شابة كردية سورية، ترفع علما يحمل صورة أوجلان خلال عيد النوروز في مدينة القامشلي
شابة كردية سورية، ترفع علما يحمل صورة أوجلان خلال عيد النوروز في مدينة القامشلي

د. عماد بوظو/

في السادس من شهر أيار/مايو الحالي وجّه عبد الله أوجلان، مؤسس وزعيم حزب العمال الكردستاني، رسالة إلى قوات سوريا الديمقراطية عبر اثنين من محاميه دعا فيها إلى إيجاد حل سلمي مع تركيا وتغليب لغة الحوار بدل الصراع معها. وهذه هي المرة الأولى التي يسمح فيها للمحامين بزيارة أوجلان رغم مئات الطلبات التي قدموها خلال السنوات الماضية.

وبعد بضعة أيام قال وزير العدل التركي إن قرار منع الزيارات عن أوجلان قد تم إيقافه. وبما أن أمثال هذه المبادرات تسبقها عادة مباحثات تمهيدية بين القادة الأتراك وأوجلان، فمن الطبيعي قراءة المبادرة كرسالة موحدة اشترك في كتابتها أوجلان وأردوغان، كما لا يمكن عزلها عن أحداث الأشهر الأخيرة، خصوصا النتائج المخيّبة التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات المحلية الأخيرة بما فيها خسارته لأنقرة وإسطنبول لأول مرة منذ أكثر من عقدين.

المباحثات بين أوجلان والأتراك ستدور حول المشكلة الكردية في تركيا وسوريا

​​كان أهم سبب في خسارة بلدية إسطنبول أن حزب الشعوب الديمقراطي تعمّد عدم تقديم مرشح فيها مما دفع ثمانين في المئة من الناخبين الأكراد للتصويت لمصلحة مرشح المعارضة حسب استطلاع أجراه مركز تيباف للأبحاث. وأوضحت هذه الانتخابات أن هناك تهديد جدّي لحكم الرئيس أردوغان وحزبه إذا أصر على الاستمرار في سياساته الحالية، ومنها تحالفه مع حزب الحركة القومية التي لم تحصل في الانتخابات الأخيرة سوى على 7.25 في المئة من أصوات الناخبين، وتم تحميل أردوغان مسؤولية هذا التحالف حتى من قبل أصدقائه، ومنهم داوود أوغلو رئيس الوزراء السابق والقيادي البارز في حزب العدالة الذي قال في بيان "تظهر نتائج الانتخابات أن سياسات التحالف قد أضرت بحزبنا سواء على مستوى الأصوات أو كيان الحزب".

تنقسم الأحزاب التركية إلى ثلاث مجموعات رئيسية؛ إسلامية أهمها حزب العدالة والتنمية الحاكم، وعلمانية أكبرها حزب الشعب الجمهوري حزب المعارضة الرئيسي، وكردية أهمها حزب الشعوب الديموقراطي، وعند إبطال التحالف مع الحركة القومية لا يتبقى من خيار واقعي أمام حزب العدالة والتنمية سوى التحالف أو التنسيق مع حزب الشعوب الديموقراطي، قبل أسابيع معدودة من إعادة انتخابات إسطنبول، والتي ستتوقف نتيجتها على معرفة إن كانت رسالة أوجلان مجرد خطوة تكتيكية مؤقتة قام بها حزب العدالة والتنمية لكسب أصوات الأكراد أم تغير استراتيجي بالتحالفات والتوجهات السياسية، وفي هذه الحالة ستكون بحاجة للتأكيد عبر خطوات ملموسة قد يكون منها إطلاق سراح النواب الأكراد.

ولا يمكن استبعاد هذا المسار، إذ اتبعه حزب العدالة والتنمية بين الأعوام 2012 و2015 عند محاولته إيجاد حل للمشكلة الكردية، والتي بدأها أردوغان في نهاية عام 2011 باعتذار عن مجازر ديرسيم التي ارتكبتها الدولة التركية بحق الأكراد في ثلاثينيات القرن الماضي. 

سيحرم هذا التفاهم روسيا قدرة من استخدام كل طرف ضد الآخر

​​ثم توالت الخطوات عبر سيناريو مشابه لما يحدث اليوم بمباحثات بين أوجلان في سجنه ورئيس المخابرات التركية هاكان فيدان، تم الإعلان عنها عام 2013 عبر خطاب أرسله أوجلان للمحتفلين بعيد النيروز في مدينة ديار بكر الكردية شرق تركيا. 

وفي انتخابات عام 2015 حصل حزب الشعوب الديموقراطي "الكردي" الذي يترأسه صلاح الدين ديميرتاش، السجين حاليا، على 13 في المئة من الأصوات وثمانين مقعدا ليحل بالمركز الثالث ويؤكّد وجوده وحجمه بين الأحزاب التركية. 

وفي بداية عام 2015 دعا أوجلان إلى "إنهاء الصراع المسلح مع تركيا نتيجة الحاجة الماسة إلى حل ديموقراطي"، ولكن كل ذلك سرعان ما توقف نتيجة تعقيدات الوضع السوري وتسليح الولايات المتحدة الأكراد المرتبطين بحزب العمال الكردستاني واعتمادهم كحليف رئيسي في محاربة داعش، لتعود السياسة التركية في التعامل مع القضية الكردية إلى سابق عهدها.

نتيجة العلاقة الخاصة بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، المكون الرئيسي لقوات سوريا الديموقراطية، وحزب العمال الكردستاني بالإضافة إلى تداخل الأخير مع حزب الشعوب الديمقراطي، فإن المباحثات بين أوجلان والقيادات التركية ستدور حول المشكلة الكردية في تركيا وسوريا في نفس الوقت، ولذلك فإن نجاحها سيحدث تغييرا جوهريا في التحالفات الإقليمية والدولية، وستنعكس إيجابا على العلاقات التركية ـ الأميركية.

المخاوف الحقيقية على نجاح هذه المبادرة يتعلق بمدى جديّة أردوغان

​​ولعل ما نقلته وكالة رويترز عن أن الحكومة التركية تدرس تأجيل استلام منظومة إس 400 الروسية ـ إن تأكد رسميا ـ فإنه سيكون الخطوة الأولى في هذا الطريق، وهذا يحقق لتركيا منافع سياسية واقتصادية وقد يساعد في وقف تدهور قيمة العملة التركية وإبعاد شبح الركود الاقتصادي الذي نتج عن مجموعة من سياسات الحكومة التركية كان منها إلغاء نتيجة انتخابات إسطنبول وما حدث خلال السنوات الأخيرة من تدهور العلاقات التركية مع الولايات المتحدة وأوروبا.

كما أن ذلك سيفتح آفاقا مختلفة لمستقبل مناطق شمال وشرق سوريا وسيقوي من الموقف التركي أمام روسيا وإيران في القضية السورية، بما ينسجم مع توجهات قاعدة حزب العدالة والتنمية، وسيعيد قضية التسوية السورية إلى مسارها الأساسي الذي يهدف إلى تحقيق حل سياسي يحقق تطلعات الشعب السوري.

لذلك، كان أول ردود الفعل على رسالة أوجلان قيام خارجية النظام السوري بإبلاغ مجلس الأمن عن "مذابح" ارتكبتها قوات سورية الديمقراطية في دير الزور، بما يشير إلى تأزّم علاقات النظام مع الأكراد رغم كل الجهود التي بذلتها روسيا للتوسط بين الطرفين، وما تلا تلك الرسالة من هجوم المندوب السوري في الأمم المتحدة على الاحتلال التركي لأراضي سورية، والذي ترافق مع التصعيد العسكري للنظام السوري في إدلب الذي قال عنه أردوغان في اتصال هاتفي مع بوتين "النظام السوري يسعى لتقويض التعاون التركي ـ الروسي والنيل من روح اتفاق أستانا عبر هجومه على إدلب".

في حال تأكدت جدية التوجهات التركية الجديدة في التعامل مع القضية الكردية سيكون أردوغان وحزبه أول الرابحين، لأنه بتحالفه مع حزب الشعوب الديموقراطي سيؤكد على أغلبيته الشعبية والبرلمانية، وسيحقق مصلحة استراتيجية لتركيا واستقرارها على المدى البعيد، إذا نجح بوضع خارطة طريق لحل أكبر المشاكل التي عانت منها الجمهورية التركية منذ تأسيسها. كما ستنسجم مواقف أردوغان من القضية السورية مع خطاباته، بعد أن كان يخطب باتجاه ويتحالف بشكل معاكس مع الروس والإيرانيين.

وسيكون حزب العمال الكردستاني من الرابحين من خلال عمله على حل القضية الكردية في تركيا وسوريا، بما يمكّنه من فتح صفحة جديدة تمحي عنه تهمة اعتماد الإرهاب وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.

هناك أطراف كثيرة ستبذل جهدها لتخريب فرصة التفاهم التركي ـ الكردي

​​وستكون المعارضة السورية بطرفيها الذي تحالف مع الأتراك أو الأكراد من الرابحين أيضا، لأنها ستعمل بإشراف أميركي ـ تركي على إيجاد قواسم مشتركة وتفاهمات بحيث يأخذ الأكراد مكانهم الطبيعي في محادثات الحل السياسي المقبلة للعمل باتجاه سوريا جديدة تناسب جميع مكوناتها.

وستتمكن الولايات المتحدة لأول مرة من تأمين انسجام بين تحالفها مع الأكراد وعلاقتها التاريخية مع تركيا العضو الرئيسي في حلف الأطلسي وموقفها من النظام السوري.

رغم أن هناك أطرافا كثيرة ستبذل جهدها لتخريب فرصة التفاهم التركي ـ الكردي، مثل روسيا، التي سيحرمها هذا التفاهم من قدرة استخدام كل طرف ضد الآخر، على الطريقة الروسية المعروفة بإشعال الحرائق ثم القيام بإطفائها، وإيران التي ستكون الخاسر الأكبر في حال وضع القضية الكردية على سكة الحل في تركيا وسوريا بعد العراق مما يشكل ضغطا إضافيا على المشكلة الكردية لديها، لكن المخاوف الحقيقية على نجاح هذه المبادرة تتعلق بمدى جديّة أردوغان في المضي قدما فيها، لما عرف عنه أنه شخصية انفعالية متقلّبة لذلك تتجه الأنظار إليه لمعرفة خطوته المقبلة.

اقرأ للكاتب أيضا: 'صفقة القرن'.. هل سيستفيد العرب من أخطاء الماضي؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.