عونيون يحتلفون بانتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية (أرشيف)
عونيون يحتلفون بانتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية (أرشيف)

حازم الأمين/

استيقظ العونيون في لبنان. ما يجري اليوم يشبههم. قيمهم ومعدل ذكائهم وطموحاتهم ووزراؤهم ونوابهم، يتصدرون مشهد الحياة العامة. جبران باسيل يقتحم مكاتب جريدة الأخبار وينتصر، فيما الصحيفة تستغيث بعمه الرئيس ليحميها منه. موقع التيار ينشر خبرا عن أن سوريين يحاصرون ساحة ساسين، ليتبين أنهم يقصدون أن فرنا يبيع المناقيش هناك يستخدم عمالا سوريين. وجه بارز في التيار، هو طبيب ومقاتل سابق يطالب الدولة اللبنانية بقطع التيار الكهربائي عن المخيمات الفلسطينية.

والعونية تتمدد على ما يبدو لتحتل وجدانات خصومها، فتخاض حرب مسيحية هائلة على رئيس الاتحاد العمالي العام بسبب نكتة سمجة وبذيئة قالها، ولا يقتصر الأمر على رفض اعتذاره وعلى عزله من منصبه، فيخضع الرجل للتحقيق ويتم توقيفه. الأطراف المساهمة بالتحريض على الرجل كانوا بالدرجة الأولى خصوم العونيين، لكنهم استعانوا في حملتهم بمزاج وبوجدان العونية السياسية والاجتماعية.

لبنان العوني مستجيب بالكامل للشرط الإيراني

​​العونية تطوف علينا. "فيسبوك" اللبناني إما عوني أو "أنتي عوني"، والوزراء والنواب صاروا ممثلين للعونية أو لخصومها. وزيرة الداخلية ريا الحسن مثلا، وهي قريبة من رئيس الحكومة سعد الحريري، صارت تشبه العونيين لشدة تمثيلها خصومتهم. وزراء حركة أمل مستعدون دائما لسجال زملائهم في التيار، ووزراء القوات اللبنانية يتسابقون مع زملائهم وخصومهم في تحصيل "حقوق المسيحيين".

لكن طوفان العونية يبقى برانيا، وغير جوهري إذا ما قيس بمستوى تأثيرهم بالعناوين السياسية الفعلية في لبنان. موقع لبنان في الزلزال الهائل الذي ينتظر المنطقة، وقدرته على مواجهة الأزمة الاقتصادية المنتظرة والوشيكة بفعل العقوبات الأميركية على إيران وعلى حزب الله، تكاد تكون منعدمة. فلبنان العوني مستجيب بالكامل للشرط الإيراني، وللموقع الذي اختارته طهران له. ولبنان العوني الذي يريد أن يقطع الكهرباء عن المخيمات الفلسطينية ليس في جعبته كلمة واحدة في مواجهة احتمالات توطين اللاجئين الفلسطينيين، وهذه احتمالات جدية هذه المرة، في ظل ما بدأ يتسرب عن "صفقة القرن".

لبنان العوني المتدفق على وجوه اللبنانيين وعلى شوارعهم ويومياتهم وحكومتهم وأجهزتهم الأمنية والقضائية، منشغل بتأديب جريدة الأخبار وبمحاسبة رئيس الاتحاد العمالي على بذاءته، وبالدفاع عن ساحة ساسين في وجه عامل في فرن المناقيش هناك. والغريب أن العونية نجحت بتحويلنا كلنا إلى عونيين. فهي لم تعد انتماء، بل صارت مزاجا. كثيرون منا يعتقدون أنهم ليسوا عونيين، لا بل يعتقدون أنهم من خصومها، لكنهم ولكننا في حقيقة الأمر عونيون من دون أن ندري. سعد الحريري صار عونيا لشدة حذره من العونيين، وحركة أمل صارت عونية لشدة توترها منهم. القوات اللبنانية تسعى لمشابهتهم في سياق خصومتهم. وحده حزب الله يملك ترف البقاء خارجهم، ذاك أنهم وسيلته لكي نلهو بعيدا عن حقائق ثقيلة تسبب لنا فيها.

كلنا عونيون ووحده حزب الله غير عوني. ميشال عون عوني، أما حسن نصرالله فليس عونيا، إذ كيف يكون المرء أسير وهم من صنيعته. ولشعوره بالمناعة منها، دفع الحزب بالعونية إلى كل مكان. جعلها تنتصر على حليفه الأكبر نبيه بري، وعلى الصحيفة الأكثر قربا منه، ناهيك عن إفساحه المجال لإطاحتها بخصومه.

سعد الحريري صار عونيا لشدة حذره من العونيين، وحركة أمل صارت عونية لشدة توترها منهم

​​وللعونية المعممة قيم صار التسابق على تبنيها ورعايتها جزء من مشهد التنافس بين الجماعات اللبنانية. بالأمس أقدمت بلدية بيروت مُعززة بوزارة الداخلية على طرد عدد من العمال السوريين والبنغال من أحد مباني شارع الحمرا. من أقدم على هذه الخطوة ليس عونيا بالاسم، إنما عوني بالعدوى وبالممارسة. بلدية بيروت لو لم تفعل ذلك لاتهمت بلبنانيتها. وهنا تماما يمكن رصد تسلل العونية إلى وجدانات خصومها. صاحب فرن المناقيش سيتريث في المرة القادمة إذا ما أراد أن يوظف سوريا، وجريدة الأخبار لن تنشر تسريبات تمس بوزير الخارجية طالما أنها تعلم أن حزب الله يقدم جبران باسيل عليها.

لكن ماذا بعد هذا الطوفان؟ ماذا بعد تفريغ الحياة العامة، وإعادة شحنها بهذا القدر من التفاهة؟ كيف سيواجه لبنان عناوين بحجم العقوبات الأميركية عليه؟ وكيف سيفاوض على موقعه في "صفقة القرن"؟ ليست العونية من سيتولى هذا النوع من المهام طبعا، وليسوا خصومها ممن صاروا نسخا مشوهة عنها. سنعود هنا إلى المفاوض الأصيل، فحينها ستكون مهمة تفريغ لبنان قد أنجزت تماما، وسيتقدم غير العونيين لإدارة موقع لبنان، وهؤلاء ليسوا سوى حزب الله.

اقرأ للكاتب أيضا: رقصة حرب تسبق التنازل

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.