كوشنر خلال الندوة في معهد واشنطن
كوشنر خلال الندوة في معهد واشنطن

د. عماد بوظو/

نظم معهد واشنطن ندوة استضافت جاريد كوشنر كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب للحديث حول الخطة الأميركية للسلام بين العرب وإسرائيل، أو ما اصطلح على تسميتها "صفقة القرن". في هذه الندوة لم يكن جاريد كوشنر، مجرد "صهر للرئيس ترامب أو زوج المرأة الجميلة إيفانكا"، كما يفضّل الإعلام العربي وصفه بقصد التشكيك بإمكانية تمتعه بمواصفات أو كفاءة شخصية تناسب منصبه أو الدور الذي يحاول القيام به، بل كان مقنعا وملمّا بالمواضيع التي يتحدث عنها وبمواقف الأطراف المختلفة وبتعقيدات الوضع الإقليمي. ورغم حرص كوشنر على عدم ذكر تفاصيل خطة السلام حتى يأتي الموعد المحدد للإعلان عنها رسميا بعد بضعة أسابيع، لكن الطريقة الذكية التي أدار فيها الدكتور روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، الحوار جعلت الندوة ممتعة وسلّطت الضوء على بعض النقاط.

أول هذه النقاط، أن الإدارة الأميركية الحالية لديها خطة أكثر تفصيلا حول شكل الحل النهائي للصراع العربي ـ الإسرائيلي والذي كانت الإدارات السابقة تتجنب الاقتراب منه، لأنها كانت ترى أن الدور الأميركي يجب أن يقتصر على جلب الطرفين، العربي والإسرائيلي، إلى طاولة المفاوضات ليتفقوا فيما بينهم على شكل الحل الذي يناسبهم.

ليس من الحكمة أن يكرر العرب نفس الأساليب التي اتبعوها خلال العقود الماضية

​​هذا ما جعل أغلب المبادرات السابقة مجرد خطوات إعلامية، منذ أيام هنري كيسنجر وسياسة الخطوة خطوة حتى فترة باراك أوباما التي كانت أقل الإدارات الأميركية انخراطا في محاولة إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي ـ باستثناء عهد الرئيس بيل كلينتون الذي بذل جهودا كبيرة من أجل السلام أكثر من أي رئيس آخر وجرى خلال حكمه توقيع اتفاقيات أوسلو الأولى والثانية بين ياسر عرفات وإسحق رابين، والتي ذكر فيها حق تقرير المصير للفلسطينيين والحكم الذاتي الانتقالي الذي أصبح فيما بعد السلطة الفلسطينية، مع اعتراف متبادل بين منظمة التحرير وإسرائيل، ولكن هذه الاتفاقيات لم تتطرّق لقضايا الحل النهائي كالقدس والمستوطنات والحدود وحق العودة التي كانت تؤجل دائما إلى أجل غير مسمّى، وهذه النقاط تحديدا هي التي قد تتضمنها صفقة القرن.

وباستثناء أوسلو، فإن الاتفاقيات الرئيسية التي حدثت بين العرب والإسرائيليين خلال العقود الماضية لم تلعب الولايات المتحدة دور المبادر فيها؛ فالسلام المصري الإسرائيلي كان مبادرة شخصية للرئيس السادات ابتدأها بزيارته الشهيرة لإسرائيل ومخاطبة الكنيست ثم مفاوضات كامب ديفيد ومعاهدة السلام التي نتجت عنها، واتفاق وادي عربة للسلام بين إسرائيل والأردن كان نتيجة رغبة الطرفين بتحقيقه لعدم وجود خلافات مهمة بترسيم الحدود بين البلدين، وكذلك الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005 ضمن خطة فك الارتباط التي نفذها شارون من طرف واحد وأخلى فيها مستوطنات غزة رغم المعارضة الداخلية.

لفت كوشنر النظر خلال هذه الندوة إلى ازدواجية المواقف العربية، وقال إن حديث المسؤولين العرب في كل مرة يلتقيهم كان عن حجم معاناة الفلسطينيين وعن ضرورة الاهتمام بهم، ولكنهم كانوا في نفس الوقت يغلقون الأبواب في وجههم، حيث لا توجد دولة عربية تستقبل الفلسطينيين، وحتى حجم المساعدات التي يقدمونها لم تكن كبيرة، وخاصة الأنظمة الراديكالية التي تعارض التسويات السياسية دون أن تقدم للفلسطينيين شيئا، بالإضافة إلى الاختلاف بين المواقف الإعلامية وما يتم قوله بالغرف المغلقة.

تقوم الحضارة الحالية على قاعدة أن الهدف من أي قرار سياسي هو توفير حياة كريمة سعيدة للفرد الذي هو الوحدة الأساسية للدولة والمجتمع، بينما في الأنظمة الشمولية والمجتمعات المتخلفة لا قيمة للفرد ولا يتم الاكتراث بمعاناته التي تهون من أجل المجموعة البشرية التي ينتمي إليها كالقبيلة أو الطائفة أو الدولة، لهذا عندما ينظر مراقب غربي إلى حياة أطفال غزة يرى أنه لا يوجد ما يبرر استمرار هذا البؤس الذي يعيشون فيه منذ عقود. حال كثير من الدول العربية ليس أفضل من قطاع غزة، فقد أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة قبل أيام أن 52 مليون إنسان في المنطقة العربية يعانون من جوع ونقص تغذية مزمن.

لم تكتف تلك الأنظمة بتجويع وإفقار شعوبها تحت الشعارات القومية بل قامت فوق ذلك بامتهان كرامتهم، ففي عام 2009 عقد المؤتمر السادس لحركة فتح في الأراضي الفلسطينية وذهب وفد يمثّل الحركة من سوريا للمشاركة فيه، كان بينهم أحد أصدقائي الذي قال لي بعد عودته: عندما كنا في رام الله ورغم أن حاجز الجيش الإسرائيلي لم يكن يبعد عنا سوى بضعة أمتار بحيث كنا نراه ويرانا ولكننا كنا نشعر بكرامتنا وحريتنا هناك أكثر من شعور السوريين والفلسطينيين بكرامتهم هنا في دمشق. وضع بقية الدول العربية لا يختلف كثيرا عن ذلك، أي أن الإنسان العربي محروم في وطنه من الخبز والحرية، لذلك إذا كان مشروع السلام الأميركي يراعي بشكل معقول المطالب العربية فمن الواجب التعامل معه بإيجابية.

رغم أن طريقة التعامل العربية السابقة مع مشاريع تسوية الصراع العربي الإسرائيلي لا تدعو للتفاؤل، ففي هذا الشهر تمرّ الذكرى الواحدة والسبعين لعام النكبة الفلسطيني وإعلان قيام دولة إسرائيل، وطوال تلك السنوات كان العرب والفلسطينيون يرفضون جميع القرارات الدولية، من قرار التقسيم في نهاية عام 1947 الذي أعطى نسبة 57.3 في المئة لدولة يهودية و42.3 في المئة لدولة عربية، وما أعقبها من حرب عام 1948 التي رفعت نسبة ما تسيطر عليه إسرائيل من الأرض إلى 78 في المئة. وفي عام 1965 طرح الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة مبادرة لحل الصراع العربي الإسرائيلي تستند على قرار التقسيم، وقام بجولة واسعة لتسويقها واتفق حينها جميع العرب على اعتباره خائنا، وبعد هزيمة عام 1967 انعقد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم وأصدر اللاءات الثلاث "لا صلح لا تفاوض لا اعتراف بإسرائيل"، كما رفضت أغلب الدول العربية القرار 242 الذي أصدرته الأمم المتحدة نهاية عام 1967 والذي يدعو إلى الانسحاب من أراضي تم احتلالها بهذه الحرب، ولكن العرب كانوا دائما يعودون ويوافقون بعد بضع سنوات على تلك القرارات ويطالبون بتنفيذها بعد أن تكون المعطيات على الأرض قد تغيرت في غير مصلحتهم.

طريقة التعامل العربية السابقة مع مشاريع تسوية الصراع العربي الإسرائيلي لا تدعو للتفاؤل

​​حتى الآن لا أحد يعرف حقيقة "صفقة القرن"، لذلك يبدو الرفض المسبق لها من قبل الرئيس محمود عباس وصائب عريقات أو الرئيس أردوغان مستغربا ويدل على أن هؤلاء لا يأخذون معاناة الإنسان الفلسطيني بعين الاعتبار. ومن المحتمل أن لا تتضمن "صفقة القرن" سببا يبرر القبول بها وفي هذه الحالة ليس المطلوب الموافقة عليها، بل دراستها وإيجاد طريقة جدية ومسؤولة للتعامل معها، ومن الأفضل استخدام عبارات أكثر ذكاء من الرفض الصريح، مع تقديم بدائل واقعية عنها للشعب الفلسطيني والعالم، ومن الضروري عند اتخاذ أي قرار أن تتم مراعاة عامل الزمن الذي لا يسير في مصلحة الفلسطينيين ولا يؤدي سوى إلى مزيد من الهضم التدريجي للأراضي، والجولان أحد الأمثلة على ذلك.

في جميع الأحوال ليس من الحكمة أن يكرر العرب نفس الأساليب التي اتبعوها خلال العقود الماضية وعليهم أن يظهروا ما يدل على أنهم تعلّموا شيئا من تجارب الماضي.

اقرأ للكاتب أيضا: هل صيام رمضان كما نعرفه اليوم بدعة؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.