اعتصام ضد قمع الحريات في لبنان
اعتصام ضد قمع الحريات في لبنان

منى فياض/

يتبادل السياسيون والمواطنون اللبنانيون الاتهامات حول فضائح الفساد كما تتبادل النسوة الشتائم حول بركة الماء في القرية في صيف جاف.

احتمل اللبناني الوضع طالما كان يتمتع بحرية الكلام وبوضع اقتصادي معقول. ولا أقول حرية التعبير لأنها غير متوفرة. فالحرية في لبنان مجرد لغو لا يصرف في ميزان المحاسبة والمساءلة، أحد أهم شروط الديمقراطية. وربما كانت هذه الحرية المنفلتة بالذات خلف تنفيس الاحتقان؛ ما يساهم بإفشال التحركات الاعتراضية سواء في التأثير أو في التحول إلى ضغط حقيقي على السلطة.

لكن حتى "الحرية الشكلية" لم تعد مستساغة؛ فبدأت تبرز مؤخرا مؤشرات قمع جدية وتكميم للأفواه. بحيث أصبحت السلطات ومن يوالونها، يضيقون ذرعا بأي اعتراض أو نقد أو حتى تعبير عن رأي أو مجرد تعاطف مع معترض أو متضرر.

نشرت مؤخرا عبر موقع "فيسبوك" فيديو وصلني لطفل من المنصورية، فيديو موجع بعفويته وبراءته وباعتراضه المؤدب على إمداد خطوط كهرباء التوتر العالي فوق مدرستهم وبيوتهم؛ معلنا وهو يحبس دموعه بعد أن توجه إلى رفاقه: "ما بدنا نموت".

ثم أفاجأ بتعليق من أحدهم، يبدو من صفحته أنه من الموالين للتيار العوني، أنقله حرفيا: "الأهم أكيد توقفي تحريض بهيدا الفيديو مش مقبول". وعاد معلقا أنه فيديو قديم. ربما الفيديو قديم لكن هل تقادمت المشكلة؟ هل تبدلت؟ أم أن موقف التيار الوطني الحر هو المتبدل بعد أن استلم السلطة؟

صار "التيار" في السلطة، فانقلب موقفهم بقدرة قادر من رافض لإمداد خط التوتر العالي ـ الموثق بالصوت والصورة والتاريخ ـ إلى مدافع، وبالقوة، عن نفس خطة كهرباء لبنان التي كان يرفضها. وتحول الخطر من مد التوتر العالي فوق الأرض إلى خطر أكبر في حال مده تحت الأرض، استنادا إلى دراسة علمية من الجهة المنفذة للمشروع! بتغافل عمدي عما يعرف بـ "تضارب المصالح".

المشكلة لا تتعلق هنا فقط بموضوع تمديد خط الكهرباء، بل بلهجة الاستعلاء الآمرة والتسلط والشعور بفائض القوة للمنتمين إلى التيار العوني المعتمدين في السراء والضراء على حزب الله.

ضيق صدر السلطات بات يغطي جميع الميادين. في سابقة لم نعرفها حتى تحت الوصاية السورية؛ لأنها حاولت أن تكون مستترة. يتم استدعاء كل من يعلن موقفا معارضا سواء عبر "فيسبوك" أو في الصحف أو الإذاعات. وصل تكميم الأفواه حد استدعاء صحافية في إذاعة صوت لبنان لمجرد طرحها سؤالا يتعلق بما أثير حول شهادة رئيس الجامعة اللبنانية وأحيل محاورها، المناضل الجامعي عصام خليفة، إلى التحقيق الجنائي.

يشكل ذلك تهديدا للحرية الوحيدة المتبقية للبناني: حرية الشكوى من المشاكل والمخاطر التي أغرقته السلطة بها. إنها بوادر التحول بهدوء وبخطى حثيثة نحو دولة الاستبداد الأمنية.

السؤال: كيف يمكن أن تنقلب المواقف 180 درجة بقدرة قادر دون أن يثير الأمر أي تساؤل لدى الموالين لسلطة ما؟

إنه تغييب الفكر النقدي وعجز الفرد عن تقدير الأمور بنفسه لكي يوازن بين كافة المعطيات بشكل موضوعي ومجرد. فيفقد القدرة على رفض قرار صادر عن سلطة عليا يتبعها. فالفكر النقدي يساعد على العودة إلى مرجعية الشخص الذاتية في وجه مطلق سلطة خارجية؛ ليظل محتفظا باستقلاليته فلا ينوب عنه أحد في اتخاذ أي قرار.

إن امتلاك الفكر النقدي يبين للفرد، قبل أن ينقاد مرغما خلف آراء ومواقف قائد الجماعة، مساوئ الانصياع دون أن يفهم لماذا عليه القيام بما يقوم به! ويوفر له الفرصة للقبول أو الرفض. لكن عندما يتعطل التفكير الفردي الحر يندفع الشخص ليعيش في ظل توجيه وإرشاد الجماعة التي ينتمي إليها. ما يجعله مدافعا عن مصالحها ورافضا لأي محاولة نقاش حول صحة ما يقوم به من عدمه، على مذهب المثل القائل "مع أخي ظالما أو مظلوما". في هذه الحالة يتعطل التفكير الواقعي والثقة بقدرة الفرد على اتخاذ قراراته المستقلة. فيصبح كأنه قاصر يحتاج إلى توجيه دائم.

هذه المبالغة في الاعتماد على القائد لتنظيم شؤون أفراد الجماعة نيابة عنهم يعني الانقياد الأعمى الذي يقضي على حس المسؤولية الفردي. ونعلم أن هذا أمر مناف لأبسط حقوق الإنسان: اتباع ما يمليه عليه ضميره. على ما كان يشدد شارل مالك في مداخلاته في الموضوع:

"إن شخص الإنسان يتقدم على أي مجموعة ينتمي إليها، سواء أكانت الطبقة أم العرق أم الوطن أم الأمة. لذلك، فإن عقله وضميره هما أكثر ما في الإنسان قداسة وحصانة وليس انتماؤه إلى هذه الطبقة أو تلك الأمة أو هذا الدين أو ذاك. إن أي مجموعة ينتمي إليها، مهما كانت، دولة أو أمة أو أي شيء آخر، معرضة للخطأ شأنها شأن الفرد الشخص. ففي كلتا الحالتين، إنه الفرد الشخص فقط وبواسطة عقله وضميره، هو الحكم الصالح على صحة الأمور وبطلانها.

وهذا ما تقول به جميع الأديان. فالخالق لا يعين وكيلا عن أي إنسان. الإنسان يقف أمام الخالق بمفرده لا يصاحبه لا رجل دين ولا زعيم ولا قائد كان قد تبعه بشكل أعمي في حياته. يقف أعزلَ، سواء أكان رجلا أم امرأة، إلا من أعماله التي قام بها. من هنا مسؤوليته الفردية مهما كانت قوة جماعته الدنيوية أو الدينية.

أن تطلب التيارات السياسية اللبنانية المغالاة في اتباع آراء القائد، تحتل الفرد وتصادر إرادته، فتخنق الهوية الفردية لديه بشكل لا يتصوره أحد وتغذي الأفراد الملتحقين بها بالأوهام كي تصل إلى السلطة المطلقة بدعم الجماهير المتعطشة إلى رموز تعلق عليها آمالها خصوصا في الأوقات الصعبة. وظهور القائد البطل بمثابة استجابة لهذه الحاجة الملحة. يتسم سلوك الأفراد حينئذ بالاتكالية والتعلق والخضوع لتجنب الألم والقلق. وكأنما هذا القائد جاهز وقادر على تحمّل كل مسؤولية عنهم بسبب ما يتمتع به من قوى خارقة.

إن أكثر من يشكل خطرا بالنسبة للمنضوين تحت عباءة هذه الجماعات الأيديولوجية صاحبة العقائد الجامدة، هو الإنسان الحر؛ لأنه يعكس لهم صورتهم الدونية الناتجة عن فقدان الفردانية وحرية التفكير.

الخطر هنا أن القمع هو أقصر الطرق لهيمنة الدكتاتورية. وأكثر الطرق فعالية للاستبداد هو الفساد والرشوة والابتزاز والمساومة. كي تستمر السلطات المستبدة تعتمد على دعم عدد قليل من الناس الموثوقين للبقاء في السلطة. فبإمكانك الحفاظ على الولاء المطلق لمجموعة صغيرة من الأشخاص من خلال دفع مبالغ جيدة لهم.

وكما نعلم أظهر تقرير منظمة الشفافية الدولية أن الدول التي لديها مؤشر فساد مرتفع هي التي لديها مؤسسات ديموقراطية وحقوق سياسية ضعيفة؛ والعكس صحيح. وعليه يصبح ضروريا إسكات الرأي الحر. تنقل جورج إليوت من "الأوديسة":

ـ بولينيس: إن ما هو أسوأ من المنفى، ألا يتمكن المرء من الإفصاح عما في باله.

ـ جوكاستا: لكن تلكم هي العبودية!

اقرأ للكاتبة أيضا: حقوق الإنسان بين اللغة المحايدة والمصالح الكبرى

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.