ورود أمام كنيس شجرة الحياة في بيتسبرغ الذي تعرض لهجوم مسلح في أوكتوبر 2018، لتكريم ضحايا الهجوم
ورود أمام كنيس شجرة الحياة في بيتسبرغ الذي تعرض لهجوم مسلح في أوكتوبر 2018، لتكريم ضحايا الهجوم

د. نجاة السعيد/

إن من يتتبع الأحداث الجارية يعتقد أن العرب المسلمين هم من أحضروا كراهية اليهود إلى أوروبا، لكن تاريخيا نجد أن الأوروبيين هم من نقل هذه الكراهية للعرب. فقد ذكرت رايا كيلينوفا، نائبة الرئيس التنفيذي للكونغرس اليهودي الأوروبي، في مقابلة تلفزيونية في يورونيوز "أنه على الرغم من أن معاداة السامية كانت تمثل مشكلة عبر التاريخ لكنها خرجت الآن بطريقة متجددة". إذ زادت المعاداة للسامية، وتحديدا الكراهية ضد اليهود، مؤخرا بنسبة 74 في المئة في فرنسا، والاعتداءات ضد اليهود في ألمانيا زادت إلى 16,000 حادثة بزيادة قدرها 10 في المئة. لكن هذه الزيادات لم تكن وليدة اللحظة بل هي نتيجة كراهية متراكمة على مدى التاريخ.

وأضافت كيلينوفا أن ما نشاهده في الإعلام التقليدي والجديد يعكس هذه الكراهية ويغذيها.

أما الضيف الآخر في المقابلة، محرر السياسة في يورونيوز، دارين ماكافري، فذكر أن الإعلام بكل أشكاله التقليدي والجديد لا يخلق شعورا ليس موجودا في الأساس بل يمنح الناس منصة للتعبير عن هذه الآراء لذلك نرى هذه الكراهية في الإعلام الجديد أكثر لأن هناك مساحة أكبر للتعبير عن هذا الشعور. 

معالم الكراهية ضد اليهود موجودة إلى الآن في أوروبا

​​وذكر عدد من المحللين الغربيين أن إحدى أسباب خروج هذه الكراهية على السطح مؤخرا هو الاستقطاب بين أحزاب اليسار واليمين، إذ انهار اليمين الوسطي وانهار أيضا اليسار الوسطي وحل محلهما التطرف في كلا الحزبين.

هذا الاستقطاب السياسي أصاب حتى الأحزاب في أميركا التي كانت معروفة بمنهجها الوسطي. فمثلا ما نراه من عضوة الكونغرس الأميركي، إلهان عمر المسلمة من أصول صومالية، من تحريض ضد إسرائيل وبقولها إن المشرعين الأميركيين يدعمون إسرائيل بسبب تمويل جماعات الضغط الأميركية الإسرائيلية مثل "أيباك" وإن إسرائيل تنوم العالم تنويما مغناطيسيا بأكاذيب وإشاعات، لا يمكن أن يكون بدون موافقة من الحزب الذي تنتمي إليه وإلا لتم فصلها من الحزب، أو رفع رفع غطاء قيادته عنها.

إن الهجوم الذي ارتكبه أميركي أبيض يبلغ من العمر 19 عاما في معبد يهودي في سان دييغو في 27 شهر نيسان/أبريل وتسبب بقتل شخص وجرح ثلاثة أشخاص كان هجوما نابعا من كراهية لليهود. فقد وصف الشاب المعتدي، جون إرنست، في بيان على الإنترنت ازدراءه من اليهود. وحسب ما ذكر في صحيفة جروزالم بوست، اتهم البيان اليهود بمجموعة من الأفعال الخاطئة، بما في ذلك "ممارسة السلطة المفرطة على الاقتصاد والإعلام". كما يلقي البيان باللوم على اليهود لما يسميه "دورهم" في نشر الماركسية والمواد الإباحية.

علاوة على ذلك، يلوم المعتدي في بيانه اليهود على ما يصفه "باضطهاد المسيحيين"، بما في ذلك قتل يسوع المسيح وأنبياء مثل أشعيا وإرميا. إن شابا بهذا العمر مستحيل يكن كل هذه الكراهية إلا إذا تربى ونشأ على هذه المفاهيم.

إن الكراهية ضد اليهود أو ما يعرف بمعاداة السامية في أوروبا لم تظهر في عهد أدولف هتلر بل تعود إلى العصور القديمة. ففي معظم أنحاء أوروبا خلال العصور الوسطى، حرم اليهود من المواطنة وأجبروا على العيش في أحياء معزولة. إن أول من أطلق مصطلح معاداة السامية هو الصحفي الألماني فيلهلم مار في عام 1879 لوصف الكراهية أو العداء لليهود، ومع ذلك تاريخ كراهية اليهود يعود إلى أبعد من ذلك بكثير. فقد عاملت محاكم التفتيش اليهود، خاصة في إسبانيا والبرتغال نظرا لعدد اليهود هناك، أسوء معاملة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وبشكل خاص اليهود المتحولين إلى الكاثوليكية بسبب الاشتباه أنهم يمارسون ديانتهم في الخفية.

فكان أي شخص إذا ارتدى يوم السبت ثيابا نظيفة أو أحسن مما كان يرتدي غير يوم السبت أو أكل لحم حيوان مذبوح أو سمى ذريته بأسماء عبرية يتهم أنه يهودي وإذا قبض على المتهم يرمى في السجن ويعذب في غاية القسوة.

وفي القرون الوسطى في أوروبا كان يطلب من اليهود أن يميزوا أنفسهم عن المسيحيين بشارة صفراء ترتدي ملابسهم، أو قبعة خاصة تسمى جودنهاوت. وعندما أصبح بعض اليهود بارزين في الأعمال المصرفية وإقراض الأموال ولأن المسيحية لم تسمح بإقراض الأموال بسبب الفوائد، أدى ذلك إلى طرد اليهود من عدة دول أوروبية بما في ذلك فرنسا وألمانيا والبرتغال وإسبانيا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

كما تم حرمان اليهود من الجنسية والحريات المدنية، بما في ذلك الحرية الدينية في جميع أنحاء أوروبا في العصور الوسطى. وانتشرت إشاعات كثيرة ضد اليهود من قبل المسيحيين في أوروبا واتهموهم بأفعال غريبة مثل "تشهير الدم"، وخطف وقتل الأطفال المسيحيين لاستخدام دمائهم لصنع خبز عيد الفصح اليهودي. هذه المواقف الدينية انعكست على السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعادية لليهود التي امتدت إلى العصور الوسطى الأوروبية.

وقد دعا الإصلاحي الألماني مارتن لوثر إلى حرق الكنائس اليهودية ومنع الحاخامات من مزاولة عملهم تحت تهديد عقوبة الإعدام، ولكن نجد إلى الآن يحتفل الألمان بذكراه. وعندما صعد أدولف هتلر والنازيون إلى السلطة في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي ازداد حال اليهود سوءا وذلك بسبب اتهامهم أنهم السبب في هزيمة البلاد في الحرب العالمية الأولى والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية التي تلتها. فقد تم طرد اليهود من الخدمة المدنية وتمت تصفية الشركات المملوكة لليهود وتم تجريد المهنيين اليهود، بمن فيهم الأطباء والمحامون، من عملائهم.

لقد أدخلت قوانين نورمبرغ عام 1935 العديد من السياسات المعادية للسامية وحددت تعريف من كان يهوديا على أساس النسب. فقد أثرت دعاية النازيين على الرأي العام الألماني ودفعته للاعتقاد بأن اليهود عرق منفصل، ووفقا لقوانين نورمبرغ، اليهود ليسوا مواطنين وبالتالي لا يحق لهم التصويت. بعد ذلك، أصبحت الظروف ضد اليهود أسوأ عندما بدأ هتلر والنازيون في تنفيذ خطتهم لإبادة الشعب اليهودي والتي أشاروا إليها باسم "الحل النهائي" لـ "المشكلة اليهودية". 

وبين عامي 1939 و1945، استخدم النازيون مراكز القتل الجماعي التي تسمى معسكرات الاعتقال لتنفيذ القتل المنهجي لحوالي 6 ملايين يهودي أوروبي وهو ما يعرف باسم الهولوكوست وبعد هذه المذابح التي تعرض لها اليهود بدأوا بالهجرة الى فلسطين بأعداد كبيرة.

لقد ذكر المؤرخ الألماني المتخصص بالشرق الأوسط بيتر فين أن الأوروبيين هم من نقلوا معاداة السامية إلى العالم العربي وحتى الآيات القرآنية المرتبطة بالعداء ضد اليهود مرتبطة بأحداث تاريخية محددة. فبعد هجرة الرسول في عام 622 من مكة إلى المدينة، أبرم تحالفا مع قبائل المنطقة، وكانت من بينها قبائل يهودية، ولما قامت هذه القبائل بخرق الاتفاق، انتقم المسلمون منهم. وهذا يعني أن الحقد على اليهود في التقليد الإسلامي ارتبط بأسباب معينة ومرحلة معينة. وأضاف أنه لا يوجد عداء تقليدي للسامية بين العرب على أسس دينية أو عنصرية بل العداء الحالي أساسه سياسي.

وكانت بداية هذا العداء في عهد استعمار الغرب للدول العربية في القرن 19 و20، فأول حدث معاد للسامية في الشرق الأوسط كان عام 1840 في دمشق في أوساط مبشرين كاثوليك. فعندما اختفى راهب من أصول إيطالية انتزعت اعترافات بالقوة والتعذيب بأن من قام بهذا العمل يهود لأنهم كانوا يريدون دم الضحية لإعداد وجبة عيد الفصح اليهودي، وقد عمد القنصل الفرنسي إلى استغلال ذلك في هذه القضية. وكان الأوروبيون تحت حماية قانونية ديبلوماسية، ولذلك تمكن القنصل الفرنسي من التأثير المباشر على التحقيق إلى أن تدخل الوالي المسلم ورفض إعطاء موافقته لتنفيذ حكم الإعدام. وحتى في شمال أفريقيا كان اليهود تحت الاستعمار الفرنسي يشعرون بالخوف من المستعمرين أكثر من جيرانهم المسلمين.

ومن ثم جاءت رؤية بعض الأوروبيين أن اليهود والعرب يمكن أن يتعايشوا بسلام وازدادت هجرة اليهود إلى فلسطين حتى وصلوا إلى 100 ألف يهودي ثم تلا ذلك صدور وعد بلفور عام 1917 الذي ألقت بريطانيا بموجبه وزنها إلى جانب الحركة الصهيونية التي كانت تطالب بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين مما أدى ذلك في ثلاثينيات القرن الماضي إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية ضد الهجرة اليهودية. 

ثم أتت بعد ذلك خطة تهدف إلى تقسيم فلسطين الى قسمين يهودي وعربي وعندما رفضت الدول العربية خطة الأمم المتحدة، أدى ذلك إلى اندلاع حرب أجبر فيها مئات الآلاف من الفلسطينيين على النزوح من ديارهم وأقيمت الدولة اليهودية في إسرائيل عام 1948.

وقد استرسل بيتر فين، أنه بعد نفي كثير من النخب الفلسطينية وسجن الكثير و"كان من بينهم المفتي الكبير للقدس، الشيخ أمين الحسيني. وقد جمعت أمين الحسيني في ذلك الوقت علاقات بدبلوماسيين ألمان، إلى أن قادته تلك العلاقات في النهاية إلى برلين، حيث ظل في خدمة النازيين حتى نهاية الحرب. فقد تم بث خطبه عبر راديو الشرق الأوسط، ونالت اهتماما كبيرا وكانت تلك الخطابات متوافقة مع نصوص البروباغندا النازية وتضمنت قراءات للقرآن، تنتشر اليوم أيضا في أوساط الأصوليين الإسلامويين، إذ يتم انتزاع آيات معادية لليهود من سياقها وربطها في نوع من التحريض بالخطابات الغربية المعادية للسامية. لكن في الواقع لم يكن المفتي نفسه يكتب خطابات الراديو تلك، فالألمان المتخصصون، والذين كان من بينهم مستشرقون يعرفون القرآن، هم مَن وقفوا خلف هذه البروباغندا المعادية للسامية. فالتفسير المعادي للسامية للآيات القرآنية المنتزعة من سياقها لم تكن ممارسة معروفة حينها في الشرق الأوسط. ومنذ تلك الفترة بدأت تنتشر فكرة استغلال الآيات القرآنية وخروجها عن أسباب نزولها ولم يعد هناك إسلام بمفهوم واحد بل كل فئة تفسره حسب ما تقتضيه الأهداف السياسية".

الكراهية ضد اليهود أو ما يعرف بمعاداة السامية في أوروبا لم تظهر في عهد هتلر بل تعود إلى العصور القديمة

​​إن معالم هذه الكراهية ضد اليهود موجودة إلى الآن في أوروبا، فعندما اعترف دونالد ترامب بالقدس في ديسمبر/كانون الأول 2017 كعاصمة لإسرائيل، أكثر مكان غطى المحلات الصغيرة بالأعلام الفلسطينية كان أوروبا، ليس دعما للفلسطينيين بقدر ما هو كره لليهود. فهناك استطلاعات للرأي نشرها موقع CNN ذكر فيه أن أكثر من ربع الأوروبيين الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن لليهود نفوذ كبير في الأعمال التجارية والمالية. واحد من كل أربعة تقريبا قال إن لليهود تأثير كبير في النزاعات والحروب في جميع أنحاء العالم. واحد من كل خمسة قال إن لليهود نفوذ كبير في وسائل الإعلام ويعتقد نفس العدد أن لديهم تأثير كبير في السياسة.

ثلث الأوروبيين قالوا إن اليهود يستخدمون الهولوكوست لتعزيز مواقفهم وأهدافهم. ومع هذه الآراء السلبية عن اليهود، فإن أغلبية الأوروبيين (54 في المئة) يعتقدون أن لإسرائيل الحق في الوجود كدولة يهودية وهذا قد يدل أن اعتقادهم بهذا الحق نابع للتخلص منهم. لذلك أكد الكاتب الألماني كريستو لازريفيتش أن معاداة السامية جزء من صلب الديانة المسيحية وتاريخ أوروبا وليست مستوردة من قِبَل المسلمين في أوروبا كما يشاع.

اقرأ للكاتبة أيضا: تحذيرات ماكرون من الإسلام السياسي: إدراك للخطر أم مجرد انفعال عابر؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.