صورة لحاملة ابراهام لينكون في المقدمة وسط مجموعة من الفرقاطات والمدمرات
صورة لحاملة ابراهام لينكون في المقدمة وسط مجموعة من الفرقاطات والمدمرات

عمران سلمان/

حتى الآن قد لا نكون بإزاء حرب أميركية إيرانية وشيكة في المنطقة، لكن الأمر قد يتطور في أية لحظة في هذا الاتجاه. وقرار إرسال حاملة الطائرات "يو أس أس أبراهام لينكولن" إلى منطقة الخليج ونشر مقاتلات بي 52 بعيدة المدى، وغيرها من الأسلحة الهجومية، ليس بغرض النزهة أو لمجرد زيادة الضغوط.

من الواضح أن ذلك، وغيره من التحركات العسكرية والدبلوماسية المختلفة، يندرج في إطار العنوان العريض للصراع الحالي في المنطقة، وهو الصراع الذي بات لأول مرة مفتوحا ومباشرا بين الولايات المتحدة وإيران.

نقطة توتر حرجة

بمعنى آخر فإن المعركة المؤجلة منذ فترة طويلة بين البلدين يبدو أنها تقترب حثيثا بصورة أو بأخرى. الصدام العسكري أحد أشكال هذه المعركة، لكنه ليس الشكل الوحيد. فالعقوبات وتشديد الحصار السياسي والدبلوماسي وإعادة ترتيب الاصطفافات الإقليمية والدولية، هو شكل آخر من هذه المعركة أيضا.

الذين يعولون على الموقف الروسي أو الصيني أو على قدرة إيران على تفعيل ميليشياتها في المنطقة واهمون جدا

​​ولوضع هذا الصراع في إطار سياقه الطبيعي، من المهم التذكير بأن إيران كانت على الدوام مشكلة بالنسبة لصانع القرار الأميركي منذ الثورة الإسلامية عام 1978. فقد شهدت العلاقات بين البلدين مراحل من المد والجزر، لكنها كانت باستمرار نقطة توتر حرجة وقابلة للاشتعال في أي وقت. وحتى بعد التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، لم تتراجع حدة هذه المخاوف. كانت إحدى وجهات النظر في واشنطن ترى أن الاتفاق يمكن أن يشكل بداية لمعالجة الملف بصورة تشجع إيران تدريجيا على العودة الطبيعية إلى المجتمع الدولي، وبما يسمح بتفكيك قضايا الخلاف بين البلدين تدريجيا.

لكن هذه وجهة نظر واحدة فحسب. ثمة وجهات نظر أميركية أخرى كانت تجد صعوبة في تغيير ما بات ثابتا في التفكير الاستراتيجي الأميركي من أن إيران ومنذ الثورة وحتى اليوم هي عدو للسياسة الأميركية ومصالح الولايات المتحدة القومية في المنطقة.

وثمة جهات نافذة في الكونغرس وفي الطبقة السياسية الأميركية، تتبنى هذا الرأي وتدافع عنه بضراوة.

وقد وجد هذا الاتجاه قوة دفع حاسمة مع مجيء إدارة الرئيس دونالد ترامب والطاقم المحيط به، ممن يرون في إيران شيطانا أكبر.

تغيير النظام أو إصلاحه

لهذه التطورات طبعا علاقة كبيرة بما يجري في المنطقة، سواء تعلق الأمر بإسرائيل أو الدعم الإيراني لحزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى، أو مخاوف حلفاء واشنطن في الخليج من تزايد النفوذ الإيراني، وتدخلاته المختلفة، لكن قرار تحويل الحرب الباردة بين المعسكرين إلى حرب ساخنة، هو قرار أميركي بامتياز. ويبدو أنه قد اتخذ بالفعل.

كان السؤال طوال الفترة الماضية في واشنطن فيما يخص إيران هو هل الهدف تغيير النظام أم إصلاحه؟ إجابات المسؤولين الأميركيين كانت على الدوام تشير إلى أن السياسة الرسمية هي إصلاح النظام ـ ربما لأن التغيير له تبعات قانونية وسياسية. لكن الوضع على الأرض كان يشير بصورة واضحة إلى أن السياسة الحالية وإن كانت تستهدف الضغط على إيران لتغيير سلوكها، فإن الاستراتيجية الأكبر هي من دون شك تسير في اتجاه تغيير النظام في نهاية المطاف.

والفرق بين السياسة والاستراتيجية هنا يمكن تلخيصه في كلمة واحدة. التدرج أو التدحرج.

تحويل إيران من دولة إلى أزمة

إن جوهر السياسة الأميركية الحالية تجاه إيران هو تغيير وضع وصورة إيران عبر تحويلها تدريجيا من الوضع الطبيعي لدولة، إلى مشروع أزمة قائم ومستمر. ويتم ذلك بزيادة العقوبات وتشديدها وإحكام طوق العزلة السياسية، وربما نشهد ضربات عسكرية محدودة ومتكررة لأهداف داخل إيران في حال أقدمت الأخيرة على أي عمل عسكري بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضد المصالح الأميركية أو حلفائها.

الهدف النهائي هو تحويل إيران إلى نموذج مشابه لما كان عليه حال العراق قبيل حرب عام 2003. فالإنهاك الاقتصادي والسياسي المستمر والتهديدات بالعمل العسكري، يبقي إيران داخل الصندوق ويجعلها تتحول مع الوقت إلى ثمرة ناضجة يسهل قطفها.

بعد أن تتحول إيران من دولة إلى أزمة، تكون الأمور قد وصلت إلى مرحلة اللاعودة

​​ثمة محاذير طبعا لمثل هذه السياسة، أهمها انتشار نطاق الصراع إلى أجزاء أخرى في المنطقة وربما تفجر أوضاع جديدة في أجزاء أخرى منها، لكن كل ذلك في حال حدوثه لن يفعل سوى تسريع الانتقال من سياسة إصلاح النظام إلى استراتيجية تغييره.

إن الذين يعولون على الموقف الروسي أو الصيني أو على قدرة إيران على تفعيل ميليشياتها في المنطقة واهمون جدا. فبعد أن تتحول إيران من دولة إلى أزمة، تكون الأمور قد وصلت إلى مرحلة اللاعودة. الشيء الوحيد الذي يستطيع القادة الإيرانيون ومن معهم فعله الآن وقبل فوات الأوان هو تعطيل حدوث ذلك، عبر مسارعتهم إلى الشروع في مسار التغيير أو على الأقل إرسال إشارة إلى وجود نية في هذا الاتجاه.

اقرأ للكاتب أيضا: المسلسل الذي أرعب قلوب المتطرفين

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.