مسرحية أونيسكو "لعبة القتل" في مسرح "الأوركيدة الحمراء" في شيكاغو 2019 (© 2004-2019 fadeout media)
مسرحية أونيسكو "لعبة القتل" في مسرح "الأوركيدة الحمراء" في شيكاغو 2019 (© 2004-2019 fadeout media) | Source: Courtesy Image

رياض عصمت/

اشتهر مسرح اللامعقول في خمسينيات القرن الماضي بفضل يوجين أونيسكو وصموئيل بيكيت. في بداياته، كان الاهتمام بمسرح اللامعقول ضئيلا ومحدودا، نظرا لسباحته عكس التيار السائد والمألوف في المسرح الأوروبي، بحيث أن الحضور في بعض مسارح باريس لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة. لكن الأمر سرعان ما تغير، كما حدث من قبل حين احتلت لوحات الانطباعيين في "اللوفر" و"أورسي" أمكنة لوحات الكلاسيكيين التي أودعت في المستودعات. بدأ اللامعقول Absurd (أو "العبث" في ترجمة أخرى،) يترك تأثيرا واسع النطاق، بحيث نال مكانة عالمية منذ الثلث الأخير من القرن العشرين.

في الواقع، كان رائد مسرح اللامعقول كاتب غريب الأطوار يدعى ألفريد جاري قام بتأليف سلسلة مسرحيات عن شخصية أسماها "أوبو"، وبشَّر بهذا النمط أيضا أنتونين آرتو في كتابه "المسرح وقرينه" (خاصة في فصل "المسرح والطاعون"،) ثم أوضح معالم النمط الفني الجديد آنذاك الناقد البريطاني مارتن إيسلن وسواه. ما لبث أن انضوى ضمن تيار اللامعقول كتاب نذكر منهم آداموف وآرابال وإدوارد أولبي. كما قاربه مؤلفون مصريون مثل توفيق الحكيم في مسرحيتيه "يا طالع الشجرة" و"مصير صرصار"، وصلاح عبد الصبور ومحمود دياب وألفريد فرج وعبد المنعم سليم، وصولا إلى قصص ومسرحيات نجيب محفوظ القصيرة.

كانت النظرة السائدة في القرن الماضي إلى دافع ولادة اللامعقول هي أنه ولد نتيجة الوعي بحقيقة الوجود المأساوية، حيث تتحكم بالبشر في العالم الغربي علاقات اعتباطية وسلوكيات غير مبررة، تؤدي إلى استحالة التفاهم الإنساني عن طريق اللغة، وتغلق بوابة الأمل بقدوم خلاص، وذلك بشكل مشابه لروايات فرانز كافكا الشهيرة. هاجم اليساريون اتجاه اللامعقول واعتبروه ترفا عبثيا مناقضا لمسرح التحريض السياسي الذي تزعمه برتولد برشت. لم يلاحظ أولئك عبر تحيزهم ضد هذا النمط الفني أن مسرحية الإيرلندي الغاضب بيكيت "في انتظار غودو" ـ التي تعتبر حجر الأساس في مسرح اللامعقول ـ إنما هي مسرحية تسلم نفسها للتفسيرات السياسية بسهولة ويسر. كذلك هي مسرحيات المؤلف الروماني/الفرنسي الشهير يوجين أونيسكو منذ مطلع الخمسينيات، وأشهرها "الدرس"، "الكراسي"، "الخراتيت"، "المغنية الصلعاء"، "ضحايا الواجب"، "الملك يموت" وأخيرا "لعبة القتل".

احتفى جيلنا بمسرح اللامعقول كنمط فني دأب على ابتداع قضايا قابلة لتفسيرات متباينة، معيدا تجسيد الواقع بطرق غامضة، رمزية وغريبة، تعتمد على الكوميديا السوداء. بالتأكيد، ليس مألوفا في الفن الواقعي أن يظهر رأس سيدة من الرمال مثرثرا بكلام غير مترابط، أو أن يأوي عجوز رغما عنه داخل برميل قمامة، أو أن ينتظر متشردان مخلوقا غامضا على قارعة طريق ريفي ناء كي يجلب لهما الخلاص فيخيب أملهما بعدم قدومه مرة تلو الأخرى.

كنا في سبعينيات القرن العشرين نعجب بالمغزى الخفي وراء الضحك الأسود في خراتيت أونيسكو، ندهش أمام مغنيته الصلعاء، ونعي عبث لعبة الكراسي، ونصعق أمام ذعر وباء يبيد البشر. اليوم، بدأ مسرح اللامعقول يتكشف أكثر فأكثر عن معان سياسية كامنة وراء عبثه الظاهري، ويعلن عبر تفسيرات كامنة وراء أقنعة شخصياته، معلنا عن ثورة على الأنظمة السائدة، في الفن كما في المجتمع. تدريجيا، تأكد للناس أن اللامعقول في حقيقة الأمر معقول جدا، وأنه إعادة تجسيد لمأساة الواقع المعاصر بصورة مجازية.

تنعكس ملامح مسرحية "لعبة القتل" (التي ألفها أونيسكو عام 1970) على عصرنا الراهن، وفي عديد من أصقاع العالم وقاراته وبلدانه المختلفة. يتخذ الوباء في مسرحية "لعبة القتل"، التي أحياها مسرح "الأوركيدة الحمراء" A Red Orchid في شيكاغو طابعا يوحي بمجزرة قدرية، سرعان ما تتحول إلى جريمة مدبرة حين يشرع البشر بالتهام بعضهم بعضا دون رحمة أو وازع ضمير. تصور المسرحية وباء يضرب بلدا ويبيد مواطنيه بصورة جماعية. مشاهد موت عبثي تثير الهلع والضحك المرير معا.

يحار المرء في البداية في تفسير معنى تلك الأشلاء التي يحملها أولئك الناس الذين يروعهم الموت الفجائي، وهم يتساقطون في ميتات غرائبية كأن منجل عزرائيل يحصد أرواحهم. سرعان ما يمرر أونيسكو إيحاء التوازي بين كلمتي "الموت" Death و"الدين " Debt، وتبدأ ملامح الفاجعة السياسية قبل الإنسانية بالانجلاء لأذهاننا. تبدأ مواد الحياة الأساسية بالفقدان، ويستشري الجوع بين من تبقى على قيد الحياة. لم يعد يوجد رز ولا سكَّر، والناس جياع، وطوفان الوباء يفتك بهم واحدا تلو الآخر.

عندها، تبدأ منظمة القيم بالانهيار، وتبدأ الشخصيات بنهش لحم بعضها بعضا من أجل البقاء. يتنازع الناس على التهام طفل رضيع على قيد الحياة أو جثة صبية ميتة داهمها الموت في مشاهد تزداد فظاعة وإثارة للاشمئزاز. فجأة، في ذروة تلك "المجزرة"، يعلن ناطق رسمي على شاشات موزعة في قاعة العرض عن انحسار الوباء وتلاشي الجائحة المميتة. تجمد الشخصيات في أماكنها وقد تلوثت أفواهها وثيابها بدماء الضحايا خلال التنازع من أجل البقاء، بعد أن انهارت القيم وأضحى الجميع أقرب للوحوش منهم إلى البشر. تنتهي المسرحية بحريق هائل يحاصر الجميع ويلتهمهم جميعا.

عن أي وباء يتحدث يوجين أونيسكو؟ وأية جائحة دارت بخيال المخرجة دادو حين فسرت المسرحية الآن بالذات على ضوء الواقع المعاصر في أكثر من قارة وبلد، مصورة مأساة الإنسان الأبدية حين يضطر بفعل الظروف القاهرة التي تهدد أمنه وحياته لأن ينهش أخاه الإنسان ويعيش من لحمه؟ مثلما حاول كثيرون تفسير "غودو" الذي لا يأتي عند صموئيل بيكيت حسب كل زمان ومكان يقدم فيهما العمل، سيفسر الناس "وباء" أونيسكو. ليس المهم من تمثل شخصية "غودو"، بل الأهم في تلك المسرحية هو عبثية فعل "الانتظار". هنا أيضا، ليس المهم ماذا يعني "الوباء" رمزيا، بل الأهم هو "المذبحة" التي يعتاد على ممارستها البشر بنسيانهم لأية قيم إنسانية، والتهام أجساد الأخرين من أجل البقاء دون وازعٍ من ضمير، بحيث لا يطهر المكان سوى حريق هائل يقضي على الجميع.

تذكرنا أعمال الكاتب الروماني/الفرنسي يوجين أونيسكو بأعمال أدبية من عصور مختلفة، تبدأ من مسرحية الإنكليزي وليم شكسبير "تيتوس أندرونيكوس"، تسري إلى مسرحية النرويجي هنريك إبسن "عدو الشعب"، تستلهم من رواية الفرنسي ألبير كامو "الطاعون"، وتصل إلى رواية فرانز كافكا "المسخ"، فضلا عن أعمال أخرى لآرابال وآداموف وفاتسلاف هافيل وسواهم من كتاب اللامعقول. ألَّف أونيسكو مسرحيته "لعبة القتل" عام 1970، مقتبسا أحداثها عن رواية تعود إلى القرن الثامن عشر "سجلات سنة الوباء" من تأليف دانيال ديفو.

إنها، إذن، واحدة من أواخر أعمال أونيسكو، وربما كانت رسالتها الفكرية أشد وضوحا وقسوة من بعض أعماله الأولى. تضم المسرحية 17 شخصية، وهو عدد يفوق المألوف في مسرحيات اللامعقول محدودة التكلفة، والتي تقدم عادة في دور عرض صغيرة يؤمها جمهور النخبة المثقفة. تتسم "لعبة القتل" ببعد سياسي لا يخفى عن وجدان المتفرجين في القرن الحادي والعشرين، خاصة لدى شعوب العالم العربي الملتهب بالصراعات العبثية الدامية.

سبق أن أنتجت "لعبة القتل" في شيكاغو في عام 1994، وها هو ذا مسرح "الأوركيدة الحمراء" يعيد إنتاجها بإخراج جديد للمخرجة دادو، التي قدمت العرض في مساحة ضيقة للغاية، يحيط الجمهور فيها بمساحة التمثيل من مختلف الجهات، وعلى مسافة قريبة جدا من المؤدين. وشارك عضو الفرقة النجم السينمائي المعروف مايكل شانون في العرض عبر ظهوره المتكرر على شريط فيديو معلنا تطور أنباء الوباء.

أعتقد أن تقديم هذه المسرحية على خشبة مسرح تقليدي كان من شأنه أن يمنح طابعا تعبيريا وتأثيرا نفسيا مختلفين، لكن ممثلي فرقة "الأوركيدة الحمراء" عوضوا بأداء حار، وحضور قوي، وإلقاء واضح، أعاد ألق المغزى السياسي المضمر في خيال أونيسكو، وأثبت صمود "لعبة القتل" عبر كل زمان ومكان.

اقرأ للكاتب أيضا: محور الشر ومحور الخير

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.