في أحد أسواق العاصمة التشادية
في أحد أسواق العاصمة التشادية

منصور الحاج/

على غرار شعار "تسقط بس" الذي رفعه الثوار في السودان وتمكنوا بعد مخاض عسير، سقط خلاله عشرات الشهداء السلميين، من الإطاحة بالرئيس عمر البشير وإنهاء حكمه الذي استمر لثلاثين عاما، أطلق نشطاء تشاديون حملة "تمرق بس" على مواقع التواصل الاجتماعي مطالبين الشعب في تشاد بالخروج في تظاهرات سلمية والمطالبة برحيل الرئيس إدريس ديبي إتنو الذي يتمسك بكرسي الحكم منذ وصوله إلى السلطة عام 1990.

ولتحقيق هذا الهدف، دشن نشطاء تشاديون صفحة على موقع "فيسبوك" باسم "تجمع المهنيين التشاديين" أسوة بـ"تجمع المهنيين السودانيين" الذي قاد الحراك الثوري في السودان، وفي غضون أيام معدودات وصل عدد المتابعين إلى قرابة ثلاثين ألفا، واستجاب المواطنون لدعوات التجمع وخرجوا في العاصمة انجمينا وغيرها من المدن مطالبين بإسقاط النظام الذي كثف تواجد أجهزته الأمنية في المواقع المحددة للتظاهرات وأعتدى رجال الأمن على المتظاهرين بالضرب والقمع واستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع واعتقل عدد من النشطاء البارزين.

يتلمس التشاديون طريقا آخرا لم يسلكوه من قبل مهتدين بتجارب الشعوب

​​والحراك الجماهيري في تشاد، وإن اكتسب زخما كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي يتجلى بوضوح في آلاف المشاركات ومئات التسجيلات الصوتية والمرئية الداعمة للحراك وشعاره والمنددة بانتشار الفساد المالي والإداري والمحسوبية والداعية إلى ضرورة تنظيم الصفوف والعمل على تعبئة الجماهير وحثهم على الخروج والمطالبة بإسقاط النظام، إلا أنه لم يتمكن حتى الآن على الأقل من كسر هاجس الخوف وإحداث النقلة النوعية المطلوبة في أوساط شرائح المجتمع التشادي. وهو أمر يعيد إلى الأذهان القناعة السائدة باستحالة تغيير النظام في تشاد عبر الطرق السلمية، والتي بناء عليها التحق العديد من أبناء جيلي والأجيال السابقة واللاحقة الراغبون في التغيير بصفوف الحركات المسلحة بدعوى أن ديبي الذي وصل إلى السلطة بقوة السلاح لن يتنازل عنها إلا عبر القوة.

وبالنظر إلى واقع المجتمع التشادي حيث تشيع قيم البداوة واعتماد المواطنين على القبيلة كمصدر للقوة والحماية والتقدير الاجتماعي ويحرص الناس على التمسك بالعادات والتقاليد القبلية، فضلا عن تفشي الأمية وقلة الاعتماد على الدولة لتوفير متطلبات الحياة اليومية في كثير من المناطق التي يعيش فيها الناس حياة بدائية، نجد أن جميع هذه العوامل تقلل من فرص نجاح أي حراك جماهيري عبر التظاهرات والاعتصامات السلمية في إسقاط النظام.

لقد تمكن الرئيس إدريس ديبي خلال سنوات حكمه من كسب ولاءات كثير من قادة القبائل عبر توزيع المناصب على أبنائهم ومنح الهبات وتوزيع العطاءات التجارية والاعتراف بسلطاتهم المحلية، ليحافظ بذلك على التوازنات القبلية ويستمر في حكم البلاد لقرابة ثلاثة عقود، حافظ خلالها على الاستقرار في أغلب الفترات ولم يتعرض حكمه لتهديد حقيقي إلا في حالات معدودة أبرزها وصول المتمردين إلى العاصمة انجمينا في نيسان/أبريل 2006 ونيسان/أبريل 2008.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف قيادات المعارضة وزعماء الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وعدم امتلاكها القدرة على حشد الجماهير يقلل من حظوظ دعاة الحراك السلمي في إسقاط ديبي الذي تمكن خلال سنوات حكمه من اختراق غالبية الأحزاب السياسية والدخول في تحالفات مع القيادات البارزة فيها أو تصفية من استعصى عليه إغراؤهم بالمناصب والأموال.

أما رجال الدين والمؤسسات الدينية، فقد تم تحييد غالبيتهم بل واستطاع ديبي كسب ولائهم وتأييدهم ومن النادر أن يتطرق أئمة المساجد إلى القضايا السياسية ومعاناة المواطنين اليومية مع ضعف المرتبات التي تتأخر عادة لأشهر عديدة، والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وعدم توفر اسطوانات الغاز مع استمرار منع استخدام الحطب والفحم لطهي الطعام. كما لا يخفى على أحد تبعية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية للنظام الحاكم واقتصار دوره على حل الخلافات الزوجية وقضايا الميراث والعلاقات مع المنظمات الإسلامية العالمية.

جرب التشاديون تغيير أنظمة الحكم عبر الثورات المسلحة والحروب الأهلية ولكنها لم تحقق لهم طموحاتهم

​​إن العوامل المذكورة أعلاه وإن كانت مهمة في عملية حشد الجماهير لإنجاح أي حراك سلمي يهدف إلى تغيير النظام إلا أن غيابها لا يعني استحالة إسقاط النظام عبر الانتفاضة الشعبية. علمتنا موجات التغيير والهبات الجماهيرية التي اجتاحت العديد من الدول ألا نستهين ولا نقلل من قدرات جيل "فيسبوك"، وهم في الغالب لا ينتمون إلى الأحزاب التقليدية وتجاوز انفتاحهم حدود القبيلة والانتماءات الدينية والطائفية والعرقية من أجل تحقيق أحلامهم وطموحاتهم في العيش في أوطان كالتي يرونها على شاشات هواتفهم تُحترم فيها حقوقهم الأساسية وتتوفر فيها مقومات الحياة الكريمة ويسودها العدل والمساواة والديمقراطية وسلطة القانون.

إن الدعم الواسع الذي حظيت به حملة #تمرق_بس من مختلف شرائح المجتمع التشادي دليل واضح على أن عدوى الثورات السلمية قد وصلت إلى تشاد وغيرت قناعات الكثيرين عن جدوى فكرة اللاعنف والحراك السلمي. شاهدت واستمعت إلى تسجيلات مرئية وصوتية متداولة في مجموعات "واتساب" لعسكريين يطالبون فيها الشعب التشادي بالخروج في ثورة شعبية سلمية لإسقاط ديبي أسوة بالشعب السوداني.

كما قرأت في الصفحات المؤيدة للحراك الجماهيري العديد من المقالات التي طالب كتابها بتجريب خيار السلمية أذكر منها مشاركة الناشط التشادي الدكتور هارون عاشور الذي تساءل قائلا: "فلماذا لا نبدأ بالخيار الصائب (سليمة الثورة).. الآن العالم تغير وترك لغة العنف فهل ندخل التاريخ مع العالم في سلميتنا التي نناشد بها أم ما زال سرطان القبيلة يسيطر على مفاصل عقولنا".

ولم يقتصر التأييد الذي حظيت به الدعوة للحراك الجماهيري على فئة الشباب فقط بل شمل أيضا الأطفال والمراهقين، وكان من أروع ما شاهدت ذلك التسجيل المرئي الذي تحدث فيه صبية عن معاناتهم اليومية في المعيشة والتعليم وتطرقوا إلى الوضع المتردي في البلاد مقارنة مع الدول الأخرى معلنين في نهاية الأمر أن الحل يكمن في الثورة على النظام من أجل إسقاطه بطريقة سلمية.

استطاع ديبي كسب ولاء وتأييد رجال الدين

​​لقد جرب التشاديون تغيير أنظمة الحكم عبر الثورات المسلحة والحروب الأهلية ولكنها لم تحقق لهم طموحاتهم في الحرية والسلام والمساواة والعدالة الاجتماعية، بل على العكس كرست القبلية والمحسوبية والفقر والفساد.

والآن يتلمس التشاديون طريقا آخرا لم يسلكوه من قبل مهتدين بتجارب الشعوب التي نجحت في إسقاط حكامهم عبر الهبات الجماهيرية السلمية التي أثبتت أنها أكثر فعالية لاعتمادها على سلاح الوعي وتكتيكات مبدأ اللاعنف الذي يستمد قوته من فكرة أن العصيان المدني ورفض الإذعان لأوامر الطغاة كفيلة بتجريدهم من مصادر قوتهم وتحويلهم إلى أشباح لا يملكون من أمرهم شيئا أو بحسب تعبير صاحب كتاب "مقالة في العبودية المختارة" الفرنسي إتيان دو لا بويسي: "صمموا على ألا تخدموا بعد الآن وسترون أنفسكم أحرارا. لا أريد منكم أن تدفعوه دفعا، ولا أن تخلعوه خلعا، بل كفوا عن مساعدته فقط ولسوف ترونه ينهار كتمثال ضخم أزيحت قاعدته فهوى وتحطم". فيا أحفاد عمالقة الساو، قوموا إلى ثورتكم السلمية فإنها خياركم الأمثل لتحقيق أحلامكم في الحرية والسلام والعدالة والمساواة.

اقرأ للكاتب أيضا: مؤامرة الجماعات الجهادية ضد الثورة السودانية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Medical staff prepare a nucleic acid kit for a journalist before the closing session of the Chinese People's Political…

حينما نتأمل في الأحداث الدائرة في العالم حول مرض كورونا، يذهب البعض لاعتبار أن هناك صراعا واضحا يلوح في الأفق أو مؤامرة كما يصفونها.

ويرى بعضهم أن محاور هذا الصراع علمية، فيما يراها آخرون سياسية أو اقتصادية.

فمنذ بداية هذا المرض وانتشاره بدأ صراع علمي محموم بين فريقين:

الفريق الأول يرى أنه لا بد من حبس الناس كلها سواء المريضة أو السليمة في بيوتهم، وفرض حظرا عليهم حتى لا ينشروا الفيروس في المجتمع.

فيما رأى آخرون، مثل مسؤولي الصحة في السويد وروسيا البيضاء أن هذا الرأي خاطئ لأنه سيمنع انتشار المناعة الطبيعية ضد الفيروس، وبالتالي قد يزيد من معدلات الوفاة به، وهذا ما رأيناه بالفعل في عدد من الدول والولايات الأميركية التي طبقت حظرا شديدا على المجتمع. ومن أمثلة هذه الدول إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وولاية نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية، حيث بلغت معدلات الوفيات كنتيجة للإصابة بالفيروس في هذه المجتمعات أرقاما عالية.

كذلك، فإن جلوس الأصحاء، وليس فقط المرضى أو حاملي الفيروس في المنازل قد يعرض الأصحاء لتركيز أكثر من الفيروس وبالتالي ارتفاع معدلات الإصابة بالمرض.

أما الصراع الثالث فهو صراع قد يكون من أشد وأبشع ما يمكن، فهو صراع المال وراء مشكلة كورونا

أما الصراع الآخر فكان صراعا سياسيا بعدما دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نتائج فريق البحث الفرنسي الذي اكتشف كفاءة عقار الكلوروكين في علاج المرض، فانقسمت الصحافة إلى قسمين؛ أحدهم يحاول المستحيل لينفي أهمية عقار الكلوروكين بصورة قد يكون مبالغ فيها أو غير علمية كما يراها البعض، وقسم آخر يدافع عن الدواء أي عقار الهدروكسي كلوركين.

ووصل الصراع إلى درجة أن حاكم إحدى الولايات الأميركية منع استخدام العقار في ولايته لأن شخصا غير طبيعي تناول "مادة منظفة" يوجد فيها مادة كيميائية تحمل إسما مشابها لهذا العقار، وهذا مثل أن يمنع أحد استخدام البنزين للسيارات لأن شخصا ما تناوله بهدف الانتحار!

وصل الصراع إلى درجة تتجاوز كل حدود العقل والمنطق. وقد يتم فهم هذا الصراع إذا استمعنا لـ "بيل ماهر" وهو أحد أشهر مقدمي البرامج في التلفزيون في العالم الغربي المعروف بعدائه الشديد للرئيس الأميركي، وهو يدعو علانية وبلا أي خجل إلى محاولة إحداث كساد عالمي لكي يتم التخلص من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتقليل احتمالات فوزه في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2020.

قد يكون من العسير تصور درجة هذا الشر ولكن للأسف الشديد فإن هذا قد حدث بالحرف الواحد ومسجل بالصوت والصورة.

أما الصراع الثالث فهو صراع قد يكون من أشد وأبشع ما يمكن، فهو صراع المال وراء مشكلة كورونا. وباختصار شديد لو اختفى الفيروس أو ضعف من تلقاء نفسه كما يتوقع بعض العلماء المرموقين مثل د. ديدييه راؤول وغيره، فإن كل أبحاث التطعيم قد تذهب أدراج الرياح وتذهب معها مئات المليارات من الأرباح المتوقعة إذا تم استخدام اللقاح لتطعيم معظم سكان الأرض كما دعا بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت.

التداعيات الاقتصادية لهذا الفيروس الوبائي تسببت في انهيارات في أسعار بعض الأسهم الحيوية في البورصات العالمية

ولا تقل الكارثة بالنسبة إلى بعض الشركات إن نجح عقار هيدروكسي كلوروكين في منع انتشار المرض؛ فنجاح هذا العقار سواء في علاج المرض أو منعه يعني للبعض أن عقارا ثمنه أقل من دولار واحد وتستطيع أي دولة أن تنتجه دون الحصول على موافقات من الشركة الأولى المنتجة له نظرا لمرور عقود عديدة على اكتشافه، يعني وبكل بساطة انهيار حلم تحقيق المليارات من الأرباح من وراء بيع عقارات أو أمصال لهذا المرض.

ومما يزيد الأمر تعقيدا أن التداعيات الاقتصادية لهذا الفيروس الوبائي تسببت في انهيارات في أسعار بعض الأسهم الحيوية في البورصات العالمية، وهو الأمر الذي قد يتم استغلاله من قبل بعض الدول مثل الصين للسيطرة على اقتصاد العالم.

ومن الجدير بالذكر ما قاله البروفيسور ديدييه راؤول في كتابه الأخير وتأكيده على ضرورة الفصل بين النشاط العلمي والمصالح الاقتصادية والسياسية من جهة، وأهمية التحقق من المعلومات العلمية، وعدم تركها للتلاعبات الصحفية الباحثة عن الفرقعة الإعلامية، من جهة ثانية.

الأمر فعلا معقد ويحتمل الكثير من الاحتمالات التي قد تحتاج إلى بعض الوقت للتيقن منها.

وللحديث بقية!