كريستينا كلارك، كلوي بولدوين وكيت فراي في المشهد الأخير (تصوير: ليز لورين)
كريستينا كلارك، كلوي بولدوين وكيت فراي في المشهد الأخير (تصوير: ليز لورين) | Source: Courtesy Image

رياض عصمت/

لا تحتاج شيكاغو إلى فصل شتاء كي تقدم فيها مسرحية تحمل عنوان "حكاية الشتاء"، فالشتاء فيها يمتد حتى شهر يونيو/حزيران، ودفء الربيع خدَّاع ومراوغ، سرعان ما يغدر بالمرء إذا وثق بقدومه وتخلى عن سترته المطرية، بحيث يعود إلى بيته وهو يقطر بالماء.

وصفت هذه المسرحية بين مسرحيات شكسبير المتأخرة زمنيا بأنها "ليست مسرحية كوميدية، ولا تراجيدية". أهذه أحجية؟ لماذا حار النقاد، يا ترى، في تصنيف هذه المسرحية/اللغز؟ يعتقد مخرج المسرحية المخضرم روبرت فولز أن "حكاية الشتاء" بالذات تصلح للقرن الحادي والعشرين. لا شك أن المرء سيتساءل: لماذا؟

يقال: "أعطني مسرحا، أعطك شعبا"

​​يكمن الجواب في أنها تصور مزاجية ملك أرعن، ذي رأي متقلب وقرارات طائشة، ربما يذكرنا بأكثر من زعيم في عالمنا المعاصر. إنه ملك صقلية ليونتيس، الذي لا يتورع عن تدمير أسرته لمجرد أن شكا ساور خياله المريض في عدم إخلاص زوجته.

هكذا، يضطر ضيفه وصديقه بولكسينيس، ملك بوهيميا، للهرب كي ينجو من عملية اغتيال مدبرة بفضل تحذير الوزير الحكيم كاميلو، الذي يلجأ معه إلى دياره ليصبح مستشارا له. أما ليونتيس فيمضي في غيِّه، فيحاكم زوجته المخلصة هرميون علنا ويصمها بالخيانة تحت سمع وبصر حاشيته. تسقط هرميون أرضا فاقدة الوعي حين يعلن حاجب نبأ وفاة ابنها متأثرا بما ارتكبه والده في حق والدته، لتعلن وصيفتها بولينا أنها قضت نحبها من جراء الصدمة.

لا يتوقف حقد ملك صقلية ليونتيس عند هذا، بل يوغل في شكوكه المرضية، فيوعز برمي ابنته الوليدة في غابة لتفترسها الدببة بسبب اعتقاده أنها ثمرة الخطيئة.

يصور الفصل الأول من العرض، إذن، غيرة جنونية الطابع تفوق غيرة بطل شكسبير الأسود عطيل بسبب الدسائس الخبيثة التي يبثها ضابط الصف الشرير ياغو في عقله، والتي تدفعه لأن يقدم على خنق زوجته البيضاء المخلصة، ليكتشف متأخرا أنه وقع ضحية خدعة شريرة، فينتحر بخنجره. تعالج تراجيديا "عطيل" موضوع الغيرة من أكثر من زاوية.

هناك غيرة ياغو من قائده الأسود، وغيرته من الضابط الشاب كاسيو بحيث يدس سموم الغيرة الخضراء في وجدان عطيل كي يحط به إلى مستوى وحشي يدمره نفسيا ويدفعه لأن يقضي على من يحب.

أما في "حكاية الشتاء"، فالفكر الوجودي عند شكسبير أكثر تجليا وهيمنة، إذ يصور ملكا مريضا بوساوسه الداخلية، دون أن يوحي له شيطان بشري بشيء. إنه إنسان حر، وبالتالي فهو مسؤول عن أفعاله، وبالأحرى أخطائه المميتة. إن وسواس غيرته التي لم يحرضها أحد يجعله يدمر أحب وأقرب الناس إليه، فيقضي على سعادته بمحض إرادته واختياره.

المسرح فن سياسي بامتياز. حتى حين يحاول المسرحي تجنب الخوض في السياسة، فذلك موقف سياسي ربما يعتبر سلبيا أو مقصرا أو مهادنا. قال برتولد برشت ذات مرة في قصيدة: "حقا إنني أعيش في زمن أسود/ الكلمة الطيبة لا تجدُ من يسمعها/ والجبهة الصافية تفضح الخيانة/ والذي ما زال يضحك/ لم يسمع بعدُ بالنبأ الرهيب./ أي زمنٍ هذا؟/ الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة/ لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولا".

كيت فراي، دان دونوهيو وناثان هوسنر في الفصل الأول (تصوير: ليز لورين)

​​يختلف القسم الثاني من مسرحية "حكاية الشتاء" اختلافا بينا عن الأول، ويتخذ طابعا كوميديا، احتفاليا ومرحا، قبل أن تنتهي الأحداث نهاية سعيدة. تمر 16 سنة يعيش خلالها ملك صقلية ليونتيس عزلة كئيبة، مدركا أنه تسرع بظنونه الطائشة وأودى بحياة ولده وابنته الرضيعة وقضى على زوجته هرميون دون دليل سوى أوهامه وتخيلاته الجامحة.

لا يعلم الملك ليونتيس بالطبع أن طفلته برديتا نجت من الموت ونشأت في كنف راعٍ وابنه في مملكة بوهيميا، وأن فلوريزيل ـ ابن صديقه السابق الملك بولكسينيس ـ وقع في هواها.

يغضب ملك بوهيميا بولكسينيس ويثور حين يتسلل متنكرا إلى الغابة ويكتشف علاقة ابنه الأمير بفتاة من بيئة شعبية متواضعة، فيضطر فلوريزيل للهرب مع برديتا لاجئين إلى مملكة أبيها دون أن تعلم بحقيقة أصلها وهويتها. يلاحق ملك بوهيميا بولكسينيس مع الوزير كاميلو ابنه وحبيبته لتتكشف حقيقة كون برديتا هي في الحقيقة ابنة ليونتيس وهرميون الناجية من الموت، ولتعقد المصالحة بين الصديقين القديمين، وليطلب ليونتيس الغفران.

هنا، تحدث المعجزة، إذ تقود الوصيفة بولينا ملك صقلية المفجوع إلى ضريح أقامته تكريما للملكة الراحلة، حيث تخبره أنها كلفت نحاتا بصنع تمثال متقن لهرميون كي تحفظ ذكراها. يدهش الملك ليونتيس حين يلاحظ أن ملامح التمثال البديع قد علته بعض التجاعيد الموحية بمرور الزمن، ويخاطبه مستغفرا نادما، فيتحرك التمثال لنكتشف أن هرميون لم تمت في حقيقة الأمر، بل أخفتها وصيفتها طيلة تلك السنين بعيدا عن أنظار زوجها الملك المزاجي الأرعن. تعانق هرميون بفرح ابنتها برديتا، التي يوافق ملك بوهيميا أن تزف لابنه الأمير، وتسامح زوجها الملك الغيور على سلوكه الجنوني الذي كاد أن يدمر جميع أفراد أسرته لولا لطف القدر.

"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان". ويقال أيضا: "أعطني مسرحا، أعطك شعبا". ليس هناك من غرابة في أن يطلق على المسرح لقب "أبو الفنون"، إذ يعتبر هذا الفن العريق قديما قدم العصر الحجري حين كان الإنسان يعيد في كهفه تجسيد ما مرَّ به من مغامرات خلال الصيد لأبناء قبيلته. تطور المسرح كثيرا عبر العصور، وانتقل من مسرحيات الأسرار إلى المسرحيات الأخلاقية، ومن الأشكال الشعبية شبه المسرحية كخيال الظل والعرائس والحكواتي إلى التكامل في المسرح الإغريقي. ما لبث أن تطور على يدي شكسبير ومعاصريه، ومن ثم ظهر المسرح الواقعي الدرامي في أوروبا منذ هنريك إبسن، وصولا إلى التيارات الحديثة في مختلف ثقافات العالم.

اختار مسرح "غودمان" العريق في شيكاغو أن ينتج "حكاية الشتاء" في العام 2019 بإخراج حديث الرؤية تصدى له المدير الفني للفرقة روبرت فولز، وبأزياء معاصرة صممتها آنا كوزمانيك وديكور مدهش صممه والت سبانغلر.

"حكاية الشتاء" ليست مسرحية تراجيدية خالصة، لأنها رغم مأساوية بدايتها تنتهي نهاية سعيدة. هي أيضا ليست مسرحية كوميدية خالصة، لأن نصفها الأول عنيف وقاس بحيث يستدر دموع المتفرجين أكثر من ضحكهم.

في "حكاية الشتاء"، الفكر الوجودي عند شكسبير أكثر تجليا وهيمنة

​​إنها مسرحية تتضمن حكمة فلسفية، وتحفل بالعواطف الجياشة، وتتعمد انتقاد زعيم فاقد الاتزان تحرق قلبه نار الشك والغيرة. "حكاية الشتاء" مزيج سحري بين نمطين متناقضين، مثل قريناتها "كما تهوى"، "تاجر البندقية"، "دقة بدقة"، "جعجعة بلا طحن" و"العاصفة". لذا، يطلق النقاد على هذه التراجيكوميديات إما اسم "المسرحيات الرومانسية" أو "مسرحيات المشكلة".

لم تمنع موجة البرد القارس والمطر الغزير العائدة إلى شيكاغو في عزِّ فصل الربيع جمهورا غفيرا من أن يملأ مقاعد مسرح "غودمان" حتى آخرها في ليلة الافتتاح. هب الجمهور واقفا مع تحية الختام ليحيي بحرارة طاقم العرض الأنيق. وصل الإسقاط المعاصر إلى الجمهور مخترقا حاجزي الزمان والمكان: إن رعونة ملك يمكن أن تؤدي إلى سلسلة كوارث تؤذي أقرب الناس إليه وأكثرهم إخلاصا له. بالتالي، فإن نار الغيرة المرضية تحرق حتى نفوس الأباطرة، فيبغون ويعذبون ويظلمون، ثم يندمون بعد فوات الأوان، لأن الموت لا يعيد أرواح من ذهبوا.

اقرأ للكاتب أيضا: اللامعقول في زماننا معقول جدا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi wears a military uniform of Popular Mobilization forces during his meeting with Head of…

"في 20 مايو، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي مع مايكل نايتس، حمدي مالك، وأيمن جواد التميمي، مؤلفي الدراسة الأخيرة "التكريم من دون الاحتواء: مستقبل "الحشد الشعبي" في العراق". ونايتس هو زميل أقدم في برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد. ومالك هو محلل لشؤون الشرق الأوسط مقره في لندن حيث يعمل في "آي. آي. تي. في." (IITV). والتميمي هو محلل مستقل ومرشح لنيل شهادة الدكتوراه من "جامعة سوانزي". وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

مايكل نايتس

استمد عنوان التقرير "التكريم من دون الاحتواء" من محادثة مع مسؤول عراقي في بغداد، الذي قال بأنه يجب "تكريم واحتواء" "قوات الحشد الشعبي" في البلاد. وحتى الآن، لم يتم تحقيق سوى الجزء الأول من هذه الصيغة. وأفضل طريقة لتحقيق الجزء الثاني هي من خلال الإصلاح النشوئي لقطاع الأمن، مع الإقرار بأن احتواء "قوات الحشد الشعبي" يُشكل على المدى القريب هدفا أكثر عملية من تسريحه ونزع سلاحه وإعادة دمجه.

وأحد أكبر التحديات التي يطرحها "الحشد الشعبي" هي القيادة والتحكم. فقد اعتادت هذه القوات تخطي صلاحياتها وتنفيذ العمليات دون علم الحكومة. ففي أكتوبر 2019، تورّط قياديون بارزون ووحدات رئيسية من "الحشد الشعبي" في قتل الكثير من المتظاهرين العراقيين واحتجازهم بصورة غير قانونية. وشن بعض عناصر "الحشد" أيضا هجمات بالطائرات المسيرة ضد دول مجاورة (مثل السعودية) واستهدفت بعثات أجنبية داخل العراق، ولكنها نفت جميعها ضلوعها في أي من تلك العمليات. وأدّت هذه الهجمات في النهاية إلى شن الضربة الأميركية التي أودت بحياة قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني وقائد "قوات الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس في 3 يناير.

يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قامت الحكومة الجديدة التي شكّلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي باستعراض مبكر لعزمها من خلال مداهمة ميليشيا في البصرة كانت تستهدف المتظاهرين. وتعهّد الكاظمي أيضا بإيجاد السجون الخاصة التي اعتُقل فيها بعض المتظاهرين والتحقيق في مقتل البعض الآخر. ولكن يجدر بالمراقبين الخارجيين توقّع أن يكون مثل هذا التقدم تدريجيا، بما أنه لا يزال على الكاظمي مواجهة تجدد تنظيم "الدولة السلامية" ووباء "كوفيد 19" والتعامل مع انهيار اقتصادي ساحق.

وفي النهاية، سيكون تسريح "قوات الحشد الشعبي" صعبا جدا نظرا لوجودها العسكري والسياسي الكبير في العراق. ومع ذلك، هناك مجال للإصلاح، وسبق أن أظهر العراقيون إجماعا كبيرا حول العديد من القضايا ذات الصلة. أما خارطة الطريق للإصلاح فتتألف من ثلاث مراحل حاسمة. أولا، يُعتبر إخضاع قيادات "الحشد الشعبي" للمساءلة ذات أهمية قصوى في تسهيل نجاح المؤسسة، وفي الوقت نفسه ضمان خضوعها لقيادة وتحكم السلطات الوطنية. ثانيا، إن "الحشد الشعبي" بحاجة إلى أدوار ومهام محددة، وهذا أمر يمكن تحقيقه في إطار مراجعة للدفاع الوطني بالتعاون مع الجهات المانحة الأجنبية. والمرحلة الثالثة هي أبعد من ذلك: عملية إعادة انتشار تدريجية تعود فيها قوات الميليشيات من الميدان للخضوع لتدريب يحوّلها إلى قوة محترفة.

حمدي مالك

إن "ألوية العتبات" في العراق هي تنظيمات شبه عسكرية مرتبطة بالمقامات الشيعية، ما يسمى بـ "وحدات الأضرحة" الأربع: "لواء أنصار المرجعية" و"لواء علي الأكبر" و"فرقة العباس القتالية" و"فرقة الإمام علي القتالية". ولا علاقة لهذه الوحدات بـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بل هي تابعة للمرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني الذي تعتبره مصدر محاكاة لها.

وتضم وحدات "العتبات" بالإجمال نحو 18,000 جندي في الخدمة الفعلية وعشرات الآلاف في صفوف الاحتياط. وتُعتبر "فرقة العباس" الأكثر قدرة عسكريا بين التنظيمات الأربعة، وتتمتع بإمكانيات هجومية يعززها التدريب اللوجستي وتعاونها في مجال الدعم الناري مع وزارة الدفاع العراقية.

وهناك العديد من الخصائص التي تميّز "العتبات" عن الوحدات الموالية لإيران والخاضعة لهيمنة "الحرس الثوري" داخل "الحشد الشعبي". أولا، لا تعمل "العتبات" إلا مع المؤسسات الوطنية العراقية ويُحظر عليها الارتباط بقادة "الحرس الثوري" أو شخصيات عسكرية أجنبية أخرى. 

ثانيا، تبقى هذه الألوية خارج العملية السياسية، في حين ذهبت التنظيمات الموالية لإيران إلى حد تشكيل أحزاب سياسية خاصة بها. 

ثالثا، لا تَعتبِر وحدات "العتبات" بأن الولايات المتحدة عدوة لها. وعلى الرغم من أنها أدانت الإجراءات الأميركية من حين لآخر (على سبيل المثال، قصف موقع بناء في "مطار كربلاء الدولي" في مارس)، إلا أنها تتجنب بشكل عام التعبير عن مشاعر معادية للولايات المتحدة أو التصرف بناءً على تلك الآراء. 

أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى

رابعا، لم يتم اتهام "العتبات" بانتهاك حقوق الإنسان. وفي الواقع، إنها غير مهتمة بالتواجد داخل المناطق العربية السنية التي وقعت فيها العديد من هذه الانتهاكات، في حين أن المناطق الرئيسية التي تهتم بها هي المدن الشيعية المقدسة، كربلاء والنجف والصحراء التي تربطها بالأنبار. ولم يتم اتهام العتبات بالابتزاز أيضا، بخلاف الكثير من جماعات "الحشد الشعبي" التي تستخدم مثل هذه التكتيكات للحفاظ على وجودها، وبالتالي تُفاقم المظالم بين السكان السنة.

والواقع أن هذه الاختلافات تضع "العتبات" والميليشيات الموالية لإيران على طرفَي نقيض. فحتى قبل مقتل المهندس في يناير، سعت "وحدات الأضرحة" ("ألوية العتبات") إلى إقالته من قيادة "الحشد الشعبي"، وأظهرت بعد وفاته معارضة شديدة لخلفه الذي طُرح اسمه من قبل ميليشيا "كتائب حزب الله" التي ينتمي إليها، والتي حاولت تعيين القيادي الموالي لإيران أبو فدك رئيسا جديدا للعمليات في "قوات الحشد الشعبي". 

وفي النهاية، انسحبت "العتبات" من "هيئة الحشد الشعبي" برمّتها وتعهدت بمساعدة الجماعات الأخرى على الانشقاق عنها.

وقد تسبّب انسحابها، من بين عواقب أخرى، بالمساس بالشرعية الدينية التي تتمتع بها التنظيمات الموالية لإيران. إذ تشكّل "العتبات" سابقة للمتطوعين شبه العسكريين الذين يعملون بموافقة آية الله السيستاني. وحين انشقّت عن "الحشد"، رأى كثيرون في ذلك أنها طريقة السيستاني للبدء بسحب تأييده لـ "قوات الحشد الشعبي". وردا على ذلك، التقى هادي العامري وأحمد الأسدي وشخصيات رفيعة أخرى من التنظيمات الموالية لإيران بممثلين عن السيستاني في كربلاء، في محاولة لإقناع "العتبات" بالعودة إلى جناحها.

وعلى النطاق الأوسع، تشكل "وحدات الأضرحة" نموذجا يمكن الاقتداء به لتحسين "الحشد الشعبي". وبصرف النظر عن معارضتها للهيمنة الإيرانية، أوجدت هذه "الوحدات" مساحة تستطيع فيها قوات الميليشيات والعراقيون الذين يشاركونها الفكر نفسه أن يعربوا عن فخرهم بدينهم وجنسيتهم دون أن يتوجب عليهم كره الطوائف أو الجنسيات الأخرى.

أيمن جواد التميمي

تملك العديد من فصائل "الحشد الشعبي" ـ ومنها التنظيمان الرئيسيان "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" ـ هوية مزدوجة كجماعات "مقاومة" معادية للولايات المتحدة وكألوية مسجلة في المؤسسة العسكرية الرسمية العراقية. 

وفي دورها الأول، لم تتوانَ عن شجب الوجود الأميركي الذي تصفه بالاحتلال وتوجيه التهديدات. ومع ذلك، فإن دورها الثاني ككتائب رسمية تابعة لـ "الحشد الشعبي"، يجعل من الخطر عليها شن هجمات علنية ضد أهداف أميركية. ومن ناحية علاقتها بإيران، فقد تبّنت أهدافا معينة تتماشى مع مصالح طهران (على سبيل المثال، الحفاظ على وجود "قوات الحشد الشعبي" على الحدود مع سوريا)، ولكنها لا تخضع لإدارة دقيقة من قبل "الحرس الثوري".

لقد ظلَّ موقف فصائل "المقاومة" هذه دون تغيير إلى حد كبير منذ مقتل سليماني والمهندس. وخفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة. 

خفّضت بعض الشخصيات الرفيعة من ظهورها العلني، وأبرزها قائد "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي قلّل من حضوره الإعلامي خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة

ومع ذلك، لا تزال التنظيمات تحرّض ضد الوجود الأميركي وتصدر التهديدات، على الرغم من أن دورها الأخير في الهجمات الفعلية لا يزال غير مؤكد. ويبدو أن بعض ألوية "الحشد" تعتقد أنها لا تستطيع استهداف الوجود الأميركي بشكل مباشر لأنها جزء من مؤسسة حكومية عراقية. وتبنّت كيانات جديدة مختلفة الضربات التي وقعت هذا العام (على سبيل المثال، "عصبة الثائرين")، ولكن من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه عناصر منشقة حقيقية أم مجرد فصائل مقاومة تابعة لـ "الحشد" وتعمل تحت اسم مختلف للتمكن من إنكار دورها بشكل معقول.

فضلا عن ذلك، عارضت بعض فصائل المقاومة بشدة تعيين الكاظمي واتهمته بالتواطؤ في مقتل سليماني والمهندس. وبعد أن أصبح الكاظمي رئيسا للوزراء، تحرّك ضد جماعة "ثأر الله" في البصرة بسبب ضلوعها في قتل المتظاهرين وإصابتهم. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا التحرك المنفرد على أنه خطوة أوسع ضد "الحشد الشعبي" أو فصائل "المقاومة". وأحد أسباب ذلك هو أن "ثأر الله" هي مجرد تنظيم صغير بالمقارنة مع "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق". 

بالإضافة إلى ذلك، تفاخر "الحشد الشعبي" بزيارة الكاظمي الأخيرة إلى مقره، حتى أنه منحه بزّة نظامية خاصة بـ "الحشد" لارتدائها. ويبدو من غير المحتمل أن يتمكّن رئيس الوزراء من إعطاء الأمر بمداهمة فصائل "المقاومة" الأكبر حجما، أو اتخاذ إجراءات مماثلة ضدها، لأنه ملزم باحترام مؤسسة "الحشد الشعبي" بصفة عامة.

أعدت هذا الملخص حنا كوب. أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".
المصدر: منتدى فكرة

The Future of Iraq's Popular Mobilization Forces

Posted by The Washington Institute for Near East Policy on Wednesday, May 20, 2020