تشكيل الحكومات وتعديلها حاصل تفاهم رئيس الوزراء مع المرجعيات السيادية في الديوان والمخابرات
تشكيل الحكومات وتعديلها حاصل تفاهم رئيس الوزراء مع المرجعيات السيادية في الديوان والمخابرات

نضال منصور/

يعيش الأردن منذ أسابيع أشبه ما يكون بـ "بيريسترويكا"، فإعادة البناء في الدولة امتدت من الديوان الملكي إلى دائرة المخابرات العامة، وانتهت قبل أيام بتعديل وزاري جديد على حكومة الدكتور عمر الرزاز.

من الواضح أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يريد أن يكون مستعدا وجاهزا للتعامل مع استحقاقات المرحلة القادمة مع اقتراب إعلان تفاصيل ما يعرف بـ "صفقة القرن" رسميا، ومن المهم أن تكون أركان الدولة متماسكة وقوية.

بعد عملية "الفك والتركيب" التي أنجزت في الديوان الملكي، وتبعها الأمر في جهاز المخابرات أنجز رئيس الحكومة تعديلا ثالثا مفاجئا على حكومته قبل أن تكمل العام الأول من عمرها.

كانت التوقعات أن التعديل الوزاري سيرجأ إلى ما بعد عيد الفطر وربما أكثر، أو إن حدثت احتجاجات شعبية في شهر رمضان فيكون التعديل الوزاري مرتبط بما يحدث بالشارع واستجابة له.

الرزاز مطالب بتقديم شروحات لفلسفة إدارة حكومته

​​في كل الأحوال ستبقى قصة تشكيل الحكومات وتعديلها لغزا عصيا على الفهم في الأردن وخارجه، فالسؤال المطروح دائما لماذا عُدلت الحكومة، ما هي الضرورة والأسباب، والسؤال الذي يتبعه ولا يقل أهمية، لماذا أخرج هذا الوزير... وأبقى على ذاك، وما هي المواصفات التي يمتلكها من يدخلون "نادي الحكومة"؟

الحقيقة المعروفة أن "الخلطة السحرية" لتشكيل وتعديل الحكومات لا تحكمها قواعد وآليات تقييم واضحة وشفافة، وحتى الرئيس الرزاز الذي نادى بتغيير القواعد النمطية في تشكيل الحكومات لم يخرج عن المتعارف وخضع لذات المنطق، وبقيت آليات تقييم أداء الوزراء غير معلنة ولا يعرفها الجمهور والرأي العام.

تشكيل الحكومات أو تعديلها كان حاصل تفاهم رئيس الوزراء مع المرجعيات السيادية في الدولة (الديوان الملكي والمخابرات) أساسا، إضافة لتدخلات أخرى أقل تأثيرا، وكل ذلك محكوم بسياق له علاقة بمحاصصة مناطقية وجغرافية وهوياتية، والحفاظ على هذه التوازنات لم يكن دائما يمضي في خط مستقيم.

بعد الفك والتركيب في الدولة الأردنية كان يُفترض أن الطريق أصبحت معبدة أمام رئيس الحكومة عمر الرزاز ليمارس ولايته بشكل أوسع دون تدخلات، وأن بصمته في التعديل الوزاري يجب أن تكون واضحة بعد أن تعرض لانتقادات وسُجل عليه أن عددا كبيرا من الوزراء في فريقه الوزاري فُرضوا عليه ولم يختارهم بإرادته.

التعديل الوزاري كان صادما ومخيبا للآمال ولم تفهم ملامحه وأهدافه وغاياته، فما هو الأمر الذي سيتحقق بإخراج وزراء وإدخال آخرين، وتعديل مسميات وزارات؟

كان الرهان أن رئيس الحكومة الرزاز سيوظف التعديل الوزاري لإعطاء زخم سياسي واقتصادي لحكومته ليبدأ ببرنامج إصلاح جذري يلمس الناس أثره، ويخلق التفافا وطنيا حول أجندة سياسية لمواجهة مخاطر ما يعرف بـ "صفقة القرن"، ويقدم رؤية تُقنع المواطنين أن تحسنا على حياتهم المعيشية سيطرأ في المستقبل القريب.

لم يفعل الرزاز ذلك، والمفاجأة كانت بإعادة سلامة حماد وزيرا للداخلية، ولا يُفهم ما هي الرسالة والدلالات لاختيار حماد في هذا المنصب الهام؟

عثر الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعد ساعات من التعديل، على تغريدة للرزاز قبل أن يصبح رئيسا للحكومة وأعادوا نشرها ينتقد إدارة سلامة حماد حين كان وزيرا للداخلية.

أصبحت متشائما بعد أن كنت "متشائلا"

​​أكثر ما يجب أن يُقرأ في التعديل الوزاري هو اختيار سلامة حماد وزيرا للداخلية خاصة بعد أن استبعد من حكومتي عبد الله النسور وهاني الملقي في الأعوام الماضية، وبعد أن كان محط انتقادات برلمانية حتى وقت قريب.

بصراحة لا أعرف إن كان حماد خيار الرزاز، لكني سألت وزيرا في الحكومة عن اختياره فأجابني أن الدولة تريد وزيرا للداخلية حاسما للتعامل مع الأزمات المحلية، ويكون قادرا على ضبط إيقاع المحافظين ـ الحكام الإداريين ـ في المناطق خارج عمان، وأيضا التعامل بحزم مع جهازي الأمن العام والدرك.

بعد التعديلات في الديوان الملكي والمخابرات يخبرني الوزير استكمالا لحديثه "تريد الحكومة من وزير الداخلية أن يكون في مواجهة الأحداث، وهذا يقتضي أقل تدخلات وأقل ظهور ممكن على المشهد للديوان الملكي والمخابرات، وليس كما حدث في السنوات الماضية".

رغم الانتقادات لوزير الداخلية الجديد فهناك من يُذكر أنه ابن الوزارة العتيد، وهو قادر على إدارتها بحزم دون ترهل، ويُسجل له إدارة أكثر الانتخابات نزاهة عام 1989 حين كان أمينا عاما للوزارة.

جوهر أزمة الحكومة لم يتعامل معها التعديل الوزاري، فخروج وزراء ودخول آخرين لا يُغير من حقيقة أن الحكومة تفتقد لـ "مطبخ" سياسي واقتصادي يشكل رافعة لها لمواجهة الاستحقاقات القادمة.

من الواضح أن ملف الإصلاح السياسي مؤجل إلى إشعار اخر، ولن تُقدم حكومة الرزاز على القيام بخطوات جذرية تغير من المشهد، وحتى الحديث عن قانون الانتخاب جمّد حتى لا يُفسر بأنه يتماهى مع التسوية السياسية القادمة في الإقليم، وإن حدث وفُتح القانون للتعديل فإن الهوامش المتاحة محدودة، ولن يكون لها تأثير على تنشيط الحياة السياسية والحزبية، وولادة مجلس نواب بمواصفات مختلفة.

وجدت التعديل الوزاري مخيبا للآمال، فالحكومة تتخبط، تلغي وزارة التطوير المؤسسي ثم تعيدها بعد أشهر، تُغير مسميات وزارة البلديات إلى وزارة الإدارة المحلية، ووزارة الاتصالات إلى وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة دون دراسة قانونية مستفيضة تقطع الطريق على عدم قانونية الإجراء والإشكالات التي قد تتسبب بها.

تعديل وزاري مخيب للآمال بعد تغييرات الديوان الملكي والمخابرات

​​بقي الوزير رجائي المعشر، الذي يقود الفريق الاقتصادي، في الحكومة رغم الأحاديث التي تسربت عن خلافه المتكرر مع رئيس الحكومة و"حرده" وتقديمه لاستقالته احتجاجا على قرارات اتخذها الرئيس ولم تعجبه.

إذن لماذا التعديل الوزاري على الحكومة إذا لم يُحدث تحولا لافتا يقوي من أركان الحكومة، ويعطيها زخما لانطلاقة جديدة تجعلها قادرة على المواجهة والتصدي داخليا وخارجيا؟

بصراحة الرئيس الرزاز مطالب بتقديم شروحات لفلسفة إدارة الحكومة التي لم أعد أفهمها، ويقنعنا كيف سيحقق برنامج النهضة!

سأقول لرئيس الحكومة كنت "متشائلا" قبل أشهر والآن أصبحت متشائما!

اقرأ للكاتب أيضا: ثورة بيضاء لملك الأردن

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.