ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

عريب الرنتاوي/

بمعايير المعارك الكبرى والحروب الحقيقية، تبدو صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيّرة، ضربا من "الألعاب النارية" لا أكثر، فما من قرية أو بلدة في سوريا والعراق، إلا وضُربت بما هو أقسى منها وأشد... وما من مدينة أو قرية يمنية، إلا وتعرضت لوابل من القذائف والصواريخ أكثر عددا وأشد تدميرا من صواريخ الحوثي وطائراته المسيّرة.

لكن "هشاشة" المنظومة الأمنية السعودية، و"ضعف جهاز المناعة المجتمعية" في مواجهة تحديات الحروب وتداعيات المعارك، جعل من الضربات الصاروخية و"الجوية" الحوثية لأهداف في العمق السعودي، قضية "تهديد استراتيجي" كبرى، استدعت وتستدعي، حشد القادة الخليجيين والعرب والمسلمين، في قمم طارئة متعاقبة في مكة المكرمة، وخلال شهر رمضان المبارك.

الدائرة الخليجية الأقرب للرياض، لا تبدو على قلب رجل واحد

​​مع أن السعودية، من ضمن حفنة قليلة من الدول في العالم، تتوفر على أحدث ما أنتجته تكنولوجيا السلاح من كافة الدول الرئيسة المنتجة والمصدرة له.. وميزانيات التسلح السعودي تبدو فلكية بامتياز، وتحتل المكانة الأولى عالميا في لائحة المشتريات العسكرية.. ثم، أن السعودية تكاد تكون "قارة" بذاتها، بالمعنى الجغرافي، وتتوفر على عدد من السكان، لا يقل عن اليمن برمته، وليس الشطر الشمالي منه فحسب... أما عن المقدرات المالية والاقتصادية، فحدّث ولا حرج؛ فهل كان دونالد ترامب مخطئا حين قال إن هذه الممالك لن تصمد أسبوعين في مواجهة العاديات، إن رفعت واشنطن غطاء الحماية عنها؟

في السنة الخامسة للحرب على اليمن، تظهر السعودية والتحالف الذي تقوده، عجزا واضحا في تحقيق أي أهداف "عاصفة الحزم" ومراميها.. ويوما بعد آخر، يثبت بالملموس، أنها لم تكن "عاصفة" ولم تتسم بـ"الحزم" المطلوب.. بل أن معطيات السنة الجديدة، تظهر الحوثيين في مكانة "الند" القادر على مقارعة الرياض وتحالفها، بل وتهديدها على أطراف الحدود وفي عمقها، بل وتظهر منشأتها الاستراتيجية، مكشوفة أمام طائرات بدائية، يصعب تصنيفها كـ "سلاح الجو".

من تابع ردود الأفعال السعودية على الضربات المحدودة التي تعرضت لها منشآت تابعة لعملاق النفط السعودي "آرامكو" في نجران، وحادثة السفن الأربع في ميناء الفجيرة، يدرك تمام الإدراك حجم "الهشاشة" التي تتسم بها المنظمة الأمنية السعودية بخاصة، والخليجية بعامة، ويخلص إلى نتيجة مفادها، أن ترليونات الدولارات التي أنفقت على السلاح والتسلح في العقود الماضية، لم تغرس مشاعر الثقة والطمأنينة، في أوساط صناع القرار والرأي العام في هذه الدول سواء بسوء، ويصل إلى خلاصة مفادها: أنه من دون الوجود العسكري الأميركي ـ الأطلسي المباشر على أراضي هذه الدول، وفي مياهها وأجوائها، يصعب خلق الشعور بالاطمئنان وتكريسه.

مكة والنفط

ثمة ورقتان أساسيتان، تلجأ إليهما الرياض كلما أحست بالاستهداف، وكلما شعرت أن منظومتها الأمنية باتت عرضة للاهتزام.. الأولى؛ وتتمثل في مكة المكرمة والحرمين الشريفين. والثانية؛ وتتجلى في النفط وأمن الطاقة. الأولى، بوصفها أداة لحشد تأييد العالمين العربي والإسلامي.. والثانية، بوصفها أداة لكسب تأييد المجتمع الدولي الذي ما زال يرى في النفط وتأمين طرق إمداداته، قضية أمن دولي بامتياز، لا تقبل أي مظهر من مظاهر الضعف والتردد في التعاطي معها.

ما إن ينطلق صاروخ حوثي في إي اتجاه في المملكة، حتى ينبري الاعلام الحكومي السعودي للقول بأن إيران تستهدف مكة المكرمة وأمن الحجيج وزوار الحرمين الشريفين.. وما إن تقترب طائرة مسيّرة، من أنبوب أو منشأة نفطة، حتى تبادر الآلة الإعلامية ذاته، للتحذير من الخطر الذي يتهدد النفط.. وقبل أن تتضح رسميا، نتائج التحقيقات في حادثة السفن الأربع في ميناء الفجيرة، كانت الطبول تقرع بقوة محذرة من تعرض طرق إمداد النفط والطاقة للخطر الشديد... وأحسب أن هذا "التكتيك" السياسي/ الإعلامي، قد أثمر وكانت له مفاعيل إيجابية، في كثير من الأحيان، وليس في جميعها.

ستنجح السعودية في كسب تأييد دول خليجية وعربية وإسلامية في القمم الثلاث المقبلة، وسيكون هناك تضامن خليجي ـ عربي ـ إسلامي مع الرياض في مواجهة التهديدات الإيرانية، المباشرة أو بـ"الوكالة" من خلال الجماعة الحوثية.. لكن دولا عديدة ستشارك بـ"تثاقل" في القمم القادمة، ولن يتعدى دعمها للمملكة، الحدود اللفظية والخطابية.. فمعظم هذه الدول، لم ير عند بدء الحرب السعودية على اليمن، خطرا يهدد أمن المملكة واستقرارها، أو تهديدا يمكن أن يمس أمن الأماكن المقدسة وقوافل الحجيج. لذلك، ظلت مشاركتها في الحرب، لفظية ورمزية، وليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الأمر سيكون مختلفا هذه المرة، بل إن حماسة كثرة من الدول العربية والإسلامية، لحرب خليجية رابعة، تبدو في أدنى مستوياتها، كما أن حماستها لاستمرار "الحرب المنسية" على اليمن، تقترب من درجة الصفر، لا سيما بعد تفاقم المعاناة الإنسانية للشعب اليمني المسلم، وغياب أي أفق لحسم الأزمة اليمنية عسكريا.

حتى أن الدائرة الخليجية الأقرب للرياض، لا تبدو على قلب رجل واحد، فقطر تغرد خارج سرب الخليج، وعمان والكويت تعرضان وساطة لحل الأزمة في اليمن وخفض حدة التوتر بين واشنطن وطهران.. أما الإمارات العربية المتحدة، شريك السعودية في الحرب على اليمن، فهي لم تتردد في الكشف عن "أجندة يمنية" خاصة بها في اليمن، لا تلتقي بالضرورة، وأحيانا تتصادم مع "الأجندة" السعودية.. وثمة ما يشير إلى أن أبوظبي، أقل حماسة من الرياض في "التجييش" ضد إيران، وتخشى أكثر منها، من مخاطر اندلاع حرب أميركية ـ إيرانية في الخليج، تكون دوله ساحة من ساحتها، وأهدافا لنيرانها.

حماسة كثرة من الدول العربية والإسلامية، لحرب خليجية رابعة، تبدو في أدنى مستوياتها

​​خلاصة القول: إن الدور القيادي للسعودية في العالمين العربي والإسلامي الذي اكتسبته خلال العقود الفائتة، إنما يأتى عن اعتمادها على "القوة الناعمة"، وسلاحي النفط وعائدته، ومكة وحجيجها... أما حين قررت المملكة في عهد الملك سلمان وولي عهده المثير للمشاكل والمتاعب، الشغوف بالمغامرات، اعتماد "القوة الخشنة" لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية، وإدامة دورها الإقليمي وتوسيعه، فقد بدا أنها مكشوفة تماما، وأنها تعاني "هشاشة أمنية متراكمة وبنيوية"، الأمر الذي يضعها أمام مفترق طرق استراتيجي، يملي عليها حسم وجهتها في أقرب الآجال، فإما إعادة ترميم هذا الدور واستعادته بالدبلوماسية والتسويات التفاوضية وبقية عناصر "القوة الناعمة"، أو أنها ستواجه مكشوفة، كلف مغامراتها وخياراتها "الخشنة"، بما فيها الكلف الباهظة للحماية الدولية وما يترتب عليها من نزيف هائل يكاد يبتلع ثروات البلاد المتراكمة، بل وثروات الأجيال القادمة كذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: الحرب على إيران... إن وقعت!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A woman wearing wearing a niqab (full face veil) walks by at the Kurdish-run al-Hol camp for the displaced in the al-Hasakeh…

رأينا في المقال السابق كيف كانت بعض "حِيَل الدفاع عن ابن تيمية" متهافتة جدا؛ إلى درجة تكاد تكون بها حيلة التيموي الدفاعية محض سخرية باردة، كما رأينا كيف انقلبت بعض هذه "الحِيَل" على أصحابها؛ لتكون على الضد مما توهموا، أي لتكون هجوما قاسيا على "شيخ إسلامهم" الذي يستبسلون في الدفاع عنه؛ غير مدركين أنهم ـ مهما نافحوا عنه، وناضلوا دونه ـ إنما يدافعون عن قضية خاسرة، لا لضعف المدافعين وهزالة حججهم (وهذا هو واقع حالهم) فسحب، وإنما لأن من يدافعون عنه مُدَان بما لا يُحْصَى من الأدلة الثابتة الصريحة التي تجعل منه ـ بحق ـ أحد أهم مشرعي الإرهاب.

لقد رأينا كيف كانت مهزلة الاعتذار السمج عن فتاويه العُنْفية الدموية؛ بادعاء أنها/ الفتاوى ظهرت نتيجة ظروف ذلك العصر الهائج المضطرب الذي تسبب ـ فيما يزعم المدافعون صراحة أو ضمنا ـ في اضطراب نفسية/ عقلية ابن تيمية؛ ليكون في "وضع غير طبيعي"، أنتج ـ بسببه ـ فتاوى "غير طبيعية"، لا يجوز أن يكون شيخهم مسؤولا عنها بحال!

وقد رددت على هذا الزعم بأن معرفة ظروف إنتاج النص لا تعفي صاحب النص من أن يكون مسؤولا عن نصه. دراسة هذه الظروف واستحضارها إبان مقاربة النصوص يكون ـ فقط ـ لـ"التفسير"، وليس لـ"التبرير"، أي لتفسير عملية الإنتاج، وليس لتبرير المضمون الذي يُراد به التبرير لصانع هذا المضمون.

فمثلا، عندما يؤكد الفيلسوف الإنكليزي/ توماس هوبز أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ويبني على ذلك نظريته السياسية، فإن معرفتي بظروف الحرب الأهلية التي دفعته لإنتاج هذه المقولة، لا تعني أن هوبز خرج بريئا من هذا التصوّر الذئبوي للعلاقات الإنسانية. إن معرفة الظروف التي أحاطت بهوبز أواخر القرن السابع عشر، لا تجعلني أفهم أنه ما كان ليقول بهذا التصور؛ لولا أن ظروف عصره ضغطت عليه ليقول به، وإنما ـ فقط ـ تجعلني أفهم لماذا توصل إلى هذه النتيجة التي يتحمّل هو ـ وهو بالذات/ بالدرجة الأولى ـ مسؤوليتها كاملة؛ ما دام لم يعتذر عنها، أو ينقضها تحديدا وتعيينا، على نحو صريح.

لا يُوَجد تكفيري يؤكد ـ تنظيرا ـ على أنه تكفيري أصالة، ولا يوجد إرهابي يقول بأنه يتعمد منهج الإرهاب

ولعل من أشهر "حِيَل الدفاع" عن ابن تيمية ـ وهي دائما حيل سلفية ساذجة جدا ـ قول التيمويّين إن "شيخ إسلامهم" ليس وحيدا في إصدار فتاوى التبديع والتضليل والتكفير والإقصاء والقتل...إلخ، بل مثله كثير من مشاهير فقهاء الإسلام على امتداد التاريخ. وبالتالي ـ وفيما يزعمون ـ لا معنى للهجوم على ابن تيمية وحده إلا كون منتقديه لا يقصدون أقواله/ تراثه الفكري، وإنما يقصدون شخصه؛ لأن الهجوم النقدي بات يتوجّه له تحديدا، إما على سبيل التركيز (التركيز عليه أكثر من غيره)، وإما على سبيل التحديد (إفراده بالهجوم دون غيره).

وهذه الحيلة الدفاعية متهافتة من وجوه:

1 ـ نحن نسأل بدورنا: لماذا شخصه دون غيره؟ يعني إذا كنا نقصد ـ افتراضا ـ شخصه؛ فلماذا قصدناه دون غيره ؟، وهل صاحب الفكر/ التراث يبقى منه غير فكره/ تراثه لتكون تهمة الشخصنة ممكنة؟ ثم إذا كان من الممكن في حال الخصم الفكري المعاصر أن يختلط الشخصي بالموضوعي؛ لأن ثمة إمكان للاحتكاك/ للصراع الشخصي؛ فكيف يمكن ذلك في حال مَن مات منذ قرون؟!

مثلا، أنا انتقدت الشيخ السلفي الكبير/ الحويني، وهو شيخ معاصر، ولهذا يقع احتمال اختلاط الشخصي بالموضوعي (مع أن المُتّهِم لا بد أن يأتي بدليل على هذا حدوث هذا الاختلاط من الواقع)، إذ يمكن أن أكون تخاصمت معه ذات لقاء، أو بلغه قولٌ عني فيه أو بلغني قول عنه فيّ، أو وقعت بيني وبينه خصومة على قطعة أرض، أو نزاع على وظيفة مرموقة، أو حتى وقع بيني وبينه تحاسد وتنافر...إلخ صور التماس الشخصي. لكن كيف يكون الموقف شخصيا من ابن تيمية؛ بينما هناك سبعة قرون كاملة تفصل بيني وبينه، ابن تيمية الشخص تلاشى في فضاء الدهر عَدَما، ابن تيمية الموجود معي الآن، الذي أتعامل معه اليوم نقدا وتفنيدا هو مجرد أقوال/ تراث قولي. وكذلك هو حال جميع منتقديه من المعاصرين الذين لا مجال لشخصنة الخصومة معه بحال.

2 ـ كون غيره شاركه في مثل هذه الفتاوى الإقصائية الإرهابية لا يعني أن هذه المشاركة ستخرجه من قفص الاتهام بريئا. فباختصار: الجريمة لا تبرر الجريمة، أقصد: جريمة فكر ما، لا تُبَرِّرُها جريمة فكر آخر.

 3 ـ أن مشاركة الآخرين/ فقهاء ودعاة في فتاوى الإقصاء والعنف تبقى مشاركة محدودة نسبيا، أي هي ليست ـ في هذا المنحى ـ بذات الكم، ولا بذات الدرجة من العنف، ولا بهذا المستوى من التأكيد المتواصل، الذي يجعل قارئه الغارق في دهاليزه تراثه يخرج بـ"روح إقصائية ذات طابع عنفي"؛ حتى وإن لم يستحضر تفاصيل النصوص/ الفتاوى وأدلتها وحجاجها في التراث التيموي.

4 ـ أنه الأكثر قدرة على مُوَاشَجة آرائه/ فتاويه بالنصوص المقدسة الأولى. ما يعني أنه الأقدر على إيهام العقل العامي بشرعية استنباطاته الخاصة التي تصبح ـ من خلال تعالقها بالدّوال النّصية ـ وكأنها هي أحكام الشريعة على سبيل التطابق التام. وهذا يجري بفعل اختلاط/ امتزاج الوجداني بالفكري، فعلاقة العامي بالنص هي علاقة وجدانية/ ما قبل فكرية، والضرب على وتر النص، والمخاتلة والمراوغة به من خلال التجاوز المكاني في الكتابي والتجاور الصوتي في المقول، هو توظيف لهذا البعد العاطفي بغية الوصول إلى ما وراءه: القناعة بالأفكار بوصفها بلاغ النص/ صوت النص/ صائت النص الصامت!

5 ـ أنه يختلف عن غيره من الإقصائيين بكونه ذا خطاب موسوعي، ورائج في الوقت ذاته، ومن ثَمَّ، فهو الأشد خطر ـ بما لا يقاس ـ من غيره. وهنا، من الطبيعي أن يتوجّه النقد إلى الأخطر، ومن الطبيعي أن يحاول مكافحو أفكار التعصب والإقصاء والإرهاب إقفال أكبر منافذ هذا الفكر، لا لأنه المنفذ الوحيد، وإنما لأنه المنفذ الأكبر والأخطر، المنفذ الذي ثبت أن الأغلبية الساحقة من معتنقي الفكر الإرهابي الإسلاموي المعاصر مرّوا من خلاله؛ ابتداء وانتهاء.

ومن "الحيل الدفاعية" عن ابن تيمية/ عن التراث التيموي هي تلك الحيلة التي تتعمّد أن تعترف وتنكر في آن، أقصد: محاولة صرف النظر عن تفاصيل فتاويه المشحونة بـ"يستتاب فإن تاب وإلا قتل" وغيرها من عبارات التكفير والإقصاء والعنف، إلى البحث عن منهج مباطن في التكفير، يختلف ـ في مستوى تسامحه واتساع أفقه ـ عن هذه التطبيقات الصريحة الصادمة بعنفها وانغلاقها. ومختصر قولهم في هذه الحيلة الزعم بأن له منهجا متسامحا في التكفير، وهذا المنهج يمكن أن يُسْتَنبط من تنظيراته الكثيرة في هذا المجال، ثم يؤكدون أن العبرة بهذا التنظير، لا بتطبيقات الفتاوى التي سيعيدون تكرار معزوفة أنها ظرفية عابرة، وأن العبرة بالمنهج العام!

وطبعا، هذا ليس إلا دفاعا متهافتا أشد ما يكون التهافت، إذ لا يُوَجد تكفيري يؤكد ـ تنظيرا ـ على أنه تكفيري أصالة، ولا يوجد إرهابي يقول بأنه يتعمد منهج الإرهاب. كل التكفيريين يقولون: لا نكفّر إلا من كفّره الله ورسوله، وكل السلفيين التقليديين يقولون عن أنفسهم: "نحن أرحم الخلق بالخلق". نعم، إنها يقولونها بكل ثقة، وعندما تحاكمهم إلى أفعالهم في قتل الأبرياء، يجيبونك بأن هؤلاء ليسوا أبرياء، وأن الله هو الذي أمر بقتلهم، وبما أن الله أرحم الراحمين، وهم قد نفذوا حكم الله فيهم، ففعلهم هذا من الرحمة بضحاياهم، وقد يتمادون في التبرير فيزعمون أنهم لو تركوا هؤلاء أحياء؛ لارتكبوا مزيدا من المعاصي والآثام بقية حياتهم، ومن ثم، فقتلهم جعل حساب آثامهم يتوقف، وهذا من الرحمة...إلخ التبريرات التنظيرية التي تحاول تغطية بشاعة التطبيق الإرهابي.

من حيل الدفاع التي هي في الوقت نفسه من دوافع الدفاع، الخلط بين التضحية أو البطولة من جهة، وصوابية الأفكار ونزاهتها من جهة ثانية

إن التنظير الذي يطرحه كل التقليديين في هذه المسائل كمنهج أو كمقدمات نظرية عامة، إنما هو أشبه ما يكون بالدستور العام العائم الذي يجري اختراقه بالتعليمات التفصيلية (التي هي هنا الفتاوى التطبيقية)، فدستور العراق أيام حكم صدام حسين لم يكن ينص على جواز القتل الجماعي ولا على التعذيب داخل المعتقلات...إلخ البشاعات، بل كان الدستور يكفل الحقوق ويُجرّم كل هذه الانتهاكات. هذا يحدث في تنظير/ الدستور والإعلام؛ بينما كانت الأوامر المنهجية، والتعاميم التفصيلية، تُبيح كل ذلك، بل وتُلزم به، وتُكافئ عليه. وطبعا، يستطيع المنظرون ردم الهوة التي تفصل بين نصوص الدستور والنصوص التفصيلية التطبيقية التي تأخذ طريقها إلى التنفيذ، بينما تبقى نصوص الدستور نصوصا للتبرير ولطمأنة الضمير، وللظهور للعالم بوجه إنساني لائق.

وأيضا، من الحيل الدفاعية التي تتكرر كثيرا، الزعم بأن مقولاته التكفيرية والإقصائية إلى درجة العنف الإرهابي هي مجرد فتاوى، والفتاوى "مُعْلِمة وليست مُلْزمة"، فابن تيمية ـ كما يزعم المدافعون ـ لم يجبر أحدا على الأخذ بفتواه، ولا هو يملك القوة لتطبيقها في الواقع. ولا شك أنني أمام مثل هذا "الاستهبال" في الدفاع (الذي يدل على اعتراف ضمني بكون مقولاته/ فتاويه تؤسس للإرهاب) لا أملك إلا طرح سؤال بسيط ساذج: هل هناك فقيه/ شيخ يَزعم ـ أو يُزعَم له ـ أنه يستطيع إلزام الآخرين بما يقول؟! أليس الفقيه/ الشيخ يفتي/ يقول رأيا بوصفه هو رأي الدين، ثم يقوم المُقلّد بالتنفيذ؟! بل أليست كل الآراء والأفكار الإجرامية والعنصرية التي أسست لقهر وسحق الإنسان على مر العصور، صدرت عن أناس لا يملكون حق الإجبار ابتداء؟! أليس التنفيذيون الكبار مجرد مستلهمين لمقولات مفكرين كبار اعتقدوا أن أفكارهم هي عين الصواب؛ فبادروا إلى تنفيذها حتى ولو خسروا أرواحهم في سبيل ذلك؟!

أخيرا، من حيل الدفاع التي هي في الوقت نفسه من دوافع الدفاع، الخلط بين التضحية أو البطولة من جهة، وصوابية الأفكار ونزاهتها من جهة ثانية. فهؤلاء كثيرا ما يستحضرون نضال ابن تيمية ضد هجمات التتار، وينتشون باستعادة وقائع جرأته في هذا المجال (طبعا، مع مبالغات لا تخفى)؛ ليؤكدوا صدقه الذاتي ونزاهته، ومن ثَمَّ صواب أفكاره باعتبارها صادرة عن إنسان مخلص لقضاياه التي ينافح عنها.

هنا خلط بين العاطفي والموضوعي لا يقع فيه من يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بشروط المعرفة. صحيح أن النضال والإخلاص للمبدأ/ الفكرة يثير الإعجاب؛ بقدر ما يُعدي حماسيا. وهذا بُعد عاطفي لا ضير منه، ولكن كان من المفروض ـ في سياق المقاربة العلمية ـ أن يتوقف هذا الإعجاب عند "ابن تيمية الإنسان"، ولا يتعداه إلى "ابن تيمية الأفكار". إذ لو كانت الشجاعة أو النضالية أو التضحية في سبيل الأفكار هي ما تمنح الأفكار قداسة/ صوابا في النظر العلمي أو في القصد الديني؛ لكان الخوارج الذين بذلوا أرواحهم رخيصة لمبادئهم هم أصوب الناس أفكارا وأصدقهم دينا.