ورود أمام كنيس شجرة الحياة في بيتسبرغ الذي تعرض لهجوم مسلح في أوكتوبر 2018، لتكريم ضحايا الهجوم
ورود أمام كنيس شجرة الحياة في بيتسبرغ الذي تعرض لهجوم مسلح في أوكتوبر 2018، لتكريم ضحايا الهجوم

د. نجاة السعيد/

إن من يتتبع الأحداث الجارية يعتقد أن العرب المسلمين هم من أحضروا كراهية اليهود إلى أوروبا، لكن تاريخيا نجد أن الأوروبيين هم من نقل هذه الكراهية للعرب. فقد ذكرت رايا كيلينوفا، نائبة الرئيس التنفيذي للكونغرس اليهودي الأوروبي، في مقابلة تلفزيونية في يورونيوز "أنه على الرغم من أن معاداة السامية كانت تمثل مشكلة عبر التاريخ لكنها خرجت الآن بطريقة متجددة". إذ زادت المعاداة للسامية، وتحديدا الكراهية ضد اليهود، مؤخرا بنسبة 74 في المئة في فرنسا، والاعتداءات ضد اليهود في ألمانيا زادت إلى 16,000 حادثة بزيادة قدرها 10 في المئة. لكن هذه الزيادات لم تكن وليدة اللحظة بل هي نتيجة كراهية متراكمة على مدى التاريخ.

وأضافت كيلينوفا أن ما نشاهده في الإعلام التقليدي والجديد يعكس هذه الكراهية ويغذيها.

أما الضيف الآخر في المقابلة، محرر السياسة في يورونيوز، دارين ماكافري، فذكر أن الإعلام بكل أشكاله التقليدي والجديد لا يخلق شعورا ليس موجودا في الأساس بل يمنح الناس منصة للتعبير عن هذه الآراء لذلك نرى هذه الكراهية في الإعلام الجديد أكثر لأن هناك مساحة أكبر للتعبير عن هذا الشعور. 

معالم الكراهية ضد اليهود موجودة إلى الآن في أوروبا

​​وذكر عدد من المحللين الغربيين أن إحدى أسباب خروج هذه الكراهية على السطح مؤخرا هو الاستقطاب بين أحزاب اليسار واليمين، إذ انهار اليمين الوسطي وانهار أيضا اليسار الوسطي وحل محلهما التطرف في كلا الحزبين.

هذا الاستقطاب السياسي أصاب حتى الأحزاب في أميركا التي كانت معروفة بمنهجها الوسطي. فمثلا ما نراه من عضوة الكونغرس الأميركي، إلهان عمر المسلمة من أصول صومالية، من تحريض ضد إسرائيل وبقولها إن المشرعين الأميركيين يدعمون إسرائيل بسبب تمويل جماعات الضغط الأميركية الإسرائيلية مثل "أيباك" وإن إسرائيل تنوم العالم تنويما مغناطيسيا بأكاذيب وإشاعات، لا يمكن أن يكون بدون موافقة من الحزب الذي تنتمي إليه وإلا لتم فصلها من الحزب، أو رفع رفع غطاء قيادته عنها.

إن الهجوم الذي ارتكبه أميركي أبيض يبلغ من العمر 19 عاما في معبد يهودي في سان دييغو في 27 شهر نيسان/أبريل وتسبب بقتل شخص وجرح ثلاثة أشخاص كان هجوما نابعا من كراهية لليهود. فقد وصف الشاب المعتدي، جون إرنست، في بيان على الإنترنت ازدراءه من اليهود. وحسب ما ذكر في صحيفة جروزالم بوست، اتهم البيان اليهود بمجموعة من الأفعال الخاطئة، بما في ذلك "ممارسة السلطة المفرطة على الاقتصاد والإعلام". كما يلقي البيان باللوم على اليهود لما يسميه "دورهم" في نشر الماركسية والمواد الإباحية.

علاوة على ذلك، يلوم المعتدي في بيانه اليهود على ما يصفه "باضطهاد المسيحيين"، بما في ذلك قتل يسوع المسيح وأنبياء مثل أشعيا وإرميا. إن شابا بهذا العمر مستحيل يكن كل هذه الكراهية إلا إذا تربى ونشأ على هذه المفاهيم.

إن الكراهية ضد اليهود أو ما يعرف بمعاداة السامية في أوروبا لم تظهر في عهد أدولف هتلر بل تعود إلى العصور القديمة. ففي معظم أنحاء أوروبا خلال العصور الوسطى، حرم اليهود من المواطنة وأجبروا على العيش في أحياء معزولة. إن أول من أطلق مصطلح معاداة السامية هو الصحفي الألماني فيلهلم مار في عام 1879 لوصف الكراهية أو العداء لليهود، ومع ذلك تاريخ كراهية اليهود يعود إلى أبعد من ذلك بكثير. فقد عاملت محاكم التفتيش اليهود، خاصة في إسبانيا والبرتغال نظرا لعدد اليهود هناك، أسوء معاملة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وبشكل خاص اليهود المتحولين إلى الكاثوليكية بسبب الاشتباه أنهم يمارسون ديانتهم في الخفية.

فكان أي شخص إذا ارتدى يوم السبت ثيابا نظيفة أو أحسن مما كان يرتدي غير يوم السبت أو أكل لحم حيوان مذبوح أو سمى ذريته بأسماء عبرية يتهم أنه يهودي وإذا قبض على المتهم يرمى في السجن ويعذب في غاية القسوة.

وفي القرون الوسطى في أوروبا كان يطلب من اليهود أن يميزوا أنفسهم عن المسيحيين بشارة صفراء ترتدي ملابسهم، أو قبعة خاصة تسمى جودنهاوت. وعندما أصبح بعض اليهود بارزين في الأعمال المصرفية وإقراض الأموال ولأن المسيحية لم تسمح بإقراض الأموال بسبب الفوائد، أدى ذلك إلى طرد اليهود من عدة دول أوروبية بما في ذلك فرنسا وألمانيا والبرتغال وإسبانيا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

كما تم حرمان اليهود من الجنسية والحريات المدنية، بما في ذلك الحرية الدينية في جميع أنحاء أوروبا في العصور الوسطى. وانتشرت إشاعات كثيرة ضد اليهود من قبل المسيحيين في أوروبا واتهموهم بأفعال غريبة مثل "تشهير الدم"، وخطف وقتل الأطفال المسيحيين لاستخدام دمائهم لصنع خبز عيد الفصح اليهودي. هذه المواقف الدينية انعكست على السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعادية لليهود التي امتدت إلى العصور الوسطى الأوروبية.

وقد دعا الإصلاحي الألماني مارتن لوثر إلى حرق الكنائس اليهودية ومنع الحاخامات من مزاولة عملهم تحت تهديد عقوبة الإعدام، ولكن نجد إلى الآن يحتفل الألمان بذكراه. وعندما صعد أدولف هتلر والنازيون إلى السلطة في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي ازداد حال اليهود سوءا وذلك بسبب اتهامهم أنهم السبب في هزيمة البلاد في الحرب العالمية الأولى والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية التي تلتها. فقد تم طرد اليهود من الخدمة المدنية وتمت تصفية الشركات المملوكة لليهود وتم تجريد المهنيين اليهود، بمن فيهم الأطباء والمحامون، من عملائهم.

لقد أدخلت قوانين نورمبرغ عام 1935 العديد من السياسات المعادية للسامية وحددت تعريف من كان يهوديا على أساس النسب. فقد أثرت دعاية النازيين على الرأي العام الألماني ودفعته للاعتقاد بأن اليهود عرق منفصل، ووفقا لقوانين نورمبرغ، اليهود ليسوا مواطنين وبالتالي لا يحق لهم التصويت. بعد ذلك، أصبحت الظروف ضد اليهود أسوأ عندما بدأ هتلر والنازيون في تنفيذ خطتهم لإبادة الشعب اليهودي والتي أشاروا إليها باسم "الحل النهائي" لـ "المشكلة اليهودية". 

وبين عامي 1939 و1945، استخدم النازيون مراكز القتل الجماعي التي تسمى معسكرات الاعتقال لتنفيذ القتل المنهجي لحوالي 6 ملايين يهودي أوروبي وهو ما يعرف باسم الهولوكوست وبعد هذه المذابح التي تعرض لها اليهود بدأوا بالهجرة الى فلسطين بأعداد كبيرة.

لقد ذكر المؤرخ الألماني المتخصص بالشرق الأوسط بيتر فين أن الأوروبيين هم من نقلوا معاداة السامية إلى العالم العربي وحتى الآيات القرآنية المرتبطة بالعداء ضد اليهود مرتبطة بأحداث تاريخية محددة. فبعد هجرة الرسول في عام 622 من مكة إلى المدينة، أبرم تحالفا مع قبائل المنطقة، وكانت من بينها قبائل يهودية، ولما قامت هذه القبائل بخرق الاتفاق، انتقم المسلمون منهم. وهذا يعني أن الحقد على اليهود في التقليد الإسلامي ارتبط بأسباب معينة ومرحلة معينة. وأضاف أنه لا يوجد عداء تقليدي للسامية بين العرب على أسس دينية أو عنصرية بل العداء الحالي أساسه سياسي.

وكانت بداية هذا العداء في عهد استعمار الغرب للدول العربية في القرن 19 و20، فأول حدث معاد للسامية في الشرق الأوسط كان عام 1840 في دمشق في أوساط مبشرين كاثوليك. فعندما اختفى راهب من أصول إيطالية انتزعت اعترافات بالقوة والتعذيب بأن من قام بهذا العمل يهود لأنهم كانوا يريدون دم الضحية لإعداد وجبة عيد الفصح اليهودي، وقد عمد القنصل الفرنسي إلى استغلال ذلك في هذه القضية. وكان الأوروبيون تحت حماية قانونية ديبلوماسية، ولذلك تمكن القنصل الفرنسي من التأثير المباشر على التحقيق إلى أن تدخل الوالي المسلم ورفض إعطاء موافقته لتنفيذ حكم الإعدام. وحتى في شمال أفريقيا كان اليهود تحت الاستعمار الفرنسي يشعرون بالخوف من المستعمرين أكثر من جيرانهم المسلمين.

ومن ثم جاءت رؤية بعض الأوروبيين أن اليهود والعرب يمكن أن يتعايشوا بسلام وازدادت هجرة اليهود إلى فلسطين حتى وصلوا إلى 100 ألف يهودي ثم تلا ذلك صدور وعد بلفور عام 1917 الذي ألقت بريطانيا بموجبه وزنها إلى جانب الحركة الصهيونية التي كانت تطالب بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين مما أدى ذلك في ثلاثينيات القرن الماضي إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية ضد الهجرة اليهودية. 

ثم أتت بعد ذلك خطة تهدف إلى تقسيم فلسطين الى قسمين يهودي وعربي وعندما رفضت الدول العربية خطة الأمم المتحدة، أدى ذلك إلى اندلاع حرب أجبر فيها مئات الآلاف من الفلسطينيين على النزوح من ديارهم وأقيمت الدولة اليهودية في إسرائيل عام 1948.

وقد استرسل بيتر فين، أنه بعد نفي كثير من النخب الفلسطينية وسجن الكثير و"كان من بينهم المفتي الكبير للقدس، الشيخ أمين الحسيني. وقد جمعت أمين الحسيني في ذلك الوقت علاقات بدبلوماسيين ألمان، إلى أن قادته تلك العلاقات في النهاية إلى برلين، حيث ظل في خدمة النازيين حتى نهاية الحرب. فقد تم بث خطبه عبر راديو الشرق الأوسط، ونالت اهتماما كبيرا وكانت تلك الخطابات متوافقة مع نصوص البروباغندا النازية وتضمنت قراءات للقرآن، تنتشر اليوم أيضا في أوساط الأصوليين الإسلامويين، إذ يتم انتزاع آيات معادية لليهود من سياقها وربطها في نوع من التحريض بالخطابات الغربية المعادية للسامية. لكن في الواقع لم يكن المفتي نفسه يكتب خطابات الراديو تلك، فالألمان المتخصصون، والذين كان من بينهم مستشرقون يعرفون القرآن، هم مَن وقفوا خلف هذه البروباغندا المعادية للسامية. فالتفسير المعادي للسامية للآيات القرآنية المنتزعة من سياقها لم تكن ممارسة معروفة حينها في الشرق الأوسط. ومنذ تلك الفترة بدأت تنتشر فكرة استغلال الآيات القرآنية وخروجها عن أسباب نزولها ولم يعد هناك إسلام بمفهوم واحد بل كل فئة تفسره حسب ما تقتضيه الأهداف السياسية".

الكراهية ضد اليهود أو ما يعرف بمعاداة السامية في أوروبا لم تظهر في عهد هتلر بل تعود إلى العصور القديمة

​​إن معالم هذه الكراهية ضد اليهود موجودة إلى الآن في أوروبا، فعندما اعترف دونالد ترامب بالقدس في ديسمبر/كانون الأول 2017 كعاصمة لإسرائيل، أكثر مكان غطى المحلات الصغيرة بالأعلام الفلسطينية كان أوروبا، ليس دعما للفلسطينيين بقدر ما هو كره لليهود. فهناك استطلاعات للرأي نشرها موقع CNN ذكر فيه أن أكثر من ربع الأوروبيين الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن لليهود نفوذ كبير في الأعمال التجارية والمالية. واحد من كل أربعة تقريبا قال إن لليهود تأثير كبير في النزاعات والحروب في جميع أنحاء العالم. واحد من كل خمسة قال إن لليهود نفوذ كبير في وسائل الإعلام ويعتقد نفس العدد أن لديهم تأثير كبير في السياسة.

ثلث الأوروبيين قالوا إن اليهود يستخدمون الهولوكوست لتعزيز مواقفهم وأهدافهم. ومع هذه الآراء السلبية عن اليهود، فإن أغلبية الأوروبيين (54 في المئة) يعتقدون أن لإسرائيل الحق في الوجود كدولة يهودية وهذا قد يدل أن اعتقادهم بهذا الحق نابع للتخلص منهم. لذلك أكد الكاتب الألماني كريستو لازريفيتش أن معاداة السامية جزء من صلب الديانة المسيحية وتاريخ أوروبا وليست مستوردة من قِبَل المسلمين في أوروبا كما يشاع.

اقرأ للكاتبة أيضا: تحذيرات ماكرون من الإسلام السياسي: إدراك للخطر أم مجرد انفعال عابر؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi wears a military uniform of Popular Mobilization forces during his meeting with Head of…

"في 20 مايو، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي مع مايكل نايتس، حمدي مالك، وأيمن جواد التميمي، مؤلفي الدراسة الأخيرة "التكريم من دون الاحتواء: مستقبل "الحشد الشعبي" في العراق". ونايتس هو زميل أقدم في برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد. ومالك هو محلل لشؤون الشرق الأوسط مقره في لندن حيث يعمل في "آي. آي. تي. في." (IITV). والتميمي هو محلل مستقل ومرشح لنيل شهادة الدكتوراه من "جامعة سوانزي". وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

مايكل نايتس

استمد عنوان التقرير "التكريم من دون الاحتواء" من محادثة مع مسؤول عراقي في بغداد، الذي قال بأنه يجب "تكريم واحتواء" "قوات الحشد الشعبي" في البلاد. وحتى الآن، لم يتم تحقيق سوى الجزء الأول من هذه الصيغة. وأفضل طريقة لتحقيق الجزء الثاني هي من خلال الإصلاح النشوئي لقطاع الأمن، مع الإقرار بأن احتواء "قوات الحشد الشعبي" يُشكل على المدى القريب هدفا أكثر عملية من تسريحه ونزع سلاحه وإعادة دمجه.

وأحد أكبر التحديات التي يطرحها "الحشد الشعبي" هي القيادة والتحكم. فقد اعتادت هذه القوات تخطي صلاحياتها وتنفيذ العمليات دون علم الحكومة. ففي أكتوبر 2019، تورّط قياديون بارزون ووحدات رئيسية من "الحشد الشعبي" في قتل الكثير من المتظاهرين العراقيين واحتجازهم بصورة غير قانونية. وشن بعض عناصر "الحشد" أيضا هجمات بالطائرات المسيرة ضد دول مجاورة (مثل السعودية) واستهدفت بعثات أجنبية داخل العراق، ولكنها نفت جميعها ضلوعها في أي من تلك العمليات. وأدّت هذه الهجمات في النهاية إلى شن الضربة الأميركية التي أودت بحياة قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني وقائد "قوات الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس في 3 يناير.

يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قامت الحكومة الجديدة التي شكّلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي باستعراض مبكر لعزمها من خلال مداهمة ميليشيا في البصرة كانت تستهدف المتظاهرين. وتعهّد الكاظمي أيضا بإيجاد السجون الخاصة التي اعتُقل فيها بعض المتظاهرين والتحقيق في مقتل البعض الآخر. ولكن يجدر بالمراقبين الخارجيين توقّع أن يكون مثل هذا التقدم تدريجيا، بما أنه لا يزال على الكاظمي مواجهة تجدد تنظيم "الدولة السلامية" ووباء "كوفيد 19" والتعامل مع انهيار اقتصادي ساحق.

وفي النهاية، سيكون تسريح "قوات الحشد الشعبي" صعبا جدا نظرا لوجودها العسكري والسياسي الكبير في العراق. ومع ذلك، هناك مجال للإصلاح، وسبق أن أظهر العراقيون إجماعا كبيرا حول العديد من القضايا ذات الصلة. أما خارطة الطريق للإصلاح فتتألف من ثلاث مراحل حاسمة. أولا، يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة، وفي الوقت نفسه ضمان خضوعها لقيادة وتحكم السلطات الوطنية. ثانيا، إن "الحشد الشعبي" بحاجة إلى أدوار ومهام محددة، وهذا أمر يمكن تحقيقه في إطار مراجعة للدفاع الوطني بالتعاون مع الجهات المانحة الأجنبية. والمرحلة الثالثة هي أبعد من ذلك: عملية إعادة انتشار تدريجية تعود فيها قوات الميليشيات من الميدان للخضوع لتدريب يحوّلها إلى قوة محترفة.

حمدي مالك

إن "ألوية العتبات" في العراق هي تنظيمات شبه عسكرية مرتبطة بالمقامات الشيعية، ما يسمى بـ "وحدات الأضرحة" الأربع: "لواء أنصار المرجعية" و"لواء علي الأكبر" و"فرقة العباس القتالية" و"فرقة الإمام علي القتالية". ولا علاقة لهذه الوحدات بـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بل هي تابعة للمرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني الذي تعتبره مصدر محاكاة لها.

وتضم وحدات "العتبات" بالإجمال نحو 18,000 جندي في الخدمة الفعلية وعشرات الآلاف في صفوف الاحتياط. وتُعتبر "فرقة العباس" الأكثر قدرة عسكريا بين التنظيمات الأربعة، وتتمتع بإمكانيات هجومية يعززها التدريب اللوجستي وتعاونها في مجال الدعم الناري مع وزارة الدفاع العراقية.

وهناك العديد من الخصائص التي تميّز "العتبات" عن الوحدات الموالية لإيران والخاضعة لهيمنة "الحرس الثوري" داخل "الحشد الشعبي". أولا، لا تعمل "العتبات" إلا مع المؤسسات الوطنية العراقية ويُحظر عليها الارتباط بقادة "الحرس الثوري" أو شخصيات عسكرية أجنبية أخرى. 

ثانيا، تبقى هذه الألوية خارج العملية السياسية، في حين ذهبت التنظيمات الموالية لإيران إلى حد تشكيل أحزاب سياسية خاصة بها. 

ثالثا، لا تَعتبِر وحدات "العتبات" بأن الولايات المتحدة عدوة لها. وعلى الرغم من أنها أدانت الإجراءات الأميركية من حين لآخر (على سبيل المثال، قصف موقع بناء في "مطار كربلاء الدولي" في مارس)، إلا أنها تتجنب بشكل عام التعبير عن مشاعر معادية للولايات المتحدة أو التصرف بناءً على تلك الآراء. 

أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى

رابعا، لم يتم اتهام "العتبات" بانتهاك حقوق الإنسان. وفي الواقع، إنها غير مهتمة بالتواجد داخل المناطق العربية السنية التي وقعت فيها العديد من هذه الانتهاكات، في حين أن المناطق الرئيسية التي تهتم بها هي المدن الشيعية المقدسة، كربلاء والنجف والصحراء التي تربطها بالأنبار. ولم يتم اتهام العتبات بالابتزاز أيضا، بخلاف الكثير من جماعات "الحشد الشعبي" التي تستخدم مثل هذه التكتيكات للحفاظ على وجودها، وبالتالي تُفاقم المظالم بين السكان السنة.

والواقع أن هذه الاختلافات تضع "العتبات" والميليشيات الموالية لإيران على طرفَي نقيض. فحتى قبل مقتل المهندس في يناير، سعت "وحدات الأضرحة" ("ألوية العتبات") إلى إقالته من قيادة "الحشد الشعبي"، وأظهرت بعد وفاته معارضة شديدة لخلفه الذي طُرح اسمه من قبل ميليشيا "كتائب حزب الله" التي ينتمي إليها، والتي حاولت تعيين القيادي الموالي لإيران أبو فدك رئيسا جديدا للعمليات في "قوات الحشد الشعبي". 

وفي النهاية، انسحبت "العتبات" من "هيئة الحشد الشعبي" برمّتها وتعهدت بمساعدة الجماعات الأخرى على الانشقاق عنها.

وقد تسبّب انسحابها، من بين عواقب أخرى، بالمساس بالشرعية الدينية التي تتمتع بها التنظيمات الموالية لإيران. إذ تشكّل "العتبات" سابقة للمتطوعين شبه العسكريين الذين يعملون بموافقة آية الله السيستاني. وحين انشقّت عن "الحشد"، رأى كثيرون في ذلك أنها طريقة السيستاني للبدء بسحب تأييده لـ "قوات الحشد الشعبي". وردا على ذلك، التقى هادي العامري وأحمد الأسدي وشخصيات رفيعة أخرى من التنظيمات الموالية لإيران بممثلين عن السيستاني في كربلاء، في محاولة لإقناع "العتبات" بالعودة إلى جناحها.

وعلى النطاق الأوسع، تشكل "وحدات الأضرحة" نموذجا يمكن الاقتداء به لتحسين "الحشد الشعبي". وبصرف النظر عن معارضتها للهيمنة الإيرانية، أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى.

أيمن جواد التميمي

تملك العديد من فصائل "الحشد الشعبي" ـ ومنها التنظيمان الرئيسيان "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" ـ هوية مزدوجة كجماعات "مقاومة" معادية للولايات المتحدة وكألوية مسجلة في المؤسسة العسكرية الرسمية العراقية. 

وفي دورها الأول، لم تتوانَ عن شجب الوجود الأميركي الذي تصفه بالاحتلال وتوجيه التهديدات. ومع ذلك، فإن دورها الثاني ككتائب رسمية تابعة لـ "الحشد الشعبي"، يجعل من الخطر عليها شن هجمات علنية ضد أهداف أميركية. ومن ناحية علاقتها بإيران، فقد تبّنت أهدافا معينة تتماشى مع مصالح طهران (على سبيل المثال، الحفاظ على وجود "قوات الحشد الشعبي" على الحدود مع سوريا)، ولكنها لا تخضع لإدارة دقيقة من قبل "الحرس الثوري".

لقد ظلَّ موقف فصائل "المقاومة" هذه دون تغيير إلى حد كبير منذ مقتل سليماني والمهندس. وخفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة. 

خفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة

ومع ذلك، لا تزال التنظيمات تحرّض ضد الوجود الأميركي وتصدر التهديدات، على الرغم من أن دورها الأخير في الهجمات الفعلية لا يزال غير مؤكد. ويبدو أن بعض ألوية "الحشد" تعتقد أنها لا تستطيع استهداف الوجود الأميركي بشكل مباشر لأنها جزء من مؤسسة حكومية عراقية. وتبنّت كيانات جديدة مختلفة الضربات التي وقعت هذا العام (على سبيل المثال، "عصبة الثائرين")، ولكن من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه عناصر منشقة حقيقية أم مجرد فصائل مقاومة تابعة لـ "الحشد" وتعمل تحت اسم مختلف للتمكن من إنكار دورها بشكل معقول.

فضلا عن ذلك، عارضت بعض فصائل المقاومة بشدة تعيين الكاظمي واتهمته بالتواطؤ في مقتل سليماني والمهندس. وبعد أن أصبح الكاظمي رئيسا للوزراء، تحرّك ضد جماعة "ثأر الله" في البصرة بسبب ضلوعها في قتل المتظاهرين وإصابتهم. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا التحرك المنفرد على أنه خطوة أوسع ضد "الحشد الشعبي" أو فصائل "المقاومة". وأحد أسباب ذلك هو أن "ثأر الله" هي مجرد تنظيم صغير بالمقارنة مع "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق". 

بالإضافة إلى ذلك، تفاخر "الحشد الشعبي" بزيارة الكاظمي الأخيرة إلى مقره، حتى أنه منحه بزّة نظامية خاصة بـ "الحشد" لارتدائها. ويبدو من غير المحتمل أن يتمكّن رئيس الوزراء من إعطاء الأمر بمداهمة فصائل "المقاومة" الأكبر حجما، أو اتخاذ إجراءات مماثلة ضدها، لأنه ملزم باحترام مؤسسة "الحشد الشعبي" بصفة عامة.

أعدت هذا الملخص حنا كوب. أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".
المصدر: منتدى فكرة

The Future of Iraq's Popular Mobilization Forces

Posted by The Washington Institute for Near East Policy on Wednesday, May 20, 2020