بقايا صاروخ إيراني استخدمه الحوثيون لاستهداف السعودية
بقايا صاروخ إيراني استخدمه الحوثيون لاستهداف السعودية

مايكل نايتس وأساف أوريون/

تسمح القذائف والصواريخ الإيرانية بعيدة المدى للجمهورية الإسلامية بتهديد قوات العدو وشعوبها على بعد مئات الكيلومترات عنها، في حين تمكنها الحرب بالوكالة من مضايقة هؤلاء الأعداء وردعهم بطريقة غير مباشرة وبأقل خطر مواجهة على الأراضي الإيرانية.

وفي السنوات الأخيرة، جمعت طهران بين هاتين الاستراتيجيتين اللتين حملتا أثرا كبيرا على لبنان وسوريا واليمن. كما تبرز مؤشرات على أن العراق قد يكون المسرح التالي لهذه المقاربة ـ وهي مؤشرات كانت جلية قبل وقت طويل من أحدث نشر للقوات العسكرية الأميركية في المنطقة والاجتماعات مع القادة العراقيين. وإذا صح ذلك، فمن شأن سيناريو مماثل أن يهدد آمال العراق بمستقبل سلمي ويعرّض علاقاته مع الولايات المتحدة للخطر.

قواعد الصواريخ الأمامية الإيرانية

اتبعت عمليات نقل الصواريخ الإيرانية إلى الخارج نمطا بارزا ـ أولا، يتم توفير صواريخ المدفعية بعيدة المدى (ويتم تحديثها أحيانا بدقة أفضل)، ثم تضاف إليها الصواريخ البالستية قصيرة المدى. وعندما يتطلب الأمر مدى أطول، يتم توفير صواريخ بالستية طويلة المدى. ولا تساهم هذه الزيادات في مدى الصواريخ في رفع عدد الأهداف التي يمكن الوصول إليها فحسب، بل تسمح أيضا بتخصيص سلسلة من مواقع الإطلاق تكون أوسع نطاقا ويصعب توقعها. إن تفويض الوكلاء الأماميين بتجهيز منصات الإطلاق بالعناصر يتيح لإيران زيادة عدد الضربات بأقل مخاطر مقارنة بإطلاق النار من أراضيها أو باستخدام عناصر إيرانية. وتبرز عدة أمثلة على هذا النمط:

إذا شعرت إسرائيل بأنها ملزمة على التحرك، فلن يكون شن غارات جوية علنية على العراق خيارها الأول
  • ​​لبنان: يعود تزويد إيران لـ "حزب الله" اللبناني بالصواريخ البالستية، التي تُعتبر أبرز سلاح تمدّ به إيران وكلائها، إلى عقود طويلة. فبحلول عام 2006، كان الحزب قد بنى ترسانة تضمّ حوالي 12 ألف ذخيرة ـ أبرزها صواريخ قصيرة المدى، إلى جانب بضع مئات من صواريخ المدفعية "فجر ـ 5" التي يصل مداها إلى 75 كيلومتر، وصواريخ "زلزال ـ 3" بمدى 300 كيلومتر، وصواريخ سورية من طراز "إم ـ 600" (التي هي نسخ من الصواريخ الإيرانية "فاتح ـ 110") بمدى 300 كيلومتر. وخلال "حرب تموز" مع إسرائيل عام 2006، أطلق "حزب الله" حوالي 4 آلاف قذيفة عبر الحدود. وتشير التقييمات الحالية إلى أن ترسانة الحزب من الصواريخ المدفعية الطويلة المدى تبلغ في الوقت الراهن بضعة آلاف وأن ترسانته من الصواريخ البالستية القصيرة المدى تصل إلى بضعة مئات، علما أنه أضيف إلى بعضها ميزة التوجيه الدقيق وزُرعت في مناطق مأهولة.
  • غزة: زوّدت إيران حركتَي "حماس" و "الجهاد الإسلامي في فلسطين" بالصواريخ وبالقدرة على إنتاجها وإصلاحها محليا، بما فيها صواريخ "فجر ـ 5" (التي تُعرف أيضا باسم "إم ـ 75") بمدى 75 كيلومترا. وتم إطلاق هذه الصواريخ من غزة باتجاه تل أبيب الشهر الماضي، كما أُطلق وابل من الصواريخ ذات المدى القصير على إسرائيل في 4 و5 أيار/مايو.
  • سوريا: زوّدت إيران القوات في سوريا بصواريخ جاهزة وبالقدرة على إنتاجها، بما فيها صواريخ "إم ـ 600" يصل مداها إلى 300 كيلومتر. وفي أيار/مايو 2013، تردّد أن إسرائيل ضربت مستودعا مخفيا من صواريخ "إم ـ 600" بالقرب من دمشق. وبحلول عام 2018، كانت إيران قد نشرت منشآت تصنيع ومنصات إطلاق وذخائر في سوريا، مما دفع بالقوات الإسرائيلية إلى استهدافها. وردا على ذلك، أطلق وكلاء إيران عشرات الصواريخ على إسرائيل في أيار/مايو 2018، فضلا عن صاروخ ثقيل (ربما "إم ـ 600") في كانون الثاني/يناير 2019.
  • اليمن: منذ أن اندلعت الحرب الراهنة في اليمن عام 2015، علّمت إيران الحوثيين كيفية إنتاج صاروخ مدفعي من طراز "بدر ـ 1P"بمدى 150 كيلومترا، وكيفية تحويل صواريخ " "SA-2إلى صاروخ "قاهر-1" بمسار حر وبمدى 250 كيلومترا وصاروخ بديل من طراز "قاهر- M2" (ما يعادل الصاروخ الإيراني "توندار -69") بمدى 400 كيلومتر. كما أرسلت نسخة عن صاروخ "قيام-1" البالستي قصير المدى (يسميه الحوثيون "بركان 2-إتش") بمدى ألف كيلومتر. ووفقا لمنظمة الأمم المتحدة، صنعت "مجموعة الشهيد باقري الصناعية" الإيرانية هذا الصاروخ بشكل خاص لكي يتمكّن الحوثيون من ضرب الرياض ومدن سعودية أخرى. ونقلت الأمم المتحدة أيضا أن إيران زوّدت المتمردين بمعدات لإنتاج المؤكسد المستخدم في هذه الصواريخ البالستية القصيرة المدى العاملة بالوقود السائل وذات المدى الأبعد.

الصواريخ الإيرانية والعراق

يتصاعد القلق في دوائر الاستخبارات العراقية والأميركية والإسرائيلية من قيام إيران سرا بتزويد صواريخ مدفعية طويلة المدى إلى ميليشياتها الوكيلة في العراق، بما فيها "كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء" اللتان صنفتهما الولايات المتحدة على لائحة الإرهاب، وربما "منظمة بدر" أيضا. وتفيد بعض التقارير أن هذه التنظيمات الوكيلة الشيعية قد طورت استخداما خاصا لقواعد آمنة في محافظات ديالى (مثل "معسكر أشرف") وصلاح الدين ("معسكر سبايكر") وبغداد (جرف الصخر) وكربلاء (الرزازة) وواسط (الصويرة).

ومن المسلّم به على نطاق واسع أيضا أن الميليشيات طورّت خط تواصل وتحكم يمتد إلى إيران عبر ديالى، يسمح لها باستيراد الصواريخ والمعدات من دون موافقة الحكومة أو عِلمها. فعلى سبيل المثال، ربما تكون صواريخ المدفعية قد دخلت أساسا إلى العراق في ناقلات مياه أو نفط فارغة، وهو تكتيك استُخدم أيضا في اليمن. وإذا صحّ ذلك، تشير قواعد اللعبة التي تمارسها إيران إلى أن الصواريخ البالستية القصيرة المدى و/أو أنظمة التوجيه الدقيق قد تكون قريبا في طريقها إلى العراق.

وسواء استخدمت إيران العراق كموقع إطلاق أو كمسرح لنقل المواد إلى سوريا، سيتخطى نشر الصواريخ البالستية القصيرة المدى هناك خطا [أحمر]، ويعزى السبب عموما إلى أنه سيجلب مجموعة أكبر من القوات الأميركية وشركائها إلى احتمال إطلاق النيران.

وفي صراع مستقبلي، قد يستهدف الوكلاء الذين يملكون الصواريخ وينفذون عملياتهم من العراق، القوات الأميركية في أجزاء مختلفة من الخليج أو المعارضين الأكراد الإيرانيين أو الحكومة العراقية أو السعودية.

وسبق لهذه الجماعات أن أظهرت استعدادها لشنّ مثل هذه العمليات. ففي تموز/يوليو 2013 على سبيل المثال، أطلقت عناصر من "كتائب حزب الله" صواريخ تكتيكية على الأراضي السعودية بعدما تعرّض مكتب تابع لـ "حزب الله" اللبناني في بيروت إلى هجوم بسيارة مفخخة. وفي أيار/مايو 2015، هدد قائد "حركة حزب الله النجباء" المصنّف على لائحة الإرهاب الأميركية أكرم الكعبي، المملكة بهجمات انتقامية ردا على حملة القمع التي تشنها ضد السعوديين الشيعة. وإذا تمّ اليوم نشر الصواريخ البالستية القصيرة المدى التي أرسلتها إيران، في الصحراء الجنوبية من العراق، فقد تستهدف الرياض، كما حدث مرات عديدة عندما شن صدام حسين حملته بصواريخ "سكود" خلال "حرب الخليج" عام 1991.

وتجدر الملاحظة، أن إطلاق الصواريخ من العراق لا يشكل تهديدا غير مسبوق لإسرائيل أيضا. ففي عام 1991، أطلقت قوات صدّام 39 صاروخا من نوع "الحسين" على المدن الإسرائيلية، ولم تنجح حملة مخصصة شنّتها القوات الجوية والخاصة الأميركية والبريطانية في تدمير أي منصات فور انتشارها غربي العراق.

وفي أي صراع مستقبلي، يمكن لإيران أن تزيد بشكل كبير قدرتها المحتملة على إطلاق الصواريخ على تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى من خلال نشر الصواريخ البالستية القصيرة المدى في خطوط متقدمة في المنطقة نفسها من العراق، وربما تستفيد من سيطرة الميليشيات على الطرق السريعة في محافظة الأنبار. وكان قادة الميليشيات العراقية قد أطلقوا بالفعل تهديدات ضد إسرائيل بين الحين والآخر. ففي آذار/مارس 2017، هدد أكرم الكعبي بنقل قواته إلى هضبة الجولان لمحاربة إسرائيل. وأعرب قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي عن نوايا مماثلة عندما زار المنطقة الحدودية مع إسرائيل في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه.

التداعيات على السياسة الأميركية

على واشنطن وبغداد التأكد من عدم تطوير إيران القدرة على نقل الصواريخ سرا إلى العراق. فتسليم أسلحة مماثلة سيعدّ انتهاكا لقرار "مجلس الأمن" الدولي رقم 2231، الذي يحظر "تزويد أو بيع أو نقل الأسلحة وأي مواد ذات صلة من إيران".

ومن جهتها، لا شك أن إسرائيل تدرس ما إذا كان عليها أن تتعامل مع هذا التهديد المحتمل في أعقاب الذهنية السابقة المعتمدة تجاه لبنان (أي عدم فعل الكثير حتى [بدء] الحرب) أو وفقا للنموذج الجديد الذي تنتهجه في سوريا (القيام بضربة مبكرة قبل أن يتطوّر تهديد الصواريخ إلى رادع هائل). ومن شأن أي من المقاربتين أن تثير مشاكل للولايات المتحدة والعراق، لذا على الحكومتين اتخاذ خطوات لتفادي اتخاذ إسرائيل لهذا القرار في المقام الأول.

وإذا شعرت إسرائيل بأنها ملزمة على التحرك، فلن يكون شن غارات جوية علنية على العراق خيارها الأول. فأي ضربة إسرائيلية على محافظة ديالى أو مناطق تقع على البعد نفسه ستتطلب اختراق أكثر من 800 كيلومتر من المجال الجوي المحمي، بحيث تعبر الأراضي الأردنية والسعودية وتواجه أنظمة الدفاعات الجوية العراقية، وربما السورية. وقد أظهر "سلاح الجو الإسرائيلي" قدرته على تسيير عملياته من مسافات بعيدة، لكن شنّ ضربات مستمرة على بعد 1000 كيلومتر من إسرائيل مختلف تماما عن توجيه ضربات على سوريا المجاورة. وبالإضافة إلى التحديات التشغيلية، من شأن تحرك إسرائيل علنا أن يعقّد العلاقات والمصالح الأميركية في العراق، ناهيك عن علاقات إسرائيل مع دول المنطقة.

وإذا كان الماضي تمهيدا لما سنشهده في المستقبل، فستبدأ إسرائيل على الأرجح بالطلب من شركائها الأميركيين والأوروبيين والإقليميين توفير الدعم الاستخباراتي وقنوات التواصل مع القيادة العراقية المعنية، وبذلك تعزز خياراتها المستقلة. وعندئذ ستستخدم هذه القنوات لمنع نشر صواريخ إيرانية في العراق.

وفي الوقت نفسه، ستعد إسرائيل خيارات عملياتية تهدف إلى تدمير القدرة على التهديد كعامل دعم أخير. كما قد تبذل جهودا أخرى لمنع حدوث ذلك، من خلال سيرها "ضد التيار" متخطية الصواريخ والمعدات لتستهدف الجهات الفاعلة الرئيسية المسؤولة عن توليد خطر الصواريخ البالستية الذي يطرحه وكلاء إيران ضد إسرائيل.

نشرت إيران منشآت تصنيع ومنصات إطلاق وذخائر في سوريا، مما دفع بالقوات الإسرائيلية إلى استهدافها

​​وفي موازاة ذلك، قد تسعى إلى تغيير حسابات المخاطر في طهران من خلال الإظهار للنظام أن الحرب غير المباشرة ليست أحادية الاتجاه، وأنه قد يكون للهجمات التي يتمّ شنها من أراضي طرف ثالث تبعات على الجنود الإيرانيين والأراضي الإيرانية.

لدى واشنطن وبغداد أسباب واضحة لتجنب السيناريوهين المذكورين أعلاه، لأن كل واحد منهما قد يعرّض مكانة الولايات المتحدة في العراق للخطر ويفسد الفرصة الأولى المتاحة أمام العراق لتحقيق سلام مستدام بعد عقود من الصراعات. وبناء على ذلك، يجب على المسؤولين الأميركيين أن يسلطوا الضوء باستمرار على الخطر الذي يواجهه العراق إذا ما أدركت إسرائيل أو أطراف أخرى أن شحنات الصواريخ الإيرانية غير الخاضعة للرقابة تمرّ بنجاح. ويشمل ذلك تذكير القادة العراقيين بأن الولايات المتحدة ستكون مرغمة على تقديم أي دليل من هذا القبيل في تقريرها نصف السنوي إلى الأمين العام للأمم المتحدة بخصوص الامتثال للقرار رقم 2231 (يتم تسليم هذه التقارير كل تموز/يوليو وشباط/فبراير).

وكما شدد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد، بإمكان الحكومة العراقية معالجة هذه المشكلة مباشرة من خلال مراقبة الميليشيات الوكيلة لإيران وقواعدها عن كثب. وينطوي ذلك على نفاذ الأجهزة الاستخباراتية وقوات مكافحة الإرهاب الخاضعة للدولة إلى القواعد العسكرية التي تستخدمها حاليا وبشكل حصري وحدات "قوات الحشد الشعبي" الموالية لإيران مثل "كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء" و"عصائب أهل الحق". وقد توفر هذه الخطوة الأولى بعض الاطمئنان للأطراف القلقة حيال نشر الصواريخ الإيرانية في العراق.

مايكل نايتس هو زميل أقدم في معهد واشنطن. أساف أوريون، عميد إسرائيلي متقاعد واستراتيجي للشؤون الدفاعية، وزميل عسكري في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

President of Kurdistan Region Nechirvan Barzani speaks during a press conference in Arbil, the capital of the northern Iraqi…

بينما يواجه كردستان العراق عدة أزمات حادة في الوقت نفسه، يجدر به تقييم فوائد ومساوئ الدعوة الشعبية إلى إصلاح نموذج الحكم المعتمد فيه حاليا وجعله لامركزيا. فمن المرجح أن يثبت نموذج الحكم المتقادم الذي تنتهجه "حكومة إقليم كردستان" حاليا عدم فعاليته في التعامل مع هذه التحديات الكبيرة، ما يكشف عن حاجة ملحة إلى اللامركزية.

وتُعتبر الدعوات إلى اللامركزية خير دليل على بروز مسار في المنطقة بالاتجاه المعاكس. فمنذ العام 1991، خضع "إقليم كردستان العراق" لحكم حزبين سياسيين رئيسيين هما "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني". وقد حكم الحزبان الإقليم وفق نموذج مركزي إنما غير موحد. ومع مرور الوقت، أثبت هذا النموذج أن له الكثير من السلبيات التي زادت الوضع سوءا بالنسبة لـ"حكومة إقليم كردستان".

وتصف مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث (ميري)، وهي مركز بحوث في أربيل، الهيكلية الإدارية الحالية لـ"حكومة إقليم كردستان" بأنها تطورت لتصبح "بيروقراطية مركزية ومتضخمة وغير فعالة بشكل كبير". وتنتقد المؤسسة نموذج الحكم المركزي الذي تنتهجه الحكومة بعدما عمد "المسؤولون في الحكومة إلى تبريره وتعريفه على أنه محاولة لاستحداث سمات وعناصر للسلطة والسيطرة المركزيتين"، وهو أمر أثر سلبا في الواقع على "سير عمل النظام الحاكم وأدائه". ورغم أن هذا الإجراء مطبق منذ سنوات، إلا أن الضغوط التي ستنتج عن تراجع الاستثمار خلال الأشهر القادمة ستمارس ضغوطا إضافية على هيكليات الحكم القائمة.

من شأن "حكومة إقليم كردستان" تتمتع بحكم أفضل أن تكون في موضع أفضل يخوّلها تقديم أداء جيد على طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية

وقد سمح قطاع عام منتفخ وقطاع خاص ضعيف واقتصاد غير متنوع بنشوء دولة ريعية مركزية تسببت بالكثير من المشاكل للعديد من الأشخاص العاديين. فالإجراءات القديمة التي تعتمدها الحكومة متقادمة وبحاجة للتحديث. 

على سبيل المثال، لا يمكن للوزارات قبول نماذج رقمية ولا بدّ من تسليم المستندات الورقية باليد إلى المكاتب في أربيل، عاصمة "إقليم كردستان العراق". ويجعل هذا الإجراء الرجعي الخدمات اليومية بطيئة، وهي مشكلة يمكن حلها فقط من خلال السماح باستخدام نسخ إلكترونية للنماذج. وتُعتبر هذه السمة المهمة للبيروقراطية السائدة في الإقليم أحد الأمثلة فقط على سوء التنظيم الذي دفع بالشعب إلى التشكيك بسبب وجود السلطات المحلية التي انتخبها.

اللامركزية مقابل خلفية سياسية ضبابية

من هذا المنطلق، إن اللامركزية التي أصبحت كلمة طنانة بالنسبة للأحزاب السياسية في "إقليم كردستان العراق" هي وسيلة لإصلاح هذا الانتفاخ الحاصل، رغم أنه لدى كل حزب أسبابه الخاصة لتحبيذ هذا المفهوم. 

وفي الآونة الأخيرة، شهد "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" على السواء عملية انتقالية على صعيد القيادة، وقد حرص القائدان الجديدان لأبرز حزبين في الإقليم على إظهار قوتهما وشخصيتهما إلى الناخبين. 

فالقائدان الشابان واللذان يتمتعان بالجاذبية من عائلتي بارزاني ("الحزب الديمقراطي الكردستاني") وطالباني ("الاتحاد الوطني الكردستاني") سعيا إلى الاستفادة من الإرث الذي ورثاه، بما في ذلك الاستقطاب ضمن المجتمع الكردي. وقد تطور هذا الاستقطاب ليصبح حربا أهلية ناعمة ـ برزت بشكل خاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وضمن هذا الإطار، ستكون اللامركزية بمثابة تشارك للسلطة والموارد بين القطبين.

وخلال السنوات العديدة الماضية، جرى تعطيل عمل هذين القطبين. ففي السابق، كانت الهيكلية السياسية لإقليم كردستان مشكّلة نوعا ما وفق نظام ميزان القوى. لكن القيادة الحالية تفتقر إلى التماسك والدعم السياسي إذ تتوزع المقاعد في البرلمان وأحجام قواعد الأحزاب الانتخابية والسيطرة على الأجهزة الحكومية كلها بشكل غير متساوٍ ـ ما يؤدي إلى ميزان قوى متزعزع يظهر في معظم الأنظمة السياسية المركزية.

وفي السنوات القليلة الماضية، برز "الحزب الديمقراطي الكردستاني" كحزب سياسي مسيطر. وحصل انتقال الحزب من كونه مسيطرا إلى حزب يتحكم فعلا بكافة الأمور بشكل تدريجي، بعدما عجز "الاتحاد الوطني الكردستاني" عن حل الانقسامات الداخلية. ونشأ الصراع على السلطة الناتج في مناطق كان يسيطر عليها هذا الأخير في السابق من دعوات متزايدة إلى الإصلاح والتغيير. ويبدو هدف "الاتحاد الوطني الكردستاني" الحالي لتأييد اللامركزية كوسيلة لاستعادة موقعه، جليا ليس فقط بالنسبة لـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني" بل للأحزاب السياسية الأخرى والشعب.

وعندما يعزز حزب سياسي واحد قوته، غالبا ما يحاول الحزب المهدد استعادة نفوذه من خلال تشكيل تحالف دفاعي "لإرساء ثقل موازن" في وجه الحزب الأكبر سيطرة. وفي وقت يسعى فيه "الاتحاد الوطني الكردستاني" إلى الاستفادة من التغيير المستجد في السياسة الكردية، والعودة إلى "الوضع القائم" السابق، سيواجه المزيد من الصعوبات في إطار مشهد سياسي ضبابي ومتخلف مماثل. ونتيجة لذلك، يقف الأكراد أمام مجموعة محدودة من الخيارات السياسية وعليهم الاختيار بين "حزب ديمقراطي كردستاني" "قوي" أو أحزاب أكثر ضعفًا ومنقسمة داخليا.

ومن موقع قوته، لا يعارض "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مباشرة اللامركزية، إنما لديه عوضا عن ذلك شرحه الخاص للمفهوم لا يتطابق بالضرورة مع فهم "الاتحاد الوطني الكردستاني" له. فـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني" يرى أن اللامركزية ستكون في المقام الأول خطوة إدارية تؤثر على كافة محافظات وأقاليم كردستان. من ناحية أخرى، يواصل الحزب التشديد على سلطة الحكومة. وتعني هذه الرسائل شبه المتعارضة أن الحزب سيسمح بلامركزية إدارية محدودة طالما أن الأمر لا يشمل أي تغييرات في سلطة الحكومة المركزية للإقليم. في المقابل، يفسر "الاتحاد الوطني الكردستاني" اللامركزية على أنها الحدّ من مركزة السلطة في الإقليم.

وإلى جانب التفسيرين السياسيين أعلاه للامركزية، ثمة مطالبة شعبية بها أعربت عنها الأحزاب السياسية المعارضة في "إقليم كردستان العراق". ومع ذلك، فإن الصراع على السلطة بين الأحزاب السياسية المختلفة هو أحد الأمثلة فقط على الديناميكيات المعقدة القائمة وسط خطاب اللامركزية الحالي. وبالتالي، لا بدّ من تفسير نقاش اللامركزية الحالي في إطار المنافسة بين الأحزاب السياسية.

تجدر الملاحظة أن الأحزاب السياسية الأخرى ـ على غرار "حركة كوران" والأحزاب الإسلامية في "إقليم كردستان العراق" ـ لديها مواقف مختلفة إزاء المسألة. فالأحزاب التي لا تملك مجموعة مسلحة تعتبر اللامركزية وسيلة لتمكين الحكومة المحلية وتوزيع السلطة والحكم. والبعض يرى اللامركزية كسبيل لتجديد الانقسامات القديمة التي لا تزال قائمة منذ الحرب الأهلية العراقية ـ الكردية في تسعينيات القرن الماضي. 

في المقابل، تدعم أحزاب أخرى اللامركزية باعتبارها وسيلة لإعادة تخصيص الإيرادات التي تجدها موزعة بشكل غير متساوٍ. وثمة أحزاب تخشى من آثار اللامركزية، معتقدة أن خطوة مماثلة قد تدمر في نهاية المطاف التوازن الهش أساسا في حكومة الإقليم.

خطوات لتحقيق لامركزية فعالة

نظرا إلى التركيبة التقليدية للمجتمع الكردي، يُعتبر الجدال المحيط بموضوع اللامركزية من حيث مفهومها أولوية قصوى. وبالتالي، ستطلب الأحزاب السياسية والنخب الأخرى شرحا واضحا لمفهوم اللامركزية قبل إحداث أي تغيير حقيقي. يُذكر أن مشكلة المفهوم تنطبق على معظم المفاهيم المرتبطة بالحكم وليس على اللامركزية فقط. 

في هذا السياق، يشدّد المؤرخ الألماني راينهارت كوزيليك على أن مفاهيم الحكم "هي على السواء عوامل ومؤشرات على التحرك التاريخي". ويرى أن هناك ارتباط سببي بين الأحداث التاريخية التي نقلت الأنظمة الاجتماعية المشتركة في الأنظمة الحديثة الأولى والتغييرات في اللغة السياسية ـ الاجتماعية؛ "فالمفاهيم المركزية لم تعكس فقط الإصلاحات الاجتماعية إنما لعبت دورا فعالا في هذه العملية".

في السنوات القليلة الماضية، برز "الحزب الديمقراطي الكردستاني" كحزب سياسي مسيطر. وحصل انتقال الحزب من كونه مسيطرا إلى حزب يتحكم فعلا بكافة الأمور بشكل تدريجي

وفي الحالة الكردية، يجعل الالتباس المحيط بمفهوم اللامركزية من المحادثات والجدالات والتبادلات بين الأحزاب وأفرادها شبه مستحيلة. وعليه، يجب أن تتمثل الخطوة الأولى التي ستتخذها "حكومة إقليم كردستان" باعتماد ميزات اللامركزية والشفافية العملية، وهو ما يمكن أن يبدأ بإصدار مستند حكومي حول المسألة يكون متوافرا أمام العامة.

وتنطوي الخطوة الثانية على تحديد إطار زمني واضح وواقعي للعملية، يبدأ بإصلاح الحكومة المركزية. وما إن يتمّ تشكيل سلطة مركزية فعالة وقادرة على نحو أكبر، ستتمكن "حكومة إقليم كردستان" من استهداف اللامركزية المالية والإدارية.

وتكمن الخطوة الثالثة في تغيير النظام الانتخابي للإقليم ليصبح نظاما انتخابيا مختلطا على غرار نظام الأغلبية ذات العضوية المختلطة (MMM)، الأمر الذي سيسمح بإجراء انتخابات متعددة. وفي حين يحتاج الناس إلى معرفة ممثليهم، يتطلب الإقليم أيضا ممثلين يتمتعون بالمعرفة والخبرة في مجالات الحكم، على غرار إعداد الموازنة والتخطيط والطاقة والبيئة، يكونون ممثلين على نحو أفضل في نظام انتخابي مختلط.

عوامل المنافسة

رغم أن هذه الإصلاحات تستغرق وقتا، تصبح الحاجة والضرورة لإجراء مثل هذه التغييرات واضحة على نحو متزايد. وتواجه "حكومة إقليم كردستان" حقبة جديدة من الحكم المركزي "ما بعد النفط" نتيجة انهيار سوق النفط بسبب فيروس "كوفيد-19"، وهذا ما يجعل اللامركزية أكثر إلحاحا. وقبل التدخل الدولي لمحاربة "داعش"، كان الإقليم يتمتع بفترة من الحكم "السهل"؛ حيث كانت أسعار النفط مرتفعة والشركات مزدهرة. وخلال فترة النمو هذه، كانت حكومة الإقليم قادرة على توسعة قطاعها العام وإرضاء قواعد الأحزاب الانتخابية إلى حدّ ما.

غير أنه في ظل دخول العالم في فترة التقلبات المرتفعة هذه ـ بسبب الجائحة العالمية وخيبة أمل الشعب من السياسة ـ على الإقليم الاستعداد للتحرر مما يسمى بالحكم "السهل". ومن شأن اللامركزية أن تقلّص التكاليف التنظيمية الضرورية لتحقيق توزيع أمثل للسلطات. كما ستفتح الاقتصاد وسوق الإقليم أمام القطاعيْن العام والخاص، على أمل أن يعزز ذلك نمو الوظائف الذي تشتد الحاجة إليه.

ويتمثل أحد العوامل الأخرى الذي يجب أن يدفع بالإقليم نحو فعالية ولامركزية أكبر، في علاقاته المعقدة مع بغداد. ففي حين يعترف الدستور العراقي بـ"حكومة إقليم كردستان"، تبقى العلاقة بين أربيل وبغداد قائمة على القوة بدلا من القانون. 

وحاليا، يتعين على حكومة الإقليم التفاوض بشكل دائم مع الحكومة المركزية في بغداد من أجل وضع الموازنة والمشاركة في الحكومة وغيرها من جوانب الحكم. ومن شأن "حكومة إقليم كردستان" تتمتع بحكم أفضل أن تكون في موضع أفضل يخوّلها تقديم أداء جيد على طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية والعكس صحيح. 

ورغم أن طبيعة البلاد اتحادية بموجب الدستور وتخضع لحكم مركزي إلى حدّ كبير، من الواضح أن الحكومة المركزية العراقية و"حكومة إقليم كردستان" بحاجة إلى لامركزية على صعيد الأنظمة السياسية والاقتصادية والإدارية.

من شأن توزيع السلطة والمسؤولية بين الجهات الفاعلة في المحافظات والأقاليم أن يرسي الاستقرار في كردستان العراق وأن يشكّل وضعا يصبّ في مصلحة كافة الأطراف

مع ذلك وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لتطبيق اللامركزية في كردستان العراق، كان الإقليم يسير في الاتجاه المعاكس، مركزا السلطة على نحو متزايد في أيدي الأحزاب الصغيرة وعلى مستويات الأعمال. فقبل فترة ليست ببعيدة، كان الإقليم يتمتع بمعارضة حيوية ووسائل إعلام حرة ناشطة ومجتمعات مدنية فعالة، وهي عوامل أثّرت جميعها في عملية اتخاذ القرار في الإقليم. 

ولسوء الحظ، لم يعد كردستان العراق في هذا الموقع. وحتى ضمن الأحزاب السياسية، لم يعد المكتب السياسي ـ الرمز السابق لمركز النفوذ في الإقليم ـ يملك السلطة نفسها وبات مهمشا بسبب البروز المتزامن للنفوذ العائلي ضمن الأحزاب الرئيسية. ومن هذا المنطلق، يتحول إقليم كردستان أكثر فأكثر إلى نظام حكم الأقلية على غرار بعض أجزاء الشرق الأوسط.

واستنادا إلى هذه الخلفية المعقدة، يتضح أن إقليم كردستان، على غرار بقية العراق، يحتاج إلى نوع من اللامركزية، حتى ولو لم تتفق بعد الأحزاب المختلفة على شكله. مع ذلك، لا بدّ من التوصل إلى إجماع في مرحلة ما بغية المضي قدما. فيصعب بشكل خاص تطبيق الإصلاحات باتجاه اللامركزية لأنه يتمّ التعامل مع المركزية باعتبارها السمة الرئيسية للسلطة في كل جانب من جوانب المجتمع تقريبا؛ سواء من حيث الهيكلية العائلية والثقافة الشعبية والدين. وعليه، يتطلب الانتقال نحو اللامركزية مقاربة طويلة ومتعددة الأوجه.

أما بالنسبة للمجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى التي سعت إلى دعم الأجهزة الأمنية في الإقليم، لا بدّ من توجيه اللامركزية بطريقة تؤدي إلى توحيد الإقليم وإنشاء نظام حكم أكثر تماسكا. وقد يكون ذلك سبيلا لتخطي الانقسامات في كردستان العراق ويجعله شريكا إقليميا موثوقا على نحو أكبر.

غير أنه من أجل تحقيق اللامركزية، لا بدّ من اتخاذ عدد من الخطوات ضمن إطار زمني واقعي. ومن شأن توزيع السلطة والمسؤولية بين الجهات الفاعلة في المحافظات والأقاليم أن يرسي الاستقرار في كردستان العراق وأن يشكّل وضعا يصبّ في مصلحة كافة الأطراف.

المصدر: منتدى فكرة