كوندوليزا رايس والرئيس الأميركي السابق جورج بوش ونائبه ديك تشيني في مركز عمليات الطورائ بعد ساعات من هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية
كوندوليزا رايس والرئيس الأميركي السابق جورج بوش ونائبه ديك تشيني في مركز عمليات الطورائ بعد ساعات من هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية

حسن منيمنة/

سيرة حياة كوندوليزا رايس تستحق التقدير. من بداية لا تخلو من الألم في إحدى الولايات الجنوبية، حيث كانت الإهانة وما يتعداها من نصيب ذوي الأصول الأفريقية، إلى التفوق في دراسات جامعية عليا مع تخصص بأحوال الاتحاد السوفياتي، ثم تولي مسؤوليات عامة هامة كالمستشارة الرئاسية للأمن الوطني ومن بعدها وزيرة الخارجية، لا شك أن كوندوليزا رايس ثابرت وأنجزت وأدّت واجبها قدر مستطاعها، في فترة زمنية ارتبكت فيها السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

إذ بعيدا عن الطروحات الأهوائية والتي تريد لاعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 أن تكون صنيعة مؤامرة داخلية لتبرير سياسة غزو وعدوان على العالم، فإن هذا الحدث الخطير شكّل بالفعل تحولا مفصليا في المدارس المتنافسة لتوجهات السياسة الخارجية في واشنطن، والتي كانت متمثلة في إدارة الرئيس آنذاك جورج دبليو بوش.

وزيرة الخارجية السابقة لم تكن بموقع صياغة "العقائد" ولا تطبيقها

​​فالتوجه الغالب ضمن طاقم الرئيس بوش، والمتمثل يومئذ بكل من نائب الرئيس المخضرم ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، كان ما يعرف بـ "المصلحة الوطنية". وهذا التوجه، إذ لا يسقط المنظومة الدولية من الاعتبار من حيث المبدأ، فإنه يجاهر بتغليب حاجة الولايات المتحدة والقرار الصادر عن حكومتها، وإن تعارض ذلك مع قرارات الهيئات الدولية.

التصور المعلن هنا هو أن المنظومة العالمية قد أوجدت لإدارة العلاقات بين الدول، لا لتصبح حكومة دولية، فالالتزام بتوجيهاتها وقراراتها، بالنسبة للولايات المتحدة، كما للدول الأخرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن بما لديها من حق النقض، هو التزام طوعي وحسب، ولا يجوز البتّة تصور تغليب أوامر خارجية على قرار الحكومة التي اختارها الناخب صاحب السيادة في الولايات المتحدة.

وفي مقابل "الوطنيين"، كان لـ "الواقعيين" كذلك حضور ضمن فريق الرئيس الأسبق بوش، ولا سيما وزير الخارجية في المرحلة الأولى، كولن باول، وكوندوليزا رايس نفسها بصفتها حينذاك مستشارة الأمن الوطني. و "الواقعية" في السياسة الخارجية تنطلق كذلك من تغليب المصالح، ولكن دون افتراض تعارضها مع المنظومة الدولية أو مع القيم المبدئية التي تشهرها الولايات المتحدة وتعتبر أن الالتزام بها هو أساس "الاستثنائية" التي تتميز بها تجربتها، على خلاف معظم الدول الأخرى حيث الاعتبار الأوحد هو للمصالح.

أما التوجه الثالث الحاضر ضمن فريق الرئيس الأسبق يومذاك، فهو ما اصطلح على تسميته بـ "المحافظين الجدد"، أي دعاة الإقدام والتدخل لدفع العالم باتجاه يوافق بين مصالح الولايات المتحدة ومبادئها، ويتوافق وفق قراءتهم مع مصالح الدول المختلفة والعالم أجمع. 

اعتراض هؤلاء التدخليين على التوجهين الوطني والواقعي هو أنهما يقتصران بالرؤية على الأمد القريب ولا يأخذان بعين الاعتبار التبدلات النوعية التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة. 

فالخطر على الأمن الوطني، من وجهة النظر هذه، لا يقتصر على التحديات التي تشكلها الدول الأخرى إذ تتعاظم اقتصاديا وعسكريا، إنما يشمل احتمالات انهيار التوازنات الدقيقة التي يقوم عليها الاستقرار العالمي من خلال الثورات والإرهاب والأعمال الموضعية ذات التأثير المتماوج. فلا يجوز بالتالي أن يقتصر عمل الولايات المتحدة على ردود الأفعال، بل لا بد من قراءة استباقية للاحتمالات والسعي الإقدامي إلى تجنيب الواقع حدوثها إن كانت سلبية، أو تحبيذ وقوعها إن كانت إيجابية.

واقتصر دور هذه القراءة وهذا الفريق على التأثير العرضي، ضمن المساهمة في الحوار الداخلي حول السياسة الخارجية، إلى أن وقعت اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، والتي ظهرت، بالنسبة لأصحاب هذا الطرح وللعديد من الآخرين كأنها تصديق على صحة توجهه.

وإذ كان موضوع العراق في ظل نظام الاستبداد حينها وما لديه من قدرات كامنة على الأذى، مسألة خلافية بين "الوطنيين" و "الواقعيين"، حول جدوى العمل الأحادي أو نجاعة متابعة جهود المؤسسة الدولية لاحتواء خطره، فإن القراءة "التدخلية" في أعقاب اعتداءات أيلول/سبتمبر تطوّرت واكتسبت صدقية غير مسبوقة.

ومضمون هذه القراءة هي أن الولايات المتحدة أضحت بمواجهة عدويين رئيسيين، أحدهما، أي النظام العراقي، قادر على إيلام الولايات المتحدة بما له من قدرات تطوير أسلحة دمار شامل، مع الإقرار بأن تخزينه لها موضع شك، وإن كان غير راغب بالمبادرة بالهجوم لما سوف يستتبع خطوة من هذا النوع من ردة فعل ساحقة، والآخر، أي تنظيم القاعدة، راغب بإنزال الأذى بالولايات المتحدة بأكبر قدر ممكن، كما أظهر من خلال اعتداءات سخّر فيها الطائرات وركابها للقتل والدمار، ولكنه غير قادر إلا على اقتناص الفرص لتحقيق مراده. فالخطر الحقيقي الذي يهدد الولايات المتحدة هو اجتماع قدرة العدو الأول مع رغبة العدو الثاني. وفي حين أن المعلومات حول التواصل بين الجانبين بقيت غير مؤكدة، فإن في انتظار ثبوتها بالدليل القطعي مجازفة لا يجوز السماح بها.

هذه هي القراءة "التدخلية" التي أقنعت "الوطنيين" و"الواقعيين"، ودفعت الجميع نحو المبالغات، من باب التحوّط ولتجاوز اعتراضات دولية جرى تصنيفها على أنها شكلية أو غير مناسبة للمرحلة، وجعلت من غزو العراق أمرا متحققا، بل دفعت الرئيس الأسبق بوش نفسه إلى اعتناق، وإن لوهلة، للرؤية التغييرية العميقة للتوجه التدخلي، فكان الحديث بالتالي عن "الشرق الأوسط الكبير" وفق أسس جديدة وتوجه جديد لواشنطن يسعى إلى مراعاة رغبات الشعوب لا الحكومات وحسب.

رايس تتحدث خلال مؤتمر للحزب الجمهوري عام 2012

​​بغضّ النظر عن تقييم جدوى هذا الغزو وهذا التوجه من عدمها، وسلامة المنطق الذي أدّى إليهما من فساده، فإن التعثّر كان عنوان المرحلة التالية، بل سرعان ما تبيّن أن الجهات المروّجة للغزو والداعية للتغيير كانت تسطيحية بل ساذجة في استيعابها للمتغيرات، فجاءت النتائج مغايرة للتوقعات ومفاجئة لأكثر من طرف. البعض ندم على تورّطه وخرج، وأُلقي على البعض الآخر مسؤولية المأزق الحاصل. وانتقلت كوندوليزا رايس، بفعل الفراغ الناتج عن الفوضى ضمن فريق الرئيس، إلى موقع وزيرة الخارجية.

لم تكن رايس من صاغ قرار الغزو، ولا كانت لديها صلاحية قرار التأثير على تضافر الوقائع التي كان يبدو أنها تفوق قدرة واشنطن على ضبط الأوضاع في العراق وما يتعداه. بل يبدو جليا أنها جهدها كان منصبا على إعادة التأطير الاستدراكي الاعتذاري لما هو خارج عن السيطرة بما يحفظ هيبة الولايات المتحدة عامة والرئيس بوش خاصة.

"صقورية" رايس الكلامية تجلّت إبان حرب تموز/يوليو 2006 بين حزب الله وإسرائيل، إذ اتخذت موقفا مساندا لإسرائيل، وتحفظت إزاء أي وقف إطلاق للنار يحفظ لحزب الله، بصفته أداة إيرانية، قدراته في لبنان، وحاولت في تصريحاتها إدراج الألم الناتج عن استمرار الحرب في إطار مخاض ولادة "شرق أوسط جديد".

التقييم الموضوعي لرايس ومواقفها لا بد أن يلحظ فيه الضعف والتراجع للزخم الذي دفع الولايات المتحدة إلى غزو العراق. واشنطن، على أي حال، لم تقدم البتّة على ما من شأنه تحويل الصقورية الكلامية إلى واقع على الأرض، بل سايرت مطالب حلفائها وشركائها في الغرب والمنطقة العربية ودفعت الحكومة الإسرائيلية، المترددة بدورها، إلى القبول باتفاق يناقض ما كانت هذه وتلك قد أصرّت عليه كلاميا قبل فترة وجيزة من إنزال الهزيمة بحزب الله.

القراءة "التدخلية" أقنعت "الوطنيين" و"الواقعيين"، ودفعت الجميع نحو المبالغات

​​أن يكون التنفيس الفعلي مصير خطابيات رايس شبه المرتجلة لم يقف بوجه أن ترتقي هذه الأقوال، من خلال الانتقائية المفيدة في أدبيات خصوم الولايات المتحدة، إلى صيغة "عقيدة الشرق الأوسط الجديد" و "مبدأ رايس للفوضى الخلاقة". ليس جليا ما إذا كانت قد تفوّهت رايس نفسها بعبارة "الفوضى الخلاقة"، أم أنها نسبت إليها من جانب معلّقين، على أساس التماهي بين هذه العبارة ومضمون كلامها. ما هو مؤكد أن وزيرة الخارجية السابقة لم تكن بموقع صياغة "العقائد" ولا تطبيقها، بل دورها اقتصر وحسب على حماية رئيسها، وإن بقدر من الاستعلاء والصقورية الجوفاء، من الحرائق التي أشعلها معاونوه السابقون من حيث يدرون أو لا يدرون.

سرعان ما انحدر الخطاب السياسي المعادي للولايات المتحدة إلى الاعتداءات اللفظية القبيحة على رايس، لكونها امرأة ولكونها "سوداء"، انطلاقا من القاعدة المستتبة فيه والقائلة إن المتهم مهدور الكرامة وإن سيل القباحات، ما يكشف وحسب عن الأمراض الخبيثة في نفسية القائل، يمسي مباحا للتعبير عن الغضب.

إلا أن الميراث الحقيقي للحظة الصقورية الكلامية الدفاعية التي وقفتها كوندوليزا رايس هو إثراء الشطح في أدبيات السياسة العربية بمصطلح "الفوضى الخلّاقة" والمكرّر إلى حد التخمة، لاتهام الولايات المتحدة، بالصيغة التأحيدية للإدارات المتعاقبة رغم عمق الاختلاف بينها، بأنها وراء كل فوضى في المنطقة، وكأن عوامل الفوضى والرغبة ببثّها غائبة عن المنطقة بالأساس، وكأن الولايات المتحدة هذه محققّة لمشيئتها وفق قاعدة "كن فيكون".

اقرأ للكاتب أيضا: 

قرائن 'المؤامرة' في الخطاب السياسي العربي (3): 'المحافظون الجدد'

قرائن المؤامرة في الخطاب السياسي العربي (2): 'المجمع العسكري الصناعي'

قرائن 'المؤامرة' في الخطاب السياسي العربي (1): 'خارطة برنارد لويس'

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟