تيار خامد استكمالا للتحرر. فالدولة تعاني من دويلة استبدلت طغيانا سوريا بوصاية "أجندة إيرانية"، وبرز بوضوح أن من خضع لهذه الدويلة استبدل النضال الواجب بمنافع سلطوية أنتجت فسادا غير مسبوق وبطانة غير مقبولة وأدبيات تعظّم الخنوع.

مع انتهاء عمر البطريرك صفير، يتسلّط الضوء على الحاجة الملحّة والماسة إلى من يمكن أن يسير على دربه

​​حاليا، وبالتدقيق بالمواقف التي صدرت وتصدر بمناسبة وفاته، يتبيّن أن البطريرك صفير يتمتّع باحترام جامع، فليس المهم أن يجذب الشخص من يحبّه في حياته، بل أن يكون محط احترام الجميع لمسيرته وأعماله وإنجازاته.

والجميع، في مواقفهم من صفير، لا يتوقفون عند ما قدّمه لهم شخصيا أو لطوائفهم، بل عند ما قدّمه لوطنه مما كان وطنه يحتاجه، أي التحرر والحرية.

وهذه ليست مواقف رثاء جنائزية، بل هي مواقف تشي بما يعتمل في القلوب.

ذلك إنّه، لا يُعقل أن تُشيد بمن أنت مدرك أنك ضده، أو أن تقول تقريظا بما ترفضه، أو أن تدعو إلى الاقتداء بمن أنت تناقضه، إلا إذا كنت ممن يحبّون أن يتصفوا بالكذب والخبث والازدواجية.

مات البطريرك صفير، ووُلِد... نموذجه.

اقرأ للكاتب أيضا: واشنطن ـ طهران و...الحرب!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Israeli left-wing activists hold placards during a 'Peace Now' march calling on Israelis to choose ''another way'' and end the…
تظاهرة لليسار الإسرائيلي للدعوة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين

دفع الفشل العربي المزمن في إقامة دول عادلة ذات مؤسسات فاعلة أنظمة القمع العربي لاستخدام العداء ضد إسرائيل كورقة تين لستر عوراتهم. بدأت حفلة التطرف العربي في مؤتمر الخرطوم ـ الذي تلا هزيمة رئيس مصر جمال عبدالناصر في حرب 1967 أمام إسرائيل ـ والمعروف بمؤتمر اللاءات الثلاثة: "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل".

ثم يوم أعلن الفلسطينيون موافقتهم إقامة دولة لهم على أي جزء من أرض فلسطين، حرّضت أنظمة القمع العربي أزلامها ضد الراحل ياسر عرفات، فتشكلت "جبهة الرفض" من الفصائل الفلسطينية المعارضة لأي سلام مع إسرائيل. أما الدول الراعية لهذه الفصائل فشكّلت بدورها "جبهة الصمود والتصدي"، والتي كان في عضويتها أنظمة القمع من أمثال سوريا الأسد وعراق صدام حسين وليبيا القذافي.

ثم ورث "محور الممانعة"، الذي تقوده إيران الإسلامية، الخطاب الخشبي المتطرف نفسه عن معاداة السلام مع إسرائيل بكل أشكاله، وورث الممانعون العبارات المتهالكة نفسها التي تعكس سبب الفشل العربي، في الحكم كما في التعامل مع موضوع إسرائيل، منها عبارة كتبها القيادي الفلسطيني الراحل، الذي كان مقرّبا من عرفات، صلاح خلف المعروف بأبي أياد، في كتابه "فلسطيني بلا هوية"، وقال فيها: "أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر".

وحتى نفكك عبارة أبي أياد، علينا أولا أن نبحث في معنى "خيانة"، وهي تعني في الغالب "إخلال في العهد أو الأمانة". مثلا، عبدالناصر والضباط الأحرار أقسموا الولاء لمصر وملكها، لكنهم خانوا قسمهم وخلعوه في 1952. عبدالناصر كان خائنا للملك، لكن مؤيديه لا يعتبرونها خيانة لأنهم يبررون انقلاب الضباط بأسباب كثيرة، منها ظلم الملك، أو فساد حكمه، أو تهاوي اقتصاده، وغيرها. إذن، خيانة عبدالناصر وجهة نظر، إذ يحبذها مؤيدوه، الذين لا يشككون في وطنيته، ولكنها فعليا إخلال بالأمانة التي كانت موكلة إليه وصحبه.

الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع

أما "الخيانة" التي تحدث عنها أبو أياد فتعني مخالفة رأي جبهات الرفض والتصدي والممانعة القائل بوجوب العداء التام والدائم لإسرائيل، ورفض أي سلام أو تطبيع معها. هنا "الخيانة" تفترض أن كل عربي أو مسلم عليه تبني العداء المطلق لإسرائيل، فقط لأنه عربي أو مسلم المولد، فالقبائل على رأي واحد، ومن خرج عن الإجماع، خان. ما يفوت أبي أياد (وهو لم يكن فيلسوفا سياسيا) أن الشعب ليس قبيلة ذات رأي واحد، بل مواطنين يختلفون في آرائهم وخياراتهم وأذواقهم ومصالحهم.

هكذا، برر أبو أياد قمع الرأي المخالف وتخوينه بوضع السلام مع إسرائيل خارج حيّز النقاش، أي أن موضوع العداء لإسرائيل يصبح من "الثوابت"، حسب تعبير الرافضين والمتصدين والممانعين. والثوابت ثابتة، ولا نقاش فيها، بل عقاب لمن يناقشها ويتوصل لنتيجة مخالفة تدعو لسلام مع إسرائيل.

هي فعلا مشكلة أن يطلب المتطرفون من "الرافضين" و"الممانعين" تبني وجهة نظرهم حول العداء الأبدي لإسرائيل بدون نقاش، تحت طائلة التخوين. حتى كتاب المسلمين يقول "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، لكن الممانعين يعتقدون أن معاداة إسرائيل ثابتة أكثر من الإيمان بالله، القابل للنقاش.

في لبنان، حاول مجلس النواب إقرار قانون عفو يسمح بعودة اللبنانيين المقيمين في إسرائيل، وهم من مقاتلي "جيش لبنان الجنوبي" المندثر وعائلاتهم. تنطحت أحزاب الممانعة لرفض عودة من أسمتهم "عملاء" و"خونة".

أن تحاكم السلطات اللبنانية من يقوم بإفشاء أسرار الدولة، المدنية أو العسكرية، إلى دول أجنبية، أمر مفهوم، وهكذا فعلت الولايات المتحدة مع إدوارد سنودن، المختبئ من العدالة في روسيا. لكن من غير المفهوم محاكمة مواطنين عاديين من أفراد عائلات مقاتلي "لبنان الجنوبي". ومن غير المفهوم أيضا لما لا يشمل "العفو العام" لمقاتلي كل الميليشيات اللبنانية المنحلة بعد الحرب الأهلية مقاتلي "الجنوبي". ولا بأس أن تضع دولة لبنان بعض العائدين من إسرائيل تحت رقابة أمنية لمكافحة التجسس. ولكن أن تعامل بيروت مواطنيها كـ "خونة" لأنهم لا يوافقون على معاداة إسرائيل، فهو ما يحول المواطنية إلى قبلية ويقوض أسس العدالة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن آرائهم.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت

في الولايات المتحدة حزب نازي موالي لطاغية ألمانيا الراحل أدولف هتلر، الذي قاتلته أميركا وهزمته. لم تحظر القوانين الأميركية النازية لأن الحظر يتنافى وحرية الرأي والمعتقد. وفي ذروة الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي والحروب السرية الجاسوسية، لم تمنع أميركا يوما مواطنيها من زيارة روسيا، كما لم تمنع أميركا الروس من زيارتها. حتى أن السناتور بيرني ساندرز أمضى شهر العسل في موسكو في ذروة الحرب بين البلدين، واليوم، ما يزال مواطنون أميركيون يزورون إيران، والعكس، على الرغم من انقطاع العلاقات الديبلوماسية والعداء بين واشنطن وطهران. وفي أميركا جحافل من المؤيدين علنا لنظام إيران الاسلامي، وللتوصل لسلام أميركي معه، بلا شروط.

وفي إسرائيل نفسها إسرائيليون ينحازون ضد إسرائيل علنا، من أمثال الكتّاب جدعون ليفي واميرا هاس، وأعضاء الكنيست من أمثال حنين الزعبي، وهو ما يطرح السؤال: من هم العرب الذين يخالفون إجماع "الرفض" و"الممانعة" ويدعون لسلام مع إسرائيل، كما تخالف هاس الغالبية الإسرائيلية؟ وما هي المنظمة العربية الموازية لحركة "السلام الآن" الإسرائيلية؟ وأين هو اليسار العربي، الموازي لليسار الإسرائيلي، الأكثر ميلا للحوار؟ وكيف يوفّق الشيوعيون العرب بين انخراطهم في صراع قومي قبلي ضد إسرائيل مع عقيدتهم الأممية التي تعتبر الصراع الطبقي عابرا للقوميات؟

قد لا يفهم "الرافضون" و"الممانعون"، كما بعض "الصينيين" و"الإيرانيين" و"الروس" ومؤيدي الاستبداد، أن تفوق الولايات المتحدة في العالم، وتفوق إسرائيل في الشرق الأوسط، ليس تفوقا ماديا، بل هو تفوق مبني على حرية الرأي والاختيار والمعتقد. الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع، وتقدم ثقافة للمواطنين لاختيار السياسات التي يرونها في مصلحتهم، واختيار السياسيين ممن يعتقدونهم قادرين على تنفيذ هذه السياسات.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت.