مقاتلان من "الحشد الشعبي" عند الحدود السورية ـ العراقية
مقاتلان من "الحشد الشعبي" عند الحدود السورية ـ العراقية

فيليب سميث/

src=

​​موقع إلكتروني تفاعلي يعرض تفاصيل عن مواقع عشرات الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران

طوال عقود من الزمن، غيّرت الجماعات المسلحة الشيعية المشهد الاجتماعي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط. واعتبارا من عام 2019، تعمل في العراق ولبنان وسوريا أكثر من 100 جماعة وجماعة فرعية شيعية مختلفة، وهي المحركات الرئيسية للنفوذ الإيراني.

ولكن على الرغم من مدى تعقيد الجبهات وعدد الفصائل المتحاربة المتورطة، وضلوع إيران بفعالية في هذه النزاعات، إلا أن معظم الخرائط المنشورة علنا عن هذا الموضوع أهملت الحاجة إلى عرض بيانات مهمة حول ميليشيات محددة أو قللت من شأن ذلك. وقد غيّرت هذه المقاربة بشكل جوهري التصورات الدولية للحروب الدائرة في المنطقة، والأهم من ذلك، ميل إيران إلى استخدام وكلاء لها.

وغالبا ما يتمّ تصوير أنشطة الميليشيات الشيعية ضمن خطاب أوسع يتمحور حول "القوات الموالية للحكومة". فحتى إذا اضطلعت هذه الجماعات بأدوار مهيمنة في نزاع ما وسَعَت إلى تحقيق أهداف تختلف عن تلك التي وضعتها القوات الحكومية، فلا تزال توصف على أنها أكثر من مجرد عناصر دعم. ويساهم هذا الأمر في إحداث تمويه أكبر للتطورات الإقليمية والأيديولوجية البارزة المرتبطة بالميليشيات وبشبكات المحسوبية الخاصة بها.

ليست كل جماعة مسلحة شيعية هي من وكلاء إيران

​​ولا تزال جمهورية إيران الإسلامية المحرك الرئيسي للميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط وداعمها الأكبر. فكما ذكرت "استراتيجية الدفاع الوطني" الأميركية لعام 2018، "تتنافس إيران مع الدول المجاورة لها، وتؤكد على وجود هلال للنفوذ وعدم الاستقرار بينما تتنافس من أجل الهيمنة على المنطقة، وتستخدم أنشطة إرهابية ترعاها الدولة، وشبكة متنامية من الوكلاء، وبرنامجها الصاروخي لتحقيق غاياتها". وأضاف "تقييم التهديد العالمي" الأميركي لعام 2019 أن إيران "ربما ترغب في الحفاظ على شبكة من المقاتلين الشيعة الأجانب" في سوريا.

وقد شارك وكلاؤها العاملون حاليا في سوريا والعراق ولبنان في عدد لا يُعد ولا يحصى من الأنشطة الإرهابية واتخذوا مواقف عارضت بكل عنف الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين.

ومن خلال إلقاء نظرة على كيفية استخدام إيران لهذه الشبكات المتعددة الجنسيات قد يساعد في توضيح الأهداف الأيديولوجية والسياسية الإيرانية في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، ليست كل جماعة مسلحة شيعية هي من وكلاء إيران. فهناك نزاعات كثيرة بين الميليشيات الشيعية حول المصالح الأيديولوجية والسياسية والتجارية، ويمكن من خلال تعقب هذه التوترات الكشف عن نقاط الضعف والاتجاهات الرئيسية.

لقد أصبح إعداد خرائط تظهر مواقع انتشار هذه الميليشيات مهما بشكل خاص منذ أن أسست الحكومة العراقية "قوات الحشد الشعبي" في عام 2014؛ وهذه القوات هي مظلة تضم عموما من ميليشيات شيعية تهيمن عليها الجماعات المدعومة من إيران. وزاد ظهور "قوات الحشد الشعبي" من التعتيم على هوية من يقاتل فعليا على الأرض وأي مناطق تتسم بوجود كبير للميليشيات. وتحارب بعض أقوى عناصر "قوات الحشد الشعبي" في سوريا أيضا، في حين تمكّن العديد منها من تكوين قوة سياسية كبيرة داخل الحكومة العراقية.

وبالتالي، من الضروري التوصل إلى منهجية مفصّلة وشاملة لإعداد هذه الخارطة. وفي ما يصب في مصلحة صناع السياسة والخبراء المتخصصين في المنطقة والمراقبين، يهدف مشروع إعداد خارطة بمواقع انتشار الميليشيات الشيعية الخاص بـ"معهد واشنطن" إلى تصحيح هذه الفجوة المعرفية من خلال توفير معلومات بيانية معمقة حول تحركات ميليشيات محددة، وتَوسّع نفوذ إيران في الخارج، وجهود العراق للتصدي للاضطرابات ومعاودة ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" والطريقة التي تحافظ بها الجماعات المسلحة الشيعية على قوتها وتعزيزها، فضلا عن التوقعات القريبة المدى المرتقبة لسوريا.

مصادر الخرائط

في الماضي، كانت المعلومات المماثلة لتلك التي يقدّمها هذا المشروع محصورة إلى حد كبير ضمن مجال مجتمع الاستخبارات والمنظمات الإقليمية أكثر منه في أوساط الجمهور في الغرب. علاوة على ذلك، استخدمت بعض التقارير السابقة حول هذا الموضوع معلومات مستقاة من مصادر خاصة من دون مقارنتها بمصادر الميليشيات الشيعية.

أما الخرائط المعروضة هنا فقد تمّ جمعها عموما من مصادر أولية للبيانات، بما فيها اتصالات ضمن دوائر الميليشيات الشيعية وتحاليل لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي التي تمّ جمعها على مدى 10 سنوات تقريبا. ويستند المشروع على نحو أكثر تحديدا إلى مقابلات مع مجموعة من المقاتلين الشيعة وإلى مراقبة حسابات حوالي 200 منظمة رسمية وشبكة مقاتلين غير رسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وحسابات على تطبيقات المراسلة المرتبطة بجماعات مقاتلة شيعية (تشمل تعليقات تم نشرها علنا وبالسر)، ومصادر أخبار باللغتين العربية والفارسية، إلى جانب تقارير صادرة عن منظمات معادية للميليشيات الشيعية (على سبيل المثال، تنظيم "الدولة الإسلامية"). وتمّ استخدام منصة "خرائط غوغل" لانتشارها الواسع.

وتشمل الأساليب المستخدمة في هذا المشروع البحث عن بيانات يمكن إدراجها في خرائط هي الأقرب إلى مكان ملاحظة حدوث نشاط معيّن من خلال التعليقات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي وعبر تطبيقات المراسلة. وعندما تفتقر التعليقات المنشورة إلى أسماء أماكن محددة، غالبا ما يمكن تعقب المعلومات المعنية من خلال ربطها بمواقع عامة تتمتّع بمستوى معقول من الدقة استنادا إلى بيانات أو أساليب أخرى.

أما المواقع التي يتمّ تحديدها عبر مصادر أولية فيجري التحقق منها واستكمالها بمقالات مفتوحة المصدر من الصحف العربية والإنكليزية والفارسية وصفحات الإنترنت الخاصة بالميليشيات، والمقابلات المباشرة مع المقاتلين، و/أو مصادر الجهة المعارضة. وفي حالات أخرى، تمّ جمع المعلومات لإدراجها في الخرائط باستخدام وسائل ترتبط بالموقع الجغرافي. وتجدر الملاحظة أنه تمّت الإشارة إلى أي معلومات غير مؤكدة في مدخلات الخرائط.

وتتضمن المعلومات الواردة في الخرائط ما يلي:

  • الاقتتال الداخلي بين الميليشيات الشيعية
  • التظاهرات وغيرها من الأحداث المنظمة لصالح ميليشيات مختلفة أو ضدها
  • عمليات الميليشيات ضد الأعداء (على سبيل المثال، الجماعات المتمردة السورية، تنظيمي "الدولة الإسلامية" و "القاعدة")
  • الرحلات الخارجية الخاصة التي أجرتها الجماعات المسلحة أو قياداتها
  • الاجتماعات بين عناصر القيادة ضمن الجماعات المختلفة أو في أوساطها
  • الخسائر البشرية التي لحقت بالميليشيات
  • جنازات المقاتلين
  • عمليات نشر القوات
  • بناء التحصينات ونقاط التفتيش
  • مشاريع الخدمة الاجتماعية

ما هي الجماعات التي تدخل ضمن القائمة؟

على الرغم من تركيز المشروع على الميليشيات الشيعية، إلا أن لدى بعض المنظمات الواردة هنا تركيبة طائفية مختلطة تشمل مقاتلين سنّة ومسيحيين. ومع ذلك، فإن أغلبية المنظمات السنّية والمسيحية والعلوية غير مدرجة، حتى لو كانت تعمل تحت الهيكلية نفسها كميليشيا شيعية (على الرغم من أن مناطق الأغلبية العلوية محددة على خرائط معينة). كما تظهر أيضا الجماعات الشيعية التي تركز على الشق العرقي ـ الديني (على سبيل المثال، "قوات سهل نينوى"، التي ينتمي أعضاؤها إلى أقلية الشبك في العراق لكنهم يمارسون الإسلام الشيعي). وتجدر الإشارة إلى أن أغلبية الجماعات المدرجة متأثرة بإيران أو خاضعة لها، ولكن ليس جميعها.

ويدرس المشروع بشكل خاص تحركات وأنشطة الجماعات التالية:

  • جماعات "قوات الحشد الشعبي" العراقية (سواء كانت رسمية أو مزعومة)
  • "حزب الله" اللبناني
  • الجماعات الشيعية السورية المنظمة بناء على نموذج "حزب الله"
  • الميليشيات الشيعية التي تدعي اصطفافها إلى جانب الجيش السوري
  • جماعتا مقتدى الصدر "سرايا السلام" و"لواء اليوم الموعود"
  • الميليشيات القبلية الشيعية العراقية والسورية
  • جماعات تعرّف نفسها على أنها تابعة لمعسكر أكبر خاضع لسيطرة آية الله العظمى علي السيستاني
  • الميليشيات الشيعية المعلنة حديثا
  • ميليشيات ذات أغلبية إسماعيلية (أو الشيعة السبعية)
  • "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني ووحداته الفرعية، بما فيها الجماعة الشيعية الباكستانية "لواء زينبيون" والجماعة الشيعية الأفغانية "لواء فاطميون".

مجالات التركيز

تشمل أبرز المناطق الجغرافية المدرجة مناطق النزاع الحالية في العراق ولبنان وسوريا. وإذا قامت جماعات أو قام مقاتلون أفراد من هذه المناطق بزيارة دول أخرى، فسيتم توثيقهم أيضا. على سبيل المثال، تضمّ الخرائط تقارير مفادها أن العناصر المتمرسة ضمن جماعة "لواء فاطميون" ـ الوحدة الشيعية الأفغانية لإيران في سوريا ـ أقامت أيضا ميليشيات محلية في بعض أحياء كابول.

بالإضافة إلى ذلك، يميّز المشروع بين مناطق النزاع الحالية والسابقة والمحتملة، علما بأن جميع مناطق النزاع المدرجة مباشرة تشمل ميليشيات ذات أغلبية شيعية.

كيف يتمّ عرض أنشطة الجماعات؟

تتم الإشارة إلى الأنشطة التي تقوم بها ميليشيات شيعية محددة بواسطة شعار كل منظمة أو برمز بديل يوضع على الخرائط. أما الوصف المرافق فيشمل تاريخا دقيقا أو تقريبيا للنشاط. وإذا كانت صور الحوادث متوافرة، فيتم إدراجها أيضا.

إعداد خرائط عرقية ـ دينية وطائفية

من المهم تكوين فكرة عن أماكن إقامة السكان الشيعة في العراق ولبنان وسوريا وأين يتمّ تجنيد الشباب. وتستند خرائط هذه المواقع إلى مصادر متعددة تشمل خرائط تاريخية وخرائط صادرة عن الحكومة الأميركية وتقارير باللغتين العربية والإنكليزية ومقابلات ورحلات شخصية إلى المنطقة.

هناك نزاعات كثيرة بين الميليشيات الشيعية حول المصالح الأيديولوجية والسياسية والتجارية

​​وتتداخل العديد من المجتمعات ويمكن أن تكون متنوعة تماما. ونتيجة لذلك، صُمّمت الخرائط لتقدم لمحة عامة عن أماكن التجمعات المهمة للسكان الشيعة ومناطق النفوذ والمواقع المهمة. كما أن سكان بعض البلدات الواردة في الخرائط ليسوا من الطائفة الشيعية بغالبيتهم أو أنهم يتألفون من مزيج أكبر، لكن مع ذلك يتمتع سكانها الشيعة بنفوذ كبير أو يعتبرون البلدات ذات أهمية خاصة بالنسبة لهم. وتضم الخرائط المعلومات التالية أيضا:

  • الأماكن المقدسة. غالبا ما توصف بـ "المزارات"، وعادة ما تكون أماكن للعبادة والتبجيل للمسلمين الشيعة. لكن بالنسبة لعدد من الميليشيات الشيعية، تشكل ادعاءات الدفاع عن هذه المواقع جوهر أنشطتها المسلحة. ففي سوريا على سبيل المثال، تذرعت الجماعات الشيعية الخاضعة لإيران بـ"الدفاع عن ضريح السيدة زينب" ـ الذي يشير إلى المسجد والمزار في جنوب دمشق ـ كقضية للجماهير الشيعية ذات التوجه الإيراني ابتداء من عام 2012. وفي العراق، استُخدمت صور من تفجير المقام الشيعي "هادي العسكري" في سامراء في عام 2006 لحشد المقاتلين الشيعة في صفوف العديد من الميليشيات. وقد تمّ تحديد ووصف هذه المساجد والأضرحة والمواقع المشابهة على الخرائط.
  • الأماكن المقدسة التي دُمِرت في النزاع. قام الجهاديون السنّة باستهداف بعض المواقع الدينية الشيعية التي تَظهر على الخرائط، بصورة متعمدة أو أنها دُمرت خلال المعارك.
  • فيليب سميث هو زميل "سوريف" في معهد واشنطن، ومتخصص في الميليشيات الشيعية والجماعات التي تعمل لحساب إيران.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟