متظاهرون سودانيون يحتفلون بعد التوصل لاتفاق بين المجلس العسكري والمعارضة حول المرحلة الانتقالية
متظاهرون سودانيون يحتفلون بعد التوصل لاتفاق بين المجلس العسكري والمعارضة حول المرحلة الانتقالية

بابكر فيصل/

ظل مطلب الوصول للحكم وإقامة "الدولة الإسلامية" يمثل الركن الأساسي في أفكار جميع حركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره الضمانة الوحيدة لتطبيق حكم الله القائم على الشريعة الإسلامية، وكذلك لكونه نقطة الانطلاق نحو استعادة "الخلافة الإسلامية" التي ستقود بدورها لسيطرة المسلمين على كل أرجاء المعمورة أو ما أسماه المرشد المؤسس، حسن البنا، "أستاذية العالم".

ونسبة لأهمية ذلك المطلب، أي إقامة الدولة الإسلامية، ومركزيته في فكر الإسلام السياسي، فقد رفع البنا من مكانته وجعله ركنا من أركان الإسلام، شأنه شأن الصلاة والصوم والحج، بحيث أضحى التقصير في طلبه وعدم السعي لإقامته يمثل خروجا على الدين نفسه.

دخول الجماعات الدينية ساحة العمل السياسي ومحاولتها ربط الدين بالسلطة يعني إهدار معناه

​​يقول البنا في رسالة المؤتمر الخامس: "فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: 'إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'".

وبما أن الحكومة عند الإخوان تعتبر ركنا لا يكتمل بنيان الدين بدونه، فإن السعي لإقامتها أصبح فرضا لا مناص منه وأولوية تسبق أي مطلب آخر، حيث اعتبر المرشد المؤسس أن "قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف".

هذه الغاية المنشودة والمتمثلة في استخلاص قوة التنفيذ "الحكم" من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله، هي أمر يتم الوصول إليه بجميع الوسائل بما فيها قوة السلاح والاغتيال والتفجير والانقلاب العسكري، ذلك لأنها فرض واجب لإقامة شرع الله.

ثم جاء سيد قطب ليكرس موضوع الدولة بصورة أكثر راديكالية من المرشد المؤسس، حيث قرر أن مهمة الجماعة الأولى هي تكفير المجتمع (الجاهلي) والخروج عليه خروجا تاما حتى يكتمل الإعداد للانقضاض على السلطة من أجل إقامة الدولة الإسلامية التي تكون "قاعدة التعامل فيها هي شريعة الله والفقه الإسلامي".

من المعلوم أن أفكار حسن البنا وسيد قطب في إطار فقه الدولة مثلت المنارة التي اهتدت بها جميع حركات الإسلام السياسي المنادية بتطبيق الشريعة الإسلامية، حيث استطاعت بعض تلك الحركات الاستيلاء على السلطة وقدمت تجارب في الحكم مثل دولة طالبان في أفغانستان، ودولة الإخوان المسلمين في السودان.

ولما كانت مختلف التجارب عكست نماذج بائسة من الاستبداد والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، فقد بدأ بعض الرموز المنتمين لتلك الحركات في مراجعة المنطلقات والمبادئ الفكرية التي تضع المطالبة بقيام الدولة الإسلامية في مقدمة أولويات حركاتهم، ومن بين هؤلاء زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي.

في هذا الإطار كتب رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، الدكتور أحمد الريسوني، مؤخرا مقالا بعنوان "مستقبل الإسلام بين الشعوب والحكـام"، نشره في موقع الاتحاد على الشبكة العالمية. ومن المعلوم أن الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين هو مؤسسة تتبع للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وقد قام بتأسيسه الشيخ يوسف القرضاوي في عام 2004 وظل يترأسه حتى عام 2014.

بعد ثلاثة عقود من حكم الإخوان، حيث تحول الدين لمجرد مظاهر شكلية

​​قال الريسوني في مقاله المذكور "لا نجد في شـرع الله تعالـى نصا صريحا آمرا وملزما بإقامة الدولة، كما لا نجد في شأنها نصوصا في الترغيب والترهيب على غرار ما نجد في سائر الواجبات. وإنما تقرر وجوب إقامة الدولة، ووجوب نصب الخليفة، من باب الاجتهاد والاستنباط، ومن باب النظر المصلحي والتخريج القياسي، وامتدادا للأمر الواقع الذي تركه رسول الله".

وأضاف أن "وجوب الدولة والخلافة إنما هو من باب الوسائل لا من باب المقاصد. فهي (أي الدولة) من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو اجب. بمعنى أن هذا الواجب ليس من نوع "الواجب لذاته" وإنما هو من نوع "الواجب لغيره". ومعلوم أن الواجب لغيره أخفض رتبة وأقل أهمية من الواجب لذاته".

الحديث أعلاه يناقض بصورة جذرية ما خطه يراع المرشد المؤسس من أن الدولة ركن من أركان الإسلام، ويؤكد أنها مجرد وسيلة لتحقيق واجبات أخرى، وهو الأمر الذي يمثل انقلابا كاملا في أولويات حركات الإسلام السياسي التي ظل همها الأول على الدوام هو الوصول للسلطة بأي شكل ووسيلة، حتى لو ترتب على ذلك وقوع مفاسد وأضرار كبيرة.

من المعلوم أن الحجة التي ساقها المرشد المؤسس لتبرير سعيهم لإقامة الدولة الإسلامية بأي وسيلة هي أن "الإخوان المسلمين لم يروا في حكومة من الحكومات التي عاصروها ـ و لا الحكومة القائمة و لا الحكومة السابقة، و لا غيرهما من الحكومات الحزبية من ينهض بهذا العبء أو من يبدي الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية".

ولكن الريسوني لا يتفق مع هذا التبرير ويقول إن "الدولة القائمة قد يتأتى في كثير من الحالات إقامة بعض الدين في ظلها أو من خلالها، حتى ولو كانت منحرفة أو مناوئة أو معادية، فضلا عما إذا كانت محايدة أو محابية. وفي هذه الحالات أيضا فإن أهمية "الدولة الإسلامية" وضرورتها تنقص بقدر ما تتيحه 'الدولة القائمة' من فرص وإمكانات لإقامة الدين وإقامة أحكامه في الحياة الخاصة والعامة".

وتؤكد التجربة السودانية أن الدولة قبل أن يسيطر عليها الإخوان المسلمين لم تكن تحارب الدين، وأنها لم تُضيِّق على المتدينين ولم تحد من إقامة شعائر الإسلام بأي شكل من الأشكال، وقد كانت أوضاع الدين العامة أفضل كثيرا مما هي عليه الآن بعد ثلاثة عقود من حكم الإخوان، حيث تحول الدين لمجرد مظاهر شكلية بينما انتشر الفساد والسرقة والمحسوبية، وعانى الشعب من كبت الحريات وانتهاك حقوق الإنسان بصورة غير مسبوقة.

فما أن أرسيت فكرة الدولة الإسلامية في أساس النظام السياسي السوداني، حتى عمدت إلى تنمية واحد من أكثر أنواع التعصب تطرفا، وتطفلت على حياة الأفراد، محكمة سيطرتها على أدق تفاصيلها، وسعت لحشر جميع الناس تحت راية فكرية واحدة.

وما أن استقرت تلك الفكرة كمحور ارتكاز للسلطة حتى تحولت لوسيلة رهيبة لمراقبة الضمائر، وباسم الدين والحقيقة المطلقة مارست أقصى أنواع الإكراه والإقصاء مخالفة بذلك لمقاصد الدين الحقيقية في الحرية والعدل.

ثم يخطو الريسوني خطوة كبيرة وجريئة قائلا إن "المجال فسيح أمام الحركة الإسلامية ودعاتها وعمالها في أن تحقق الكثير من أهدافها ومن أحكام دينها ومن إصلاح مجتمعها، من غير أن تقيم دولة ومن غير أن تمتلك سلطة، وذلك من خلال العمل في صفوف الأمة ومن خلال بناء الأمة ومن خلال 'إقامة الأمة بديلا عن إقامة الدولة'".

موقف الريسوني يناقض بصورة جذرية ما خطه يراع المرشد المؤسس من أن الدولة ركن من أركان الإسلام

​​الحديث أعلاه يمثل نقلة نوعية كبيرة في تفكير أهل الإسلام السياسي، ويقترب من الدعوات التي ظل ينادي بها التيار المدني حول ضرورة الفصل بين المجالين الديني والسياسي، وأن تكتفي الجماعات الدينية بالعمل الذي ينشد إصلاح الأفراد وتنشئتهم على القيم التي من شأنها الإسهام في تطوير المجتمع من شاكلة الصدق والأمانة وتقديس العمل واحترام الوقت وغيرها، دون أن تقتحم مجال السلطة الذي من شأنه أن يضر بالطرفين.

إن دخول الجماعات الدينية ساحة العمل السياسي ومحاولتها ربط الدين بالسلطة يعني إهدار معناه، ذلك لأن السلطة بطبيعتها تُفسد العقيدة، وكل جماعة دينية تحاول الاقتران بالسلطة بقصد إصلاحها وتطويعها لا بد أن تقع فريسة لها وهذا الأمر ثبت بالتجربة العملية في التاريخ كما هو في الحاضر وسيكون كذلك في المستقبل.

اقرأ للكاتب أيضا: ثورة السودان: 'داعش' يعلن حضوره

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN)،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.