عناصر من قوات الحشد الشعبي في العراق - أرشيف
عناصر من قوات الحشد الشعبي - أرشيف

مصطفى فحص/

أثارت وسائل إعلام عراقية وعربية جدلا سياسيا واسعا داخل العراق وخارجه، بعدما تناقلت خبرا نشرته أحد الصحف العربية نسبته إلى سياسي عراقي كشف فيه بأن المرجع الأعلى السيد علي السيستاني قد أبلغ الرئاسات العراقية الثلاث بضرورة النأي بالنفس في الصدام المحتمل بين إيران وأميركا، فالخبر، الذي نفت صحته كل الأطراف المعنية في النجف وبغداد، ادعى من نُسب إليه (السياسي العراقي ) معرفته بتفاصيل الزيارة التي قامت بها الشخصية النجفية المستقلة، النائب السابق الدكتور عبد الهادي الحكيم القريب من المرجعية إلى بغداد ولقائه مع كبار المسؤولين العراقيين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الدكتور عادل عبد المهدي، والادعاء أن الحكيم نقل لعبد المهدي رسالة بشأن الأزمة الحالية بين واشنطن وطهران، وهي ضرورة تجنيب العراق شظايا الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.

فصفة الخبر المدلس في المتن والإسناد وفقا للقياس الفقهي، الذي تعتمده المدارس الدينية الإسلامية في عملية التأكد من صحة الحديث، تنطبق على الخبر باعتباره مدلسا في إسناده، لو تمت الاستعانة بالقاعدة الفقهية في قياسه على احتمال التدليس والتي تقول "إن يروي الراوي عمَّن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أنْ يذكر أنَّه سمعه منه، فيسقط ذلك الراوي، ويرويه عنه بلفظ محتمل للسَّماع وغيره، كـ: قال أو عن؛ ليوهم غَيْرَهُ أنه سمعه منه".

ولكن في متن الخبر (الحديث) يتقصد الراوي (السياسي الذي لم يذكر اسمه) التصويب على موقف النجف الذي اختصره في "النأي بالنفس" (مع العلم أن المرجعية لا يمكن إلا وأن تكون ضد الحرب كما كانت ضد تجويع الشعب الإيراني)، كما يهدف إلى خلق إشكالية سياسية وأخلاقية، بحيث أنه من المفترض أن يكون موقف المرجعية الدينية رفضا للحرب في المطلق، وهي مطالبة بأن تكون أوضح باعتبار أن الحرب ستشن ضد بلد مسلم أغلب مواطنيه من أتباع مذهب أهل البيت ما يحملها أعباء إضافية، ويضعها على تماس مباشر مع بعض الجماعات العراقية العقائدية التي أعلنت مسبقا عن وقوفها عسكريا إلى جانب طهران، والتي تطالب العراقيين بحسم خياراتهم إلى جانبها دون أدنى مراعاة للمصالح الوطنية العراقية في مرحلة حساسة قد تؤثر على مستقبل العملية السياسية برمتها وعلى وحدة واستقرار العراق وعلاقاته الإقليمية والدولية.

وفي هذا الصدد يقول الكاتب العراقي إياد العنبر في مقال نشره على موقع الحرة "إلى الآن لا يوجد فك ارتباط ما بين العراق وإيران على المستويَين الاقتصادي والسياسي، ولم يُحدد العراق موقفا واضحا عن طبيعة علاقته بواشنطن؛ فهل هو حليف استراتيجي، أم أنه دولة صديقة؟ وبالتأكيد فإن عدم حسم العراق خياراته أو إقناع الأميركيين بصعوبة موقفه لن يُرضي ثلاثي الإدارة الأميركية الحالية (ترامب ـ بولتون ـ بومبيو)، الذي يجسد عمليا مبدأ "من ليس معنا فهو ضدنا".

من النجف إلى بغداد يرتفع منسوب القلق العراقي من أن يتحول العراق إلى ساحة تصفية حسابات بين طهران وواشنطن، خصوصا بعد زيارة وزير الخارجية الأميركية بومبيو الأخيرة إلى بغداد، وما حملته من رسائل أميركية صارمة للقيادة العراقية، وما كشفته صحيفة غاردين البريطانية نقلا عن مصدرين استخباريين بأن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني اجتمع في بغداد قبل عدة أسابيع مع قيادات في الحشد وطالبها بالاستعداد "للحرب بالوكالة".

تحاول بغداد بشتى السبل تجنب حرب مباشرة أو بالوكالة، حتى لا تنعكس ارتداداتها على استقرارها الداخلي الهش، حيث أنها تواجه أزمة سياسية وأمنية هي الأخطر منذ الانتصار على "داعش"، فهي عالقة بين معضلتين: الحشد الشعبي الذي تطالب واشنطن بحله، وحشود أميركية تطالب طهران بمواجهتها، وتعلم أنها عاجزة عن تلبية الطلبين، وتتخوف من أن تُقدم فصائل الحشد على أي تحرش ضد مصالح غربية على أراضيها، ما يتسبب بإحراج كبير لها، ويضعها أمام امتحان السيادة، وهو ما قد يفتح مخاطر مواجهة داخلية ما بين الحشد والجيش المعني الأول في حفظ الأمن والاستقرار.

بين حشدين، تتحمل النجف أعباء ضعف ما تتحمله بغداد، لكنها تلزم نفسها بممارسة دورها الرعوي الذي بات عامل توتر ما بينها وبين من يريد تخندق العراق إلى جانبه، وكأنه دولة منقوصة السيادة لا يحق لها اتخاذ القرار بعيدا عن الضغوط الخارجية.

اقرأ للكاتب أيضا: روسيا وعمى الألوان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.