مقاتلون تابعون للحركة الوطنية في لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)
مقاتلون تابعون للحركة الوطنية في لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)

منى فياض/

يقول المثل: "العين بصيرة واليد قصيرة". وأكثر ما ينطبق هذا المثل على علاقتنا بالكتب. فالكتب تصلك بكتب أخرى، وهذه تصلك بغيرها، كمتوالية لوغاريتمية، بحيث نعجز عن قراءة كل ما نقتنيه.

وهكذا تأخرت قراءتي لكتاب دلال البزري "سنوات السعادة الثورية". قراءته حملت متعتين: واحدة لاقترابه من السرد الروائي، والثانية لأنه يعيدنا إلى حقبة مراهقتنا وشبابنا ونضالاتنا. زمن الحركة الوطنية.

تستعيد دلال البزري تلك الأيام التي اختلط فيها النضال بالتعرف على الذات وعلى الآخر. تستعيد ذكرى استقالة جمال عبد الناصر إثر "النكسة" التي جعلتنا نكتشف حجم خديعتنا. مع ذلك، صدمتنا استقالته وأنزلت الجماهير العربية إلى الشارع بالملايين. أذكر أني كنت لحظتها مراهقة تستقل سيارة أجرة في طريق العودة إلى البيت. فانهمرت دموعي بصمت. وحتى الآن، ومع إعادة تقييمي لتلك المرحلة ومع أني آليت على نفسي حينها ألا أُخدع من أي نوع من أنواع الخطب الحماسية والبروباغندا والمبالغات وأن أحافظ على موضوعيتي، إلا أني، مثل دلال، لا تزال لدي نقاط ضعف تجاه هذا الرجل بالرغم من السلبيات الأكيدة التي نتجت عن فترة حكمه. فالحنين يتلازم مع جروح تلك الحقبة التي سبقت هزيمة حزيران/يونيو، الذي طُبعنا بهزيمته، كحزيرانات كثيرة أخرى.

صارت بعيدة الآن تلك السنوات بما حملته من آمال وخيبات

​​أعادتني تلك الذكرى إلى حادثة مشابهة جاءتني بخبر غيّر مصائرنا بدوره؛ حين الإعلان عن عملية قتل الجنود الإسرائيليين وخطف اثنين منهم عام 2006. تعليقات من معي ومشاهدتي لرجال يحملون رزما من الديناميت مع علب بقلاوة للاحتفال زادت إحساسي بالمصيبة. شعوري بفداحة ما حصل جعلني أعلق: افرحوا.. إنها بداية خراب لبنان.

يعيد كتاب "سنوات السعادة الثورية" إحياء ذكرى بشر تقاطعت طرقهم ومن ثم غابوا وانقطعت أخبارهم كما يحصل في الحروب عادة. رفاق تقاسمت معهم البزري لحظات من القرب ومن الحماس ومن الانفعالات والآمال والمخاوف ثم غيبتهم مصائرهم المبعثرة.

تعيد دلال إلى الأذهان طقوس المنظمة اليسارية، من السرية إلى الأسماء المستعارة إلى طقس التجهم، كما هو الرفيق سعيد مسؤول الحلقة الحزبية، الذي تسبقه هيبته منذ دخوله لأول مرة. تتساءل: هل من واجبه التنظيمي أن يكون مثل الثلج، ضاربا إلى الصقيع؟ وأن يوجد مسافة بينه وبين أعضاء الحلقة؟ وأن يصل دائما متأخرا عن الموعد المحدد؟ أجل فهو مندوب الخلية المشرفة، أي أعلى مرتبة في التسلسل التنظيمي، الذي يبدأ فيه المرء كـ "اتصال" ثم يتدرج إلى عضو حلقة ثم عضو خلية. وفوق الجميع، "القيادة" العليا للمنظمة. مكان له مهابته في النفوس. يعرف أعضاؤها بأسمائهم اللامعة، الحاضرة في كافة المهرجانات.

من طقوس التنظيم، بخلاف السرية المطلقة والأسماء المستعارة، تدخين سيجارة الـ"جيتان" الفرنسية، وقراءة الكتب والجدية. إثر اجتماع في منزل رفيق غني يملك كنزا من الكتب، تخبره أنها سرقت منه كتابا. وأمام دهشته تعترف أنها تسرق الكتب من المكتبة أيضا. فسرقة الكتب حينها كانت موضة مارسها معظم اليساريين. وكانت تحصل بضمير مرتاح لأن "المعرفة لا يجب أن تكون حكرا على أحد. فالبرجوازية تحرمنا من المعرفة، تريد أن ندفع الكثير من أجل الحصول عليها".

في التدريب على السلاح غاب التمييز الجندري، لكن في الساحات الأخرى لم تتوفر هذه "الرعاية"

​​وهذا الرفيق ابن العائلة الثرية لم يكن يعرف حينها أن أبناء البرجوازية معززون مكرمون ليس فقط في المجتمع، بل في المنظمة "الأنتي ـ مجتمع" أيضا. فأبناء الوجهاء لهم تقدير خاص؛ ولو لم يهاجر لكان اكتشف أن المنظمة تهجو "البرجزة" وتبث معايير الرفيق الصالح، المتجرد من كل الامتيازات؛ ثم تعامل هؤلاء معاملة خاصة! تضعهم فوق رأسها وفي عينيها. فالفروقات الطبقية تفرض نفسها وتؤثر على الشخصية والسلوك والمصائر.

هذا الرفيق كان رفض السفر إلى فرنسا للالتحاق بالبوليتكنيك (École polytechnique، وهي جامعة فرنسية) كما يريد الوالد، لذا "تركه ليذهب إلى الجحيم"، أي الجامعة الحكومية. فليتسجل في أي كلية من كلياتها، الأمر سيان.

والحياة في الجامعة الحكومية بالنسبة للمناضلين تجري على مداخلها وفي الفناء الضيق المسمى حرمها. فتوزع المناشير وتجرى النقاشات والتجمع من أجل الانطلاق نحو التظاهرات وتحضير الهتافات المرتبطة بفلسطين وبقضايا الطلاب والجامعة.

يختفي الرفيق وأسرته من لبنان إثر إصابة ابن عم له، متخرج للتو من الكلية الحربية، برصاصة قاتلة أثناء اشتباك دوريته مع دورية من الفدائيين في الجنوب. وهذه كانت بدايات هجرة اللبنانيين والمشكلة الفلسطينية، التي تفاقمت لاحقا.

كان ذلك إثر هندسة عبد الناصر لاتفاق القاهرة الذي وقعه لبنان ليسمح للفصائل الفلسطينية بحرية التحرك من داخل الأراضي اللبنانية لمحاربة إسرائيل عام 1969. إنها الاتفاقية التي جعلت لسان حال اليسار "نفتح أيدينا ترحيبا بالرفاق الذين تعرضوا لمذبحة الأردن المعروفة بأيلول الأسود. ونقدم لهم أرضنا وأرواحنا واستعدادنا لأن نخوض معهم الكفاح المسلح من أجل تحرير كامل فلسطين".

وهذا موقف منتظر في ظل جو يساري عام يسخر من شعارات الإقطاع السياسي الحاكم واليمين المؤيد له. فهؤلاء متآمرون على القضية شعاراتهم: "لا غالب ولا مغلوب" و"قوة لبنان في ضعفه". وكلها مدعاة للسخرية... يضحك الرفيق المسؤول العابس ها! ها! ها! "إن وجودنا هنا يدحض هذه الشعارات، التي لا قيمة لها، مثل تلك "القرنبيطة" التي تتوسط علمنا".

السخرية من "الوطن المسخ" تزيد الحماسة من أجل تحطيم هذا النظام ومن أجل تغيير المجتمع جذريا، وبناء المجتمع الثوري. والموت سهل من هذا المنظار.

فبدأت التدريبات على السلاح في المخيم الفلسطيني والزحف والركض والتسلق مع مسؤول آخر وأيضا "كتلة جامدة مفتقد لأي جاذبية". يمنع الضحك والكلام. عسكري "لا يميز بين الألوان ولا الأشكال ولا الأنواع".

الحياة في الجامعة الحكومية بالنسبة للمناضلين تجري على مداخلها وحرمها

​​في التدريب على السلاح غاب التمييز الجندري، لكن في الساحات الأخرى لم تتوفر هذه "الرعاية". ففي التظاهرات كانت الرفيقة توصف بـ"عاهرة" حين تجادل العساكر، وحين يلتحم النضال الطلابي بالعمالي، وعند حصول تنافس أو سوء فهم على أمر ما، ينصب الغضب على الفتاة خصوصا إذا تصدرت الواجهة ويعلو الصراخ في وجهها.

أيضا، في صراع الرفاق الأعداء بين الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي كان أي سوء فهم أو نزاع يحول الرفيقة بقدرة قادر إلى "عاهرة". وسوف يكون على الكاتبة ورفيقاتها في النضال تلقي تلك "الصفة" كلما أبدين درجة من التحفز أو النقد أو الجدية وأحيانا لمجرد كونهن فتيات. هذا في وقت كان التنظير فيه يربط التحرر السياسي بالتحرر الجنسي.

صارت بعيدة الآن تلك السنوات بما حملته من آمال وخيبات. الآتي ليس أفضل.

اقرأ للكاتبة أيضا: خطر حرية الضمير على الاستبداد والفساد

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.