موازييك الحكماء السبعة الإغريق، في المتحف الوطني في بيروت
موازييك الحكماء السبعة الإغريق، في المتحف الوطني في بيروت

فارس خشّان/

الجد، ولا يزال في الستين من عمره، يملك كل شيء. المعامل له والأموال في حساباته. والناس له تتودد، ومن أجل التقرب منه تغالي في تكريم كل من يمت إليه بصلة.

أولاده يعملون لديه. لا يملكون إلا الانصياع له. هم مرتبطون به ارتباطا تبعيا. تزوّجوا وكانوا في سن مبكرة، ولم يُكملوا تعليمهم.

نقطة ضعف الجد أحفاده الذين أرفدتهم دنياهم بكل ما طاب وحلى في أعينهم. مثل آبائهم لم يفلحوا في التعليم، ولكنّهم على عكسهم لم يسارعوا إلى الزواج.

وحده فريد غرّد خارج السرب، فامتنع عن الملذات وثابر على التعليم. تولّدت لديه نظرة نقدية للأمور، بدءا بتلك المسلّم بها، وكان، على سبيل المثال، يتألّم من وضعية والده وأعمامه، إذ كيف يمكن أن يكونوا كالعبيد في منزل والدهم، فيما أولادهم يتنعمون بالخيرات. كان واثقا بأن هذا الوضع الشاذ، سوف يتسبب بمشكلة كبيرة في العائلة ويؤدي إلى خرابها، إذ أن هذا المسار يخرج عن بديهيات الطبيعة الإنسانية.

أولاده يعملون لديه. لا يملكون إلا الانصياع له

​​وثمة ميزة أخرى ينفرد بها فريد عن أولاد عمومته "المدلعين"، فهو، ومنذ نعومة أظافره، اعتاد أن يقول ما به يقتنع. ميزة اكتسبها عن جدّه لأمه، الذي كان قد بدأ حياته معتقلا سياسيا.

في البداية، أجبره والده، بالترغيب حينا وبالترهيب أحيانا، أن يصمت عمّا يفكر به، وألا ينطق بكلمة منه أمام جده، لكنه في الآونة الاخيرة شعر بدنو المصيبة، فوالده يصلّي ليخلصه الله من والده "الظالم"؛ وعمه الكبير، وفق ما سمعه صدفة من زوجته، يفكر بالهجرة ليتخلّص من "طغيان" والده؛ وعمه الصغير طالما هدد، في مجالسه الخاصة، بالانتقال للعمل بعيدا عن والده الذي "يتحكم حتى بالأوكسيجين".

وبدا لفريد أن النيات الانشقاقية في العائلة بدأت تأخذ اهتمام الجميع، الأمر الذي أنتج تراجعا في أرباح المعامل وترديا ملحوظا في الإنتاج وإهمالا كبيرا في الإدارة.

فقرر أن يكلّم جده، على انفراد، لكن الجد لم يكن يعطيه موعدا إلا مع أحفاده الآخرين، خلال لقاءاته المعتادة معهم.

ولم يكن فريد يرى فائدة ترجى من تلك اللقاءات، إذ أن الجميع يتوسلها تحقيقا للمنافع، ولذلك فهم احترفوا محاباة الجد بالإشادة به وبذكائه وصرامته وحكمته وبعد نظره. باختصار، فهم يقولون بحضرته ما يقولون عكسه في غيابه.

أما فريد فكان يحب جده ويحترمه ويصون لسانه عنه في غيابه، من دون أن يستفيض في تقريظه بحضوره.

ولما عجزت محاولات الاجتماع منفردا بجدّه، قرر فريد أن يستغل اللقاء العام ليقول بعض ما لديه، لعلّ جده يعيره انتباها فيقبل أن يجتمع به، ليسمع كل ما لديه.

ولكن ما أن ألمح فريد بشيء مما يريد قوله لدرء النوائب عن العائلة، حتى هبّ عليه الجميع موبخين ولائمين وأشادوا للجد بقراراته وأفعاله وعدالته.

وحده فريد غرّد خارج السرب، فامتنع عن الملذات وثابر على التعليم

​​لكن فريد كان مقتنعا بأن جده ليس ديكتاتورا بطبيعته، بل إن انصياع أولاده بداية، وطمع أحفاده لاحقا، جعله يتصرف، كما لو كان بالفعل كذلك.

وثابر على تكتيك الكلام. في محضر جده يصر على أن يعطي رأيه في كل ما يحصل في العائلة، فإذا ارتأى أن واحدة من خطوات جده قد ترتد على الجد وتاليا على العائلة سلبا سارع إلى الشرح والاستشراف والتنبيه والتحذير.

كان جده يستمع إليه بانتباه، فيؤيده حينا ويعارضه أحيانا.

الآخرون إذا وجدوا جدهم مصغيا باهتمام صمتوا واستمعوا، ولكن إذا وجدوه منزعجا، قاطعوا وعارضوا وهاجموا.

ومع الأيام، تراجع موقع الجد، فلم يعد مؤثرا في المجتمع كما كان، وتضاءلت ثروته، وكثرت مشاكله.

وكان هو يعرف الأسباب. طالما حذّر منها.

وبدأ أولاد عمومته يدعون فريد إلى لقاءات جماعية أو ثنائية، حيث يكثرون من انتقاد الجد ويحثونه على وجوب التصرف لوضع حد لأفعاله التدميرية وقراراته التي تشي بالخرف.

وكان هو، على الرغم من استيائه من خلو كلام أترابه من العاطفة والاحترام تجاه الرجل الكبير، يتحمّس لوجوب إقناع جده بتعديل مساره وتحسين قراراته وترشيد إنفاقه.

وعندما يحين موعد اللقاء به، وينطلق في مسعاه، يهجم الآخرون على فريد ويجرّحون به ويشيدون بحكمة جدهم وصوابية قراراته وأحقيته في القيام بما يقوم به.

وتوالت الأسابيع على هذا المنوال. هؤلاء، في لقاءاتهم معه، ينتقدون ويجرّحون، وهو يتألم ويقرر إقناع جده بالتوقف، ولكن هؤلاء أنفسهم متى انعقد اللقاء المقرر مع الجد، انقلبوا على ما قالوه فهاجموا فريدا وامتدحوا الجد.

وسرعان ما ضاق الجد، المتأزّمة أوضاعه، ذرعا بحفيده "المتمرّد". أبعد فريد عن اللقاءات. لم يعد يدعوه، فهزأ منه والده لأنه لم يسمع نصيحته بأن "لا رجاء في مخاطبة الديكتاتور".

وبعد ثبوت أن جده أبعده عن اللقاءات العامة، جاءه أبناء عمومته، فهاجموا جدهم واتهموه بالخرف وأسفوا لإبعاده وطالبوه بأن ينتقم لذلك.

رسم فريد ضحكة صفراء على محياه، لكنه، هذه المرّة وخلافا للسابق، لم ينطق بكلمة مما اعتمل في صدره.

ابتعد عن جده ولَم يتوسل مراضاته ولَم يتشفع بأحد ليعود إلى مجالسه.

انقطعت عنه مخصصاته. لم يعد لديه ما ينفقه خارج إطار منزله الوالدي.

لم يكترث. اهتم بدروسه وذاع صيت تفوقه في الجامعة.

ولَم يحرّك جده ساكنا، عندما عرف أن فريد، في حال لم يوظفه في إدارة شركاته، فهو مضطر لقبول واحد من العروض المهنية المقدمة له.

كان فريد يحب جده ويحترمه ويصون لسانه عنه في غيابه، من دون أن يستفيض في تقريظه بحضوره

​​وهذا ما حصل. الجد أعطى جميع أحفاده مناصب في شركته وفي معامله، إلا فريد.

وتألق فريد في عمله، ورقي بسرعة وتضاعف راتبه، مرارا، في حين أن شركة جدّه بدأت، وفق ما يتم تداوله من كلام، تعاني المصاعب وهي على حافة الانهيار.

وعندما أكد له والده هذه الأنباء، قرر أن يقتحم مكتب جده اقتحاما، في محاولة إنقاذية أخيرة.

وارتأى، قبل الاقتحام أن يسلك طريقا بروتوكوليا، فطلب موعدا. لشدّة المفاجأة أن الجد حدّد له موعدا بسرعة لم يكن يتوقعها.

ذهب فريد حاملا معه صدق النصيحة ونجاح التجربة، فاستقبله جده كما يستقبل الأب ابنا كان قد طال سفره.

استغرب فريد، إذ كيف يمكن أن يكون الشخص الذي أبعده عنه هذه السنوات وجافاه، هو نفسه الذي يستقبله بهذا الترحاب.

وقبل أن ينطق، أخذ الجد الكلام، فقال لحفيده:

  • اعرف ما أنت آت من أجله، فوفّر على نفسك الكلام.

شعر فريد بالخيبة، فالرجل يثابر على سد أذنيه، وتاليا فالكارثة آتية لا محالة.

وابتسم الجد، وهو يتأمل بعبوس الحفيد، فحدّثه قائلا:

  • اعرف نصائحك وأنا مقتنع بها، ووضع شركتي، خلافا لما تروي الشائعات، عاد وتعافى...

وحاول فريد مقاطعة الجد، لكن الأخير أحبط هذه المحاولة وتابع الكلام:

  • في السنوات الأخيرة، وضعتك تحت المجهر. كنت أدقق بكل ما تقوم به، وأعجبت بك إعجابا كبيرا. وعندما تأكدت من نجاحك، نفضت الغبار عن نصائحك وانتقاداتك، وبت أعمل بموجبها، وتحسنت الأحوال، ولكنني، وعقابا لجميع من كان يحرضك عليّ فيما هو يقبل يدي والأرض تحت قدميّ، أوحيت لهم بأننا أمام كارثة، ولكي يصدقوا كلامي أوقفت عنهم مخصصاتهم، فأشعرتهم بالكارثة، فعاشوها حتى الرجفان...
  • يعني يا جدّي...

مرة جديدة، لم يسمح الجد لفريد أن يتكلم، فتابع هو:

  • يا جدّي، نجاحك فقط أتاح لنصائحك أن تقنعني فتنقذنا، إذ أنّ من لا يبرهن بالتجربة أنه ناجح يستحيل أن يقنع الكبار بما يحاول أن يمليه عليهم. والآن، قرّر، هل تعود إلينا أو تبقى حيث أنت؟

لم يكن فريد بحاجة إلى التفكير، فهو، سبق أن ناقش مع نفسه هذه الفرضية، مرارا وتكرارا، لأنّه طالما حلم بمصالحة جدّه الذي لم ينقطع يوما حبّه له، فأجاب مبتسما:

  • أبقى حيث أنا..

لم تتفاعل أحاسيس الجد مع جواب حفيده، فسأله، بهدوء، عن السبب، فأجاب فريد:

  • عندما نقترب منك يا جدي لا تعود ترى نجاحاتنا، بل تكتفي بقراءة رقم مرتباتنا أو مخصصاتنا، فتسقط اقتراحاتنا وتتلاشى نصائحنا، ولكن عندما نبتعد، ويا للمفارقة، تستطيع أن ترانا وتُحسن الاستماع إلينا، وبذلك تعطي لنصائحنا قيمة فترتد إيجابا على الجميع. المصلحة العامة تقتضي عليّ أن أضحّي بالمصلحة الخاصة، فأبقى موظفا عند الغريب، بدل أن أكون سيّدا عند القريب.
    عندما نقترب منك يا جدي لا تعود ترى نجاحاتنا
    ​​ومنذ ذاك الوقت، أبقى الجد تواصله مع فريد الذي أصرّ ألا يكون موظفا لديه.

وعندما بلغ الرابعة والستين من عمره، قرر الجد التقاعد والتمتع بما تبقى من الحياة مع زوجته، فسلّم فريد رئاسة مجلس الإدارة ومركز المدير العام.

وعندما دخل فريد إلى مكتبه لاستلام أعماله، كان الجد قد علق لافتة كتب عليها:

انجح ثم انصَح!

وعلت ضحكة فريد، وقال له مدير مكتبه الذي كان يقف وراءه:

ـ سأدوّن عندي أنّه لو كان جدّك حاكما في هذه البلاد، لكان لدينا اليوم أنجح المسؤولين، وأفضل المستشارين، وليس أطوع الأزلام وأوقح الأنسباء وأسوأ النتائج...

اقرأ للكاتب أيضا: البطريرك صفير: موت وولادة في لحظة واحدة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.