نجيب محفوظ في صورة تعود للعام 1988
نجيب محفوظ في صورة تعود للعام 1988

محمد المحمود/

كان الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ من أهم الرموز الأدبية/ الفكرية التي ناضلت في سبيل إشاعة روح التنوير على امتداد نصف قرن تقريبا. خطابه الروائي خطاب تنويري بامتياز. وبمقدار ما هو روائي تنويري منحاز إلى القيم الليبرالية في مجمل إنتاجه، كما في مجمل مواقفه، فهو في هذا وذاك من أشرس المحاربين لقوى الظلام (وتحديدا؛ لأولئك الذين يحاولون العودة بمجتمعاتهم قرونا إلى الوراء)؛ حتى وإن كانت "شراسته" كمحارب تتعمّد اختيار أجمل الطرق وألطف الوسائل، بعيدا عن المباشرة والصدام.

لكن، وبالرغم من كونه خصما عنيدا للخطاب المضاد للتنوير، أي للأصولية الإسلامية المتطرفة التي كانت النقيض الفعلي لكل ما هو تنويري في مجتمعه، إلا أنه يرى أن هذه الأصولية لن تبدأ بالتلاشي المنتهي بالهزيمة الشاملة؛ ما لم تُجرّب المجتمعات الإسلامية نموذجها المضمخ بالقداسة عن قرب، أي ما لم تصل هذه الأصوليات إلى الحكم، ومن ثَمَّ تفشل عمليا في تحقيق أبسط وعودها الطوباوية التي طالما ألهمت خيال الجماهير.

مَن يستسلم لتياره الجارف وأمواجه الهادرة؛ لا يملك إلا قدر الموت غرقا

​​طبعا كانت الأغلبية الساحقة من مثقفي التنوير المُجَايلين له يختلفون معه في هذا الرأي، ويرون أن خطورة هذه الأصوليات تصل درجة السم القاتل، وبالتالي، لا يمكن أن نسمح بوضع المجتمعات في قبضتها ولو لساعة من نهار، خاصة وأننا إذ نملك خيار القبول بها ابتداء، فإننا لا نملك خيار رفضها بعد أن تكون قد امتلكت كل وسائط الإجبار والتأثير والإغراء التي تمتلكها الدولة المعاصرة. وهنا ـ وفق محاججة هؤلاء ـ ستكون الديمقراطية التي يتوسل بها الأصوليون إلى السلطة هي الحلقة الأخيرة، وسيكشف النمط السلطاني القروسطي عن وجهه الصريح.

لا يهم هنا تقييم رأي نجيب محفوظ من حيث هو حلٌّ ناجع أو غير ناجع لهذا الداء الأصولي الذي بدأ يستشري في مجتمعاتنا أواخر القرن العشرين. ما يهم هنا هو الإشارة التي يتضمنها الرأي المحفوظي، حيث جعل "الصحوة الإسلامية" ـ التي تجلّت في شتى الخطابات الدينية الأصولية ـ تعبيرا عن حالة ظرفية، أو انعكاسا لتفاعلات مرحلة يصعب القفز عليها بمجرد رفضها أو تجاهلها. فهي/ الصحوة تَشكّلٌ جَنيني في رحم هذه المجتمعات، وسيأخذ "دورة حياة" على نحو ما، ليضمحل فيما بعد ويتحلل إلى عناصر أوليّة تُسهم في تشكيل مولود جديد يستجيب لضرورات المرحلة اللاحقة التي المفتوحة بشكل مباشر على آفاق التنوير المأمول.

فؤاد زكريا، وهو مفكر مصري من معاصري محفوظ، شاركه هذا الرأي في علته الأولى، أو في تفسير أصل الحكاية الأصولية؛ لا في نتيجته التي تسمح للمجتمعات الإسلامية بتجريب الحالة الأصولية على مستوى الإدارة/ الحكم، بوصفها مُكوّنا فاعلا ومؤثرا ينتظر دوره في التجريب. فؤاد زكريا يحاول مَوْضَعَة الصحوة الإسلامية في سياقها التاريخي بوصفها ابنة ظرفها/ الظرف التاريخي الذي مَرّ به العالم الإسلامي؛ ولا يزال. يقول: "فواقع العالم الإسلامي، في معظم أرجائه، هو واقع جماهير أمية ينقصها الوعي السياسي والعقلانية، وهو أيضا واقع بطش واستبداد وكبت للحريات من جانب القوى المعادية للجماهير. في مثل هذا الواقع يبدو أن الإسلام هو القوة الهائلة التي هي وحدها القادرة على تحريك مثل هذه الجماهير وتعبئتها ودفعها إلى الوقوف أمام القوى الغاصبة ومقاومتها إلى حد الاستشهاد" (الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، فؤاد زكريا، ص16).

فرق بين أن تفهم الحالة الأصولية بتجرد، وأن تتفهمها وتمنحها شرعية الفعل

​​نلاحظ هنا أن فؤاد زكريا إذ يُمَوضِع "اللحظة الصحويّة" في سياقها؛ لا يجعل من هذا التبرير توطئة لمنحها مشروعية محاصرة التنوير، فضلا عن مشروعية التحكّم في مفاصل القرارات المصيرية في السياسة والثقافة والاقتصاد. بل هو يأسى أشد الأسى أن يجد نفسه مضطرا لمناقشة مسائل/ قضايا يفترض أنها حسمت منذ قرنين أو أكثر. يقول متألما ومُدِينا كل ما أوصلنا إلى هذه الحال: "وإنه لأمر يدعو إلى الأسى العميق أن يجد المثقف العربي نفسه أواخر القرن العشرين مضطرا إلى أن يخوض معركة كاد المفكرون في أواخر القرن التاسع عشر أن يحسموها نهائيا لصالح العقل والتقدم.. فهل هناك دليل على انتصار خصوم العقل، وأعداء التبادل الفكري الخصب، أبلغ من نجاحهم في العودة بمستوى الجدل الثقافي قرنا من الزمان، بالنسبة إلى العرب أنفسهم وخمسة قرون على الأقل بالنسبة إلى المجتمعات المتقدمة؟" (الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، فؤاد زكريا، ص196).

يظهر هنا من كلام فؤاد زكريا أنه ينتفض على المبررات التي ذكرها في المقطع الأول/ الاستشهاد الأول. هناك يرى أن ثمة ظروف تجعل المجتمع الإسلامي معذورا في اعتناق الأفكار الأصولية، بينما هو هنا يرى أن هذا لم يكن حتما، بل لم يكن طبيعيا، إذ الطبيعي ـ كما يؤكد ـ أننا تجاوزنا هذا الخيار الأصولي منذ قرنين، لكن ولأسباب تتعلق بخياراتنا الخاطئة ـ لا بحكم ضرورات السياق التاريخي ـ وجدنا أنفسنا ننساق وراء الخيار الأصولي بمحض إرادتنا، وكان بإمكاننا أن نرى الخطورة في هذا الخيار؛ لو أننا اعتمدنا الخيار العقلاني، لا الخيار العاطفي/ الوجداني.

ما بين التبرير في المشهد الأول، والأسى المتضمن لكثير من لوم الذات في المشهد الثاني، يتضح أنه لا تعارض بين أن تفهم هذه الحالة الأصولية/ الصحوية في سياقها التاريخي؛ بوصفها ابنة ظروفها/ العوامل المؤثرة فيها من خارجها، وأن تكشف ـ في الوقت نفسه ـ عن دورها الكارثي في تعطيب الحراك الاجتماعي نحو الانفتاح على آفاق الحداثة.

أخطر ما في هذا الموضوع هو الخضوع لتصور جبري يرى أن التفاعل بين مكونات الواقع يقتضي انتصار الأصوليات

​​فرق بين أن تفهم الحالة الأصولية بتجرد، وأن تتفهمها وتمنحها شرعية الفعل على أوسع نطاق لمجرد كونها نتاج ظرف/ سياق ذاتي، فالعلل والأدواء جزء من مكوناتنا، جزء من حركة الواقع، ولا يعني فهم طبيعتها، ولا الإقرار بذاتيتها، تثمينها، ولا الاستسلام لها، بل يعني الأمر ـ في تسلسله المنطقي ـ التوسل بهذا الفهم إلى تدعيم فرضة العلاج، أي تدعيم الخطاب المضاد؛ ليكون أقدر على الفعل والتأثير، أي ليكون الدواء قادرا على محاصرة الداء؛ قدر المستطاع.

إن أخطر ما في هذا الموضوع هو الخضوع لتصور جبري يرى أن التفاعل بين مكونات الواقع يقتضي ـ وعلى نحو حتمي ـ هذه النتيجة/ انتصار الأصوليات، بل ويقتضي الاستسلام لها. بينما الصحيح أن هذا التفاعل وإن كان حقا أنه يصنع نتائجه، فإنه في الحقيقة تفاعل مفتوح على إرادتنا من حيث قدرتنا على الفعل كشركاء عمليين فيه/ في هذا التفاعل، ومن ثم كمساهمين أساسيين في صنع نتائجه، فلسنا مجرد أداة عمياء بيد القدر؛ حتى وإن كان القدر يحيط بخياراتنا، إذ نحن في النهاية نملك خياراتنا الذاتية الواعية في مصارعة تيار النهر بشتى الوسائل، حتى وإن كنا لا نملك التحكم في طبيعة جريان النهر، وفي كل الأحوال، فإن مَن يستسلم لتياره الجارف وأمواجه الهادرة؛ لا يملك إلا قدر الموت غرقا.

اقرأ للكاتب أيضا: الأنا والآخر في سياق التسامح الليبرالي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.