أنصار جماعة الإخوان المسلمين في الأردن -أرشيف
أنصار جماعة الإخوان المسلمين في الأردن - أرشيف

بابكر فيصل/

قلت في الجزء الأول من هذا المقال إن رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين, الدكتور أحمد الريسوني، طالب بعدم إعطاء الأولوية لقيام الدولة الإسلامية في خطاب حركات الاسلام السياسي، خصوصا جماعة الإخوان المسلمين، وهي فكرة تتصادم بشكل مباشر مع فكرة المرشد المؤسس حسن البنا التي تقول إن الحكومة أو الدولة تمثل ركنا من أركان الإسلام.

يمضي الريسوني في انتقاد جماعات الإسلام السياسي التي جعلت من إقامة الدولة غاية في حد ذاتها ويقول إن "الخطأ الكبير والمأزق الخطير الذي وقعت فيه وتقع فيه بعض الحركات الإسلامية، هو الانشغال بالوسيلة عن الهدف، وتضييع الهدف حرصا على الوسيلة، فكثيرون أولئك الذين أفنوا أعمارهم واستهلكوا حياتهم واستنفدوا جهودهم على طريق إقامة الدولة، من غير أن يظهر لهذه الدولة أثر ولا خبر. وربما لم تزدد الدولة بفضل جهودهم إلا بعدا وعسرا. وهكذا فلا الدولة قامت بهم، ولا الأمة استفادت منهم".

مفهوم الدولة الإسلامية كما تتصوره جماعات الإسلام السياسي يتناقض جذريا مع مفهوم الدولة الحديثة

​​أكاد أجزم أن الريسوني خط السطور أعلاه وفي باله جماعة الإخوان المسلمين الأم في مصر ومرشدها المؤسس حسن البنا، حيث استنفدت الجماعة مجهودها ومواردها المادية والبشرية في معركة خاسرة مع الدولة المصرية، التي دخلت معها في صدام ومواجهة مباشرة من النصف الأول من القرن العشرين وحتى اليوم، دون أن تحقق الجماعة هدفها الغائي في السيطرة على السلطة والحكم.

ولا يكتفي الريسوني بدحض فكرة أولوية الدولة الإسلامية لدى جماعات الإسلام السياسي، بل يمضي ليبيِّن أن تلك الفكرة لا تتماشى مع حقائق الواقع الماثلة، ويقول "الحقيقة أن إقامة الدولة تخضع لشروط وأسباب وقوانين تاريخية واجتماعية وسياسية، لا يمكن إلغاؤها أو القفز عليها بمجرد رغبة أو قرار، ولا بمجرد تقديم جهود وتضحيات، حتى ولو كانت صادقة ومخلصة وجسيمة".

حتى إذا استطاعت جماعات الاسلام السياسي تجاوز تلك الشروط وأتيحت لهم فرصة إقامة الدولة التي ينادون بها كما حدث في السودان فإنهم حتما سيفشلون، ذلك لأنهم لا يملكون تصورات واضحة لطبيعة تلك الدولة، فالنموذج التاريخي الذي يتطلعون إليه لا يوضح كيفية اختيار الحاكم ولا يحدد سلطاته وآلية اتخاذ القرار، ولا يعرَّف الطريقة التي يتم بها تداول السلطة، لذلك فإن المحصلة النهائية ستكون هي إقامة دولة استبداد شمولي.

ويؤكد الريسوني أن الإسلام يمكن أن يستمر وينمو ويمتد حتى مع غياب الدولة الإسلامية، ذلك لأن "الدولة ليست كل شيء وليست أهم شيء. وحين تصير الدولة هي كل شيء أو هي أهم شيء، في حياة الناس، وحتى في أذهانهم، فإنها تصبح حينئذ أخطر شيء على الناس وعلى قدراتهم ومبادراتهم وفاعليتهم".

ويمضي الريسوني ليقول إن "المجال فسيح أمام الحركة الإسلامية ودعاتها وعمالها في أن تحقق الكثير من أهدافها ومن أحكام دينها ومن إصلاح مجتمعها، من غير أن تقيم دولة ومن غير أن تمتلك سلطة، وذلك من خلال العمل في صفوف الأمة ومن خلال بناء الأمة"، وينبه إلى أن الامتحان الكبير الذي على العلماء وطلائع العمل الإسلامي أن يخوضوه وينجحوا فيه هو "تفعيل طاقات الأمة في جميع الاتجاهات، هو الوصول إلى الاشتغال الآلي للمجتمع الأهلي، أو ما يسمى اليـوم بالمجتمـع المدنـي".

إذا، خلاصة الأمر بالنسبة لرئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين تتمثل في أن إقامة الدولة وامتلاك السلطة لا يجب أن يمثل أولوية لعمل الجماعات الإسلامية كما ظل الحال منذ ظهور جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928 بل عليها أن تتجه صوب تفعيل المجتمع الأهلي أو المدني من أجل تحقيق أهدافها في الإصلاح.

لا شك أن حديث الريسوني يشكل نقلة كبرى في فكر جماعات الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص، وهي نقلة في الاتجاه الصحيح ولكنها غير كافية، ذلك لأنه لا يدعو صراحة لفصل الدين عن الممارسة السياسة، بل فقط يؤجل المطالبة بقيام الدولة الإسلامية لمرحلة لاحقة ريثما تكتمل العدة لذلك وتتحقق الشروط التي تمكن من قيامها.

فها هو يقول "ولا شك أن الدولة الإسلامية أو الحكم الإسلامي هي عروة من عرى الإسلام، وحصن حصين للحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي. ولذلك فإن الانشغال بأمر إقامتها وبذل الجهود والتضحيات في سبيلها أمر مشروع ومعتبر. غير أنه حينما تصبح إقامة الدولة الإسلامية هي الشغل الشاغل والهدف العاجل، أو هي الأولوية العليا والغاية القصوى، فإن هذا يصبح داعيا للتريث وموجبا للتثبت، حتى نضع الأمور في نصابها ونعطيها قدرها ومكانها".

إن مفهوم الدولة الإسلامية كما تتصوره جماعات الإسلام السياسي، وكما أثبتته التجربة في السودان وأفغانستان، يتناقض جذريا مع مفهوم الدولة الحديثة صاحبة الحدود الجغرافية المحددة للسيادة وصاحبة المواطنة والجنسية المنحصرة داخلها. وقد تأسست هذه الدولة بموجب اتفاقية ويستفاليا عام 1648. تلك الدولة تستمد سلطتها من حقوق المواطنة وليس بموجب الحق الإلهي كما يتضمنه مفهوم الدولة الإسلامية.

وكما يقول محمد جلال هاشم فإن الدولة الحديثة بنيويا مؤسسة علمانية، "ويعني هذا أن الدولة لم تعد مسؤولة عن الأخلاق، فهذه مسؤولية الثقافة في تفاعلها الديناميكي، كون الدولة مسؤولة فقط عن حماية الحقوق وتوفير المناخ الملائم لتحقق الرفاهية وتتمثّل أقدس مقدسات الدولة الوطنية في ثلاثة أشياء: الأرض 'مناط السيادة'، المال العام 'مناط الأمانة والتكليف'، والشعب 'مناط الوحدة الوطنية'".

أما الدولة الإسلامية فإن غرضها الرئيس هو سوق الناس للجنة وفق تصورات وعقائد القائمين على أمرها، كما أنها لا تتقيد بحدود الوطن (الأرض)، ذلك لأنها عابرة للحدود، فكما يقول سيد قطب "لا رابطة سوى العقيدة، ولا قبول لرابطة الجنس والأرض واللون والوطن والمصالح الأرضية والحدود الإقليمية إن هي إلا أصنام تعبد من دون الله".

دور الدين الإسلامي يجب أن ينحصر في دائرة الارتقاء بسلوك الفرد المسلم في مراقي الفضائل الأخلاقية

​​وبينما يكون ولاء المواطن في الدولة الحديثة لبلده، فإن الولاء في الدولة الإسلامية يكون لله والرسول، وكما يقول عبد العزيز بن باز "الواجب الولاء لله ولرسوله بمعنى أن يوالي العبد في الله ويعادي في الله، وقد يكون وطنه ليس بإسلامي فكيف يوالي وطنه؟".

لهذه الأسباب، ولغيرها تصبح الدولة الإسلامية "مستحيلة" كما في تعبير وائل حلاق، وبالتالي فإن دعوة الريسوني لجماعات الإسلام السياسي لتأجيل قيامها إلى حين توفر الشروط الموضوعية، والانشغال في الوقت الراهن بالعمل في إطار الإصلاح من خلال المجتمع المدني، تعتبر غير كافية لإخراج تلك الحركات من مأزقها التاريخي.

إن دور الدين الإسلامي، شأنه شأن جميع الأديان ـ كما تقول رشا عوض ـ يجب أن ينحصر في دائرة الارتقاء بسلوك الفرد المسلم في مراقي الفضائل الأخلاقية من صدق وأمانة ووفاء بالعهد ومعاملة حسنة للأحياء والأشياء، وتعميق انحيازه لقيم العدل والحرية والإخاء والمساواة والأخذ بيد الفقراء والمستضعفين، واستنهاض ضميره باستمرار لكل ما هو خيّر وجميل ورحيم للإنسانية.

اقرأ للكاتب أيضا: ثورة السودان: 'داعش' يعلن حضوره

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.