سوريان يساعدان عنصر من الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) على رفع أنقاض مبنى استهدف طيران النظام السوري
سوريان يساعدان عنصر من الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) على رفع أنقاض مبنى استهدف طيران النظام السوري

مصطفى فحص/

على أبواب إدلب، انقلب هجوم نظام الأسد إلى الدفاع، انهارت معنويات ميليشياته المدعومة من موسكو تحت ضربات المعارضة التي سددت لكمات سياسية وعسكرية لتفاهمات أستانا وسوتشي، وكشفت عن حجم تناقضات الضامنين بعدما قرر الطرف الأقوى في المعادلة السورية (موسكو) التراجع عن التزامات أستانا ـ سوتشي واللجوء مجددا إلى خيار القوة لفرض واقع أمر ميداني جديد عبر استراتيجية القضم التدريجي لمناطق المعارضة في الشمال السوري، كما جرى في مناطق أخرى كانت مدرجة ضمن اتفاقيات خفض التصعيد.

فالهجوم المعاكس الذي قادته المعارضة، وأدى إلى استرجاع أجزاء كبيرة من الأراضي التي احتلها نظام الأسد في الأيام الأولى للمعركة، كان نتيجة قرار تركي ضمني بضرورة الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في الشمال وعدم القبول بفكرة المقايضة بين إدلب وملفات أخرى أكثر تعقيدا وتهديدا للأمن القومي التركي.

في سوريا يقف "المنتصر" مكبلا وحائرا غير قادر على تسييل أرباحه

​​وأدت المواجهة الأخيرة بين المعارضة والنظام إلى إعادة ترميم الثقة بين الأتراك وفصائل الشمال المسلحة، التي كانت تتخوف من تراجع تركي أمام الضغوط الروسية تؤدي إلى السماح للنظام بإعادة السيطرة على أجزاء واسعة من مناطقها، باعتبار أن أنقرة شبه معزولة إقليميا ودوليا، وتمثل الحلقة الأضعف بين الدول الضامنة، وتتعرض لابتزاز روسي مستمر، حيث تمارس موسكو معها سياسية ليّ الأذرع وإلزامها بتبني الخيارات الروسية في سوريا، واستفرادها بعد الفتور الكبير في علاقتها مع واشنطن.

ميدانيا، سمحت أنقرة بنقل أعداد كبيرة من مقاتلي درع الفرات، أي مناطق المواجهة في ريفي إدلب وحماه، وغضت الطرف عن فتح الفصائل الموالية لها سياسيا وعسكريا مخازنها الفصائل الأخرى التي فقدت الدعم بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كانون الأول/ديسمبر 2017 وقف تسليح المعارضة، الأمر الذي ساعد على تغيير مجريات المعركة بعد إمداد المقاتلين بسلاح نوعي، حيث برز دور صواريخ تاو المضادة للدروع من جديد في المواجهة، ما أدى إلى تعطيل حركة آليات النظام، كما تمتعت قوات المعارضة أثناء المعركة بدعم لوجيستي واضح من خلال إمدادها بالوقود والأغذية التي تحتاجها، ما دفع قائد ميليشيا النمر الموالية لروسيا سهيل الحسن بعد فشل الهجوم، إلى إتهام قوات خاصة تركية وأميركية بالمشاركة في القتال.

اتهامات سهيل الحسن جاءت بالتوازي مع قرار أنقرة الإبقاء على عناصر المراقبة التركية في مواقعها وعدم الانسحاب التكتيكي حتى لو تعرضت للحصار من قبل ميليشيات النظام، حيث أكد ذلك وزير الدفاع التركي خلوص أكار في تصريح له يوم الأربعاء الفائت "أن نقاط المراقبة التركية لن تتراجع خطوة إلى الوراء في مناطق حفظ التصعيد".

الخلاف الواضح بين أنقرة وموسكو على مستقبل الحل في إدلب والشمال السوري، دفع أنقرة إلى استغلال الهجوم لتمرير رسالة عسكرية لموسكو بأن الرهان على ميليشياتها التي تشارك في المعركة (قوات النمر) قد سقط بعد فشلها في تحقيق نصر ميداني حتى بوجود الغطاء الجوي الروسي، ما يعني أن قدرة هذه التشكيلات العسكرية على إتمام السيطرة على أغلب الأراضي السورية أصبح أمرا صعبا، فقد خاضت موسكو المعركة مع فصائل عسكرية خرجت من 9 مناطق سورية رفضت المصالحة مع نظام الأسد وهي لا تملك إلا خيار المواجهة مع النظام.

ومن الجدير ذكر أن نسبة 30 في المئة من السوريين الموجودين في محافظة إدلب وريف حماه الشمالي هم من السوريين النازحين الذين رفضوا البقاء في مناطق المصالحات لعدم ثقتهم بتعهدات الجانب الروسي الذي سمح للنظام بإعادة فرض سياساته الأمنية في المناطق التي سلمتها المعارضة، وقام بإجبار أبنائهم على الخدمة الإلزامية في ما يسمى "الجيش العربي السوري".

أما الانتكاسة الفعلية لموسكو وميليشيات النظام والمرتزقة الروس كانت بعدم قدرتهم في الوصول إلى خان شيخون، وذلك لعدة أسباب من أبرزها أن السيطرة على خان شيخون تُمكن النظام من حصار معرة النعمان وكفرنبل والسيطرة على المنطقة الفاصلة بين ريفي إدلب وحماه، حيث يتحقق له تأمين الطريق الدولي بين حلب دمشق، إضافة إلى أن موسكو أرادت من الوصول إلى خان شيخون التي تعرضت لقصف بالأسلحة الكيماوية حيث ثارت شكوك دولية بضلوع الطيران الحربي الروسي بتغطية العملية التي نفذها طيران الأسد من أجل محو الأدلة التي تثبت حدوث الهجوم كما فعلت سابقا مع أدلة الهجوم الذي تعرضت له منطقة دوما.

الانتكاسة الفعلية لموسكو وميليشيات النظام والمرتزقة الروس كانت بعدم قدرتهم في الوصول إلى خان شيخون

​​فتحت معركة إدلب باب التكهنات حول مستقبل مسار أستانا وسوتشي الذي سعت موسكو لفرضه على من اللاعبين الإقليميين والدوليين في الصراع على سوريا، وفي هذا الصدد يرى المستشار القانوني السابق للجيش الحر أسامة أبو زيد أنه "إذا استمر الهجوم بنفس المستويات التي كانت في الأيام السابقة فلن يشكل خطرا على مسار أستانا وسوتشي، أما إذا انتقل إلى مرحلة تصعيد أكبر مثل تكثيف عملية مشاركة سلاح الطيران الروسي أو إدخال الميليشيات الإيرانية على خط المواجهة بما ينبئ بعملية اجتياح بري شامل عندها ستكون جميع المسارات في مهب الريح".

في سوريا، تختلف الأجندات وتتعارض المصالح، ويقف "المنتصر" مكبلا وحائرا غير قادر على تسييل أرباحه، فمنذ التدخل الروسي في كانون الأول/ديسمبر 2015 وحتى الآن تعجز موسكو عن إنهاء الصراع لصالحها وهي تواجه يوميا معضلة قدرات النظام المحدودة وانعدام إمكانية إعادة تعويمه في وجه ثورة ترفض أن تستسلم.

اقرأ للكاتب أيضا: النجف وبغداد بين حشدين

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.