تظاهرة طلابية في الجزائر للمطالبة بإسقاط "النظام"
تظاهرة طلابية في الجزائر للمطالبة بإسقاط "النظام"

 

​​ديفيد بولوك وكاثرين كليفلاند/

تهيمن اليوم مبادرتان ميّزتا إدارة ترامب على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وهما: "الضغط الأقصى" ضد إيران، والسعي إلى إنجاز "صفقة القرن" للسلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني.

وفي الأسابيع الأخيرة، رفعت واشنطن سقف الرهان على كلتيهما. فشددت العقوبات النفطية ضد إيران، وصنّفت كامل "الحرس الثوري الإيراني" كمنظمة إرهابية. كما أعلنت أن خطة السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني، التي استغرق إعدادها أكثر من عامين، سيُكشَف عنها قريبا بعد رمضان.

في كلا المجالين، سيعتمد النجاح أو الفشل إلى حد كبير على التعاون الذي يُبديه الشركاء الأساسيون المحتملون من الدول العربية إزاء السياسة الأميركية. فسيُطلب منهم قريبا مساندة هاتيْن المبادرتين بواسطة الدعم المالي والدعم على صعيديْ إنتاج النفط وإنفاذ العقوبات والدعم الدبلوماسي. وسيعتمد تعاونهم بدوره جزئيًّا على أداء هذه السياسات في "الشارع العربي" ـ الذي استعاد مؤخرا نشاطه الواضح في الثورات الجديدة الجارية في الجزائر والسودان، بالإضافة إلى الاحتجاجات الكبيرة في الشارع في مختلف المواقع الإقليمية الأخرى.

لكنّ المدهش هو أن استطلاعات الرأي تكشف ارتفاع مستوى التأييد الشعبي العربي لكلا هاتيْن السياستين الإقليمتيْن اللتين تحملان توقيع الولايات المتحدة أي: القساوة في الكلام والأفعال ضد إيران، وحشد دعم الدول العربية للتوصل إلى اتفاقية تسوية تاريخية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وتغدو هذه النتائج موثوقة وجديرة بالملاحظة أكثر من أي وقت مضى، لأن المستجوَبين يُبدون بشكل عام آراء سلبية إزاء كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيا، والقيمة الكلية لحُسن العلاقات العربية مع الولايات المتحدة.

في أواخر سنة 2018، تم استجواب عيّنات نموذجية وطنية من ست دول عربية في مقابلات شخصية أجرتها شركة استطلاع تجارية إقليمية رائدة، بناء على تفويض "معهد واشنطن". وتوفّر هذه الاستطلاعات البيانات الملموسة الأحدث والأكثر موثوقية حول الرأي العام العربي بشأن مجموعة من المسائل الجدلية. وتُظهر الإجابات من الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت والأردن ولبنان ومصر اختلافات كبيرة في الرأي داخل معظم البلدان حول المسائل المحلية. لكنّ الآراء بشأن الجهات الفاعلة الخارجية، ولا سيما بشأن الخطوتيْن الأبرز في السياسة الخارجية الأميركية في الوقت الحالي، تتماشى على الأرجح مع السياسة الخارجية الرسمية لكل دولة.

الثلثان أو أكثر من الثلثين مع تحفيز عملية السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني

الجدير بالملاحظة هو أن معظم المستجوَبين العرب أبدوا اهتماما باضطلاع الدول العربية بدور أكبر في حل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ـ كما من خلال "توفير حوافز لكلٍ من الطرفيْن من أجل تعديل مواقفهما". (ملاحظة: لم يتم استطلاع آراء اللبنانيين بشأن هذه المسائل، بل بشأن سياسات "حزب الله" بدلا من ذلك). وفي الواقع، فيما يبدو أن الكويتيين هم أقل من يدعم هذه الجهود، فإن 63 في المئة أيدوا هذه الفكرة أقله نوعا ما. وتراوح هذا الرقم في البلدان الأخرى من 71 في المئة (مصر) إلى 76 في المئة (الأردن).

تشير هذه النتائج بوضوح إلى الدعم الشعبي لعملية صنع السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني أكثر بكثير من دعم العلاقات الثنائية مع إسرائيل. ويترتب أيضا عن ذلك أن التقدم باتجاه السلام سيحسّن إلى حد كبير المناخ لتلك العلاقات. فكما هي الحال، يعارض عدد كبير من الإماراتيين والكويتيين والأردنيين والمصريين بشدة جهود التعاون مع إسرائيل الآن، قبل إحلال السلام مع الفلسطينيين ـ سواء في مجال التكنولوجيا أو مكافحة الإرهاب أو احتواء إيران. وثمة مع ذلك بعض التعاون القائم بهدوء مع عدد من هذه البلدان، بالإضافة إلى معاهدة السلام القائمة منذ زمن والتعاون الأمني بين إسرائيل وكل من مصر والأردن.

في الوقت نفسه، يوافق حوالي 20 ـ 25 في المئة من المصريين والأردنيين والإماراتيين والسعوديين أقله "نوعا ما" على أن الدول العربية يجب أن تعمل مع إسرائيل، حتى من دون الإشارة إلى الفلسطينيين. مع ذلك، لا يوافق نصف المستجوَبين المصريين أبدا على ذلك، وقد حققت هذه الإجابة النسبة الأعلى مقارنة بالبلدان الأخرى. ويبدو مرة أخرى أن الكويتيين هم أقل من يمكن أن يوافق على هذه الفكرة، مع نسبة لا تتجاوز 13 في المئة.

المصدر: معهد واشنطن

المصدر: معهد واشنطن

​​​الجماهير العربية تشارك حكوماتها في النفور من إيران

في ما يخص السياسة الأميركية الأساسية الأخرى في المنطقة اليوم، إن نتائج هذا الاستطلاع أكثر تشجيعا بعد. فلا يعتقد إلا 11 في المئة من السعوديين، و13 في المئة من الإماراتيين، و17 في المئة من الكويتيين أن العلاقات مع إيران هي ’مهمة نوعا ما‘ أو ’مهمة جدا‘ ـ وتم تسجيل النسبة الأخيرة رغم الجهود المتواصلة التي تبذلها الحكومة الكويتية للحفاظ على العلاقات السليمة مع طهران. وحتى في لبنان، تعتقد أغلبية صغيرة من المستجوَبين (53 في المئة) أن العلاقات مع إيران هي إما ’غير مهمة نوعا ما‘ وإما ’غير مهمة إطلاقا‘ ـ رغم أن رأي الثلث الشيعي من السكان أكثر إيجابية بكثير. ويقول معظم المستجوَبين في كافة البلدان الأخرى باستثناء مصر (بنسبة 44 في المئة) إن تلك العلاقات مع الجمهورية الإسلامية "غير مهمة إطلاقا".

المصدر: معهد واشنطن

​​​تصنيف ضعيف أيضا لحلفاء إيران، رغم دعم الشيعة لـ"حزب الله"

لم يحظَ أيضا حلفاء إيران الإقليميون من أتباع الطائفة بالشعبية في أوساط الأغلبية السنية في البلدان الستة حيث جرى استطلاع الرأي. ففي تحول ملحوظ بالنسبة إلى السنوات التي سبقت الحرب الأهلية في سوريا، انخفض الآن الدعم السني لـ"حزب الله" اللبناني إلى أرقام أحادية ـ إلا داخل لبنان نفسه، حيث يبلغ بالكاد عشرة في المئة. حتى أن الآراء التي تدعم الحوثيين في اليمن أدنى بعد.

لكن بشكل عام، يرتفع مستوى دعم المستجوَبين الشيعة لـ"حزب الله" إلى حد كبير. نسبة الشيعة اللبنانيون الذين يُبدون رأيا إيجابيا إزاء "حزب الله" تشكل أغلبية ساحقة، وهو أمر مفهوم. غير أن أغلبية الشيعة السعوديين (55 في المئة)، وتقريبا نصف الشيعة الإماراتيين، يعربون أيضا عن وجهات نظر إيجابية إزاء هذه المنظمة، فعبر أكثر من 20 في المئة في كلا المجموعتيْن عن منظور ’إيجابي جدا‘ تجاه "حزب الله".

في المقابل، لا يعرب إلا حوالي ربع الشيعة الإماراتيين والكويتيين، ومجرد 15 في المئة من الشيعة السعوديين، عن أي روابط إيجابية مع حليف آخر من حلفاء إيران الشيعة يقع على مسافة أقرب بكثير إلى الوطن وهو: الحوثيون في اليمن. وبالفعل، ينظر نصف المستجوَبين الشيعة تقريبا من كافة البلدان الثلاثة إلى الحوثيين ’بشكل سلبي جدا‘.

المصدر: معهد واشنطن

​​

المصدر: معهد واشنطن

​​​الولايات المتحدة تهزم روسيا في الأهمية الملحوظة ـ لكن ليس بنسبة كبيرة

تتفق أيضا البلدان الخليجية التي جرى الاستطلاع فيها بشكل كامل تقريبا في ما يخص أهمية العلاقات مع روسيا، وتتفق بنسبة أقل، في ما يخص تلك مع الولايات المتحدة. ففي كل من الإمارات والكويت، تعتبر نسبة أعلى بقليل من المستجوَبين أن الولايات المتحدة "مهمة"، بالمقارنة مع النسبة التي ترى أن روسيا "مهمة". لكن يمكن ملاحظة أن عددا أكبر من الكويتيين يرون أن الولايات المتحدة "مهمة جدا" (27 في المئة) مقارنة بروسيا (18 في المئة). ويبدو أن المستجوَبين المصريين اعتقدوا أكثر من المستجوبين الخليجيين في الواقع أن العلاقات مع الولايات المتحدة مهمة، ولم يقدّروا العلاقات مع روسيا بقدر نظرائهم في الخليج.

المصدر: معهد واشنطن

​​بالفعل، كان لبنان البلد الوحيد حيث اعتبرت نسبة أكبر من المستجوبين أن روسيا ’مهمة جدا‘ (27 في المئة) مقابل الولايات المتحدة (11 في المئة)، ربما بسبب النفوذ الكبير الذي تمارسه روسيا في سوريا المجاورة.

المصدر: معهد واشنطن

​​

المصدر: معهد واشنطن

​​كان الأردنيون أكثر انعزالا عن الخارج، فلم يعتقد معظمهم أن العلاقات مع إيران أو روسيا أو الولايات المتحدة مهمة على الإطلاق. حتى أن أقلية من الأردنيين تبلغ 37 في المئة فحسب ترى أهمية البلد المجاور للأردن وشريكها التجاري الكبير أي العراق.

ومع أن الأردن هي حليف قديم للولايات المتحدة، لا يعطي الأردنيون للعلاقات مع أميركا أهمية كبيرة بقدر كل من الخليجيين أو المصريين. لكن لا يعطي الأردنيون النفوذ الروسي تفضيلا أكبر، بما أن 5 في المئة فحسب يعطون بعض الأهمية لهذه العلاقات.

لا يحظَ أي من ترامب وبوتين بالشعبية؛ أردوغان هو من يقود الحشد

المصدر: معهد واشنطن

​​​​مع ذلك، تختلف الآراء بشأن الزعماء الأجانب إلى حد كبير عن الآراء بشأن العلاقات مع بلدانهم. فيُعرب معظم المستجوبين عن وجهة نظر سلبية إزاء كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويمكن الملاحظة بسهولة أن آراء اللبنانيين أكثر إيجابية بكثير إزاء كلا الزعيمين، رغم أن الآراء تختلف بشكل ملحوظ بين اللبنانيين من مختلف الطوائف. ففي حين تعرب أغلبية كبيرة من الشيعة اللبنانيين عن وجهة نظر إيجابية إزاء بوتين، هذا ما تفعله أيضا أقليات كبيرة من المسيحيين والدروز ـ ويعود السبب من دون شك إلى دعمه القوي للنظام السوري المجاور.

المصدر: معهد واشنطن

​​وللسبب نفسه، ينظر مجرد 13 في المئة من السنة في لبنان إلى بوتين بشكل إيجابي. ويُبدي أكثر من ثلث السنة اللبنانيين رأيا إيجابيا نوعا ما على الأقل إزاء ترامب، وهي نسبة أعلى من أي مجموعة أخرى خضعت للاستطلاع، يتبعها المسيحيون اللبنانيون. ويعطي الأقباط المصريون أيضا تصنيفات إيجابية نسبيا لترامب، بنسبة 20 في المئة.

على عكس ترامب وبوتين، يبرز أردوغان كزعيم إقليمي شعبي بشكل ملحوظ في الكويت والأردن، فيما تشعر أيضا أقلية كبيرة من المستجوبين في البلدان الأخرى برابط إيجابي معه. والرئيس الصيني شي هو الزعيم الذي يتعرّف إليه المستجوبون بأقل نسبة، لا سيما في الخليج ومصر، وتنقسم الآراء شيئا ما بين الإيجابية والسلبية. الدعم الذي يحظى به أردوغان ملحوظ إلى حد كبير، مع مواصلة الرئيس التركي صياغة دور تنشط فيه تركيا أكثر في الشرق الأوسط.

ديفيد بولوك زميل أقدم في معهد واشنطن يركز على الحراك السياسي في بلدان الشرق الأوسط.

كاثرين كليفلاند هي زميلة أقدم في معهد واشنطن ومحررة منتدى فكرة.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.