يبدو أن رئيس الحكومة مشغول بالاشتباكات اليومية التي تثيرها كل المرجعيات بما فيها من هم في الأصل موظفون تحت رئاسته
يبدو أن رئيس الحكومة مشغول بالاشتباكات اليومية التي تثيرها كل المرجعيات بما فيها من هم في الأصل موظفون تحت رئاسته

مالك العثامنة/

كانت أحداث الأسبوع الماضي، والتي تتوارد عليّ من الأردن تباعا، توحي بحجم التوتر الهائل والذي يمكن قراءته بسهولة في المشهد الأردني الملتهب، والمعقد، والساخن.

في الإعلام، الكل يلقي باللوم على الدكتور عمر الرزاز وحكومته (خصوصا بعد تعديلها)، لكن على أرض الواقع فإن المشهد أكثر سخونة من خلال تجمعات حراكية رفعت سقف الانتقاد ليتجاوز الرزاز وحكومته وكل الأجهزة ليضع اللوم على الملك نفسه، رأس الدولة الأردنية بكل سلطاتها الدستورية.

تلك التجمعات الحراكية، وإن لم ترتق بعد لتكون جسما معارضا منظما أكثر من كونها تجمعات غاضبة بأسماء قبائل شرق أردنية، إلا أنها تشكل معضلة للعقل الأمني في الدولة، فرفع السقوف في شعاراتها الغاضبة وما تبع ذلك من اعتقالات تعسفية بحق بعض من أفرادها يشكّل سابقة لم يعتد عليها الأردنيون في علاقتهم مع الدولة بكل مستوياتها.

يتعامل الملك منذ سنوات مع الصحافة المحلية وهو يلبس القفاز

​​دائرة صنع القرار في مكتب الملك نفسه، لا ترى في تلك التجمعات الحراكية الغاضبة معارضة يجب الاستماع إليها، فتم إهمالها لتكبر ككرات ثلج تتدحرج هنا وهناك حيثما استطاعت إلى ذلك سبيلا، بينما المعارضة "التقليدية" الكلاسيكية الممثلة في النقابات المهنية "بديل الأحزاب السياسية لعقود" انكفأت إلى الهدوء الحذر، أمام انكفاء نسبة كبيرة من المجتمع الأردني إلى العشيرة والقبيلة.

المشهد السياسي يعكس تشظيات أكبر من ذلك؛ فموظف أمني برتبة رئيس قوات الدرك وهو عسكري خرج عن التقاليد السياسية الطويلة في التاريخ الأردني ليتدخل في السياسة وينتقد في حديث علني له نخب المعترضين من المتقاعدين العسكريين، وهم حراك نوعي مختلف، كثيرا ما رفعوا السقف ليصل إلى تخوم القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الملك نفسه.

الموظف الدركي، قائد الدرك، واجه بدوره انتقادا عنيفا لتورطه السياسي، وحين انبرت قناة محلية تلفزيونية واسعة الانتشار "الأردن اليوم" إلى انتقاده عبر برنامج سياسي لم يخرج نص النقد فيه عن أي محظورات قانونية، رفع الموظف الدركي دعوى قضائية سرعان ما وجدت تجاوبا من أجهزة وزارة العدل ليتم توقيف صاحب المحطة والصحفية التي قدمت النص.

التوقيف لم يستمر كثيرا، ضمن تسوية مصالحة "ودية" مع الموظف قائد الدرك، لكن الرسالة كانت قد وصلت بشراسة الرد الرسمي خصوصا أن هذا التوقيف سبقه توقيف سيدة بصفة نائب سابق، معروفة بشراسة انتقادها السياسي لأوضاع الدولة، وخصومتها التاريخية مع وزير الداخلية "ابن قبيلتها" والقادم في التعديل الأخير كمفاجأة صاعقة في حكومة المفكر الدكتور عمر الرزاز، والوزير المذكور معروف بإيمانه بالهراوة والقبضة الأمنية أكثر من قدرته على استيعاب مفاهيم روسو ولوك وهوبز ومونتسكيو.

الملك، الذي كثيرا ما يسترجع الصحفيون والإعلاميون خطاباته ونصوص أقواله بخصوص حرية التعبير التي سقفها السماء، يبدو أنه سئم من حالة الفوضى التي تعصف بالمشهد الإعلامي المحلي والمشوه منذ عقود، وهو تشويه جرى بمباركة أجهزة رسمية بمنهجية جعلت الصحافة مهنة من لا مهنة له، فاختلطت الشائعة بالخبر، وضاعت الحقائق في ظل تجار المواقع الإلكترونية، وغياب الشفافية الرسمية في المعلومات والتي أصبح الخبر الرسمي فيها نكتة يتندر عليها الجميع.

الملك الذي سئم تلك الحالة، ومنذ سنوات يتعامل مع الصحافة المحلية وهو يلبس القفاز، ودوما يلعب أحد من طاقم مكتبه دور ذلك القفاز.

حاول مكتب الملك (ومكاتب مجاورة لمكتبه) الخروج بفضائية تلفزيونية منذ الصيف الماضي، أنفقت عليها موازنة مليونية ضخمة، للخروج بحلّة ملونة ومبهجة في الشكل، لكنها بقيت قاصرة في المضمون فلم تصل إلى الناس.

بينما استطاعت فضائية متواضعة مثل تلك التي انتقدت الموظف الأمني الدركي أن تصل إلى الناس بميزانية أقل بكثير وبجهود صحفيين وطواقم محلية، ففتحت على صاحبها ومن فيها عش الدبابير.

هذه صورة تعكس حجم الفجوة التي تزداد اتساعا بين نخبة الحكم (بكل مرجعياتها المتصارعة) والمحكومين الذين يجمعهم قهر العيش والغضب المتزايد.

♦♦♦

على الجانب الآخر..

فإن روافع الدولة المدنية التي ساهمت إلى حد كبير في تظاهرات الدوار الرابع في صيف عام 2018، يبدو أنه تم تفكيكها بعناية أمنية وقرار مرجعيات شبحية في الدولة، لينتهي الرئيس ـ المعروف قبل أن يصبح رئيسا بأنه من دعاة الدولة المدنية ـ وحيدا معزولا إلا من دائرة معارف شخصية ضيقة استطاع أن يمررها إلى حكومته بالتعديل وبالتشكيل.

ويبدو أن الرئيس مشغول بالاشتباكات اليومية التي تثيرها كل المرجعيات بما فيها من هم في الأصل موظفون تحت رئاسته.

انكفأت النقابات المهنية إلى الهدوء الحذر، أمام انكفاء نسبة كبيرة من المجتمع إلى العشيرة والقبيلة

​​ففي حوار نصي متبادل بين كاتب هذه السطور ورئيس حكومة المملكة الأردنية الهاشمية، يوم الأحد (يوم كتابة هذه السطور) كتبت للرئيس عمر الرزاز متسائلا وطارحا السؤال أمامه عن حال الدولة ومآلاتها وعن ولايته العامة المفترضة، ليجبيني باقتضاب: "تم معالجة الموضوع والحمدلله".

 قمت بالرد على الرئيس بتهكم: عالجتم موضوع الدولة؟

فعاد لي برده: كنت أعتقد أنك تشير إلى توقيف الصحفي بالتحديد(!).

تلك اللحظة، أدركت حجم انشغالات رئيس حكومة المملكة الأردنية الهاشمية، وهي انشغالات بلا شك مهمة، ووجودها المفتعل كله غير ضروري لو توفرت دولة المؤسسات والقانون بكامل أهليتها الدستورية.

اقرأ للكاتب أيضا: جيمس بوند القادم: امرأة سمراء مثلية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.