كوندوليزا رايس والرئيس الأميركي السابق جورج بوش ونائبه ديك تشيني في مركز عمليات الطورائ بعد ساعات من هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية
كوندوليزا رايس والرئيس الأميركي السابق جورج بوش ونائبه ديك تشيني في مركز عمليات الطورائ بعد ساعات من هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية

حسن منيمنة/

سيرة حياة كوندوليزا رايس تستحق التقدير. من بداية لا تخلو من الألم في إحدى الولايات الجنوبية، حيث كانت الإهانة وما يتعداها من نصيب ذوي الأصول الأفريقية، إلى التفوق في دراسات جامعية عليا مع تخصص بأحوال الاتحاد السوفياتي، ثم تولي مسؤوليات عامة هامة كالمستشارة الرئاسية للأمن الوطني ومن بعدها وزيرة الخارجية، لا شك أن كوندوليزا رايس ثابرت وأنجزت وأدّت واجبها قدر مستطاعها، في فترة زمنية ارتبكت فيها السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

إذ بعيدا عن الطروحات الأهوائية والتي تريد لاعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 أن تكون صنيعة مؤامرة داخلية لتبرير سياسة غزو وعدوان على العالم، فإن هذا الحدث الخطير شكّل بالفعل تحولا مفصليا في المدارس المتنافسة لتوجهات السياسة الخارجية في واشنطن، والتي كانت متمثلة في إدارة الرئيس آنذاك جورج دبليو بوش.

وزيرة الخارجية السابقة لم تكن بموقع صياغة "العقائد" ولا تطبيقها

​​فالتوجه الغالب ضمن طاقم الرئيس بوش، والمتمثل يومئذ بكل من نائب الرئيس المخضرم ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، كان ما يعرف بـ "المصلحة الوطنية". وهذا التوجه، إذ لا يسقط المنظومة الدولية من الاعتبار من حيث المبدأ، فإنه يجاهر بتغليب حاجة الولايات المتحدة والقرار الصادر عن حكومتها، وإن تعارض ذلك مع قرارات الهيئات الدولية.

التصور المعلن هنا هو أن المنظومة العالمية قد أوجدت لإدارة العلاقات بين الدول، لا لتصبح حكومة دولية، فالالتزام بتوجيهاتها وقراراتها، بالنسبة للولايات المتحدة، كما للدول الأخرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن بما لديها من حق النقض، هو التزام طوعي وحسب، ولا يجوز البتّة تصور تغليب أوامر خارجية على قرار الحكومة التي اختارها الناخب صاحب السيادة في الولايات المتحدة.

وفي مقابل "الوطنيين"، كان لـ "الواقعيين" كذلك حضور ضمن فريق الرئيس الأسبق بوش، ولا سيما وزير الخارجية في المرحلة الأولى، كولن باول، وكوندوليزا رايس نفسها بصفتها حينذاك مستشارة الأمن الوطني. و "الواقعية" في السياسة الخارجية تنطلق كذلك من تغليب المصالح، ولكن دون افتراض تعارضها مع المنظومة الدولية أو مع القيم المبدئية التي تشهرها الولايات المتحدة وتعتبر أن الالتزام بها هو أساس "الاستثنائية" التي تتميز بها تجربتها، على خلاف معظم الدول الأخرى حيث الاعتبار الأوحد هو للمصالح.

أما التوجه الثالث الحاضر ضمن فريق الرئيس الأسبق يومذاك، فهو ما اصطلح على تسميته بـ "المحافظين الجدد"، أي دعاة الإقدام والتدخل لدفع العالم باتجاه يوافق بين مصالح الولايات المتحدة ومبادئها، ويتوافق وفق قراءتهم مع مصالح الدول المختلفة والعالم أجمع. 

اعتراض هؤلاء التدخليين على التوجهين الوطني والواقعي هو أنهما يقتصران بالرؤية على الأمد القريب ولا يأخذان بعين الاعتبار التبدلات النوعية التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة. 

فالخطر على الأمن الوطني، من وجهة النظر هذه، لا يقتصر على التحديات التي تشكلها الدول الأخرى إذ تتعاظم اقتصاديا وعسكريا، إنما يشمل احتمالات انهيار التوازنات الدقيقة التي يقوم عليها الاستقرار العالمي من خلال الثورات والإرهاب والأعمال الموضعية ذات التأثير المتماوج. فلا يجوز بالتالي أن يقتصر عمل الولايات المتحدة على ردود الأفعال، بل لا بد من قراءة استباقية للاحتمالات والسعي الإقدامي إلى تجنيب الواقع حدوثها إن كانت سلبية، أو تحبيذ وقوعها إن كانت إيجابية.

واقتصر دور هذه القراءة وهذا الفريق على التأثير العرضي، ضمن المساهمة في الحوار الداخلي حول السياسة الخارجية، إلى أن وقعت اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، والتي ظهرت، بالنسبة لأصحاب هذا الطرح وللعديد من الآخرين كأنها تصديق على صحة توجهه.

وإذ كان موضوع العراق في ظل نظام الاستبداد حينها وما لديه من قدرات كامنة على الأذى، مسألة خلافية بين "الوطنيين" و "الواقعيين"، حول جدوى العمل الأحادي أو نجاعة متابعة جهود المؤسسة الدولية لاحتواء خطره، فإن القراءة "التدخلية" في أعقاب اعتداءات أيلول/سبتمبر تطوّرت واكتسبت صدقية غير مسبوقة.

ومضمون هذه القراءة هي أن الولايات المتحدة أضحت بمواجهة عدويين رئيسيين، أحدهما، أي النظام العراقي، قادر على إيلام الولايات المتحدة بما له من قدرات تطوير أسلحة دمار شامل، مع الإقرار بأن تخزينه لها موضع شك، وإن كان غير راغب بالمبادرة بالهجوم لما سوف يستتبع خطوة من هذا النوع من ردة فعل ساحقة، والآخر، أي تنظيم القاعدة، راغب بإنزال الأذى بالولايات المتحدة بأكبر قدر ممكن، كما أظهر من خلال اعتداءات سخّر فيها الطائرات وركابها للقتل والدمار، ولكنه غير قادر إلا على اقتناص الفرص لتحقيق مراده. فالخطر الحقيقي الذي يهدد الولايات المتحدة هو اجتماع قدرة العدو الأول مع رغبة العدو الثاني. وفي حين أن المعلومات حول التواصل بين الجانبين بقيت غير مؤكدة، فإن في انتظار ثبوتها بالدليل القطعي مجازفة لا يجوز السماح بها.

هذه هي القراءة "التدخلية" التي أقنعت "الوطنيين" و"الواقعيين"، ودفعت الجميع نحو المبالغات، من باب التحوّط ولتجاوز اعتراضات دولية جرى تصنيفها على أنها شكلية أو غير مناسبة للمرحلة، وجعلت من غزو العراق أمرا متحققا، بل دفعت الرئيس الأسبق بوش نفسه إلى اعتناق، وإن لوهلة، للرؤية التغييرية العميقة للتوجه التدخلي، فكان الحديث بالتالي عن "الشرق الأوسط الكبير" وفق أسس جديدة وتوجه جديد لواشنطن يسعى إلى مراعاة رغبات الشعوب لا الحكومات وحسب.

رايس تتحدث خلال مؤتمر للحزب الجمهوري عام 2012

​​بغضّ النظر عن تقييم جدوى هذا الغزو وهذا التوجه من عدمها، وسلامة المنطق الذي أدّى إليهما من فساده، فإن التعثّر كان عنوان المرحلة التالية، بل سرعان ما تبيّن أن الجهات المروّجة للغزو والداعية للتغيير كانت تسطيحية بل ساذجة في استيعابها للمتغيرات، فجاءت النتائج مغايرة للتوقعات ومفاجئة لأكثر من طرف. البعض ندم على تورّطه وخرج، وأُلقي على البعض الآخر مسؤولية المأزق الحاصل. وانتقلت كوندوليزا رايس، بفعل الفراغ الناتج عن الفوضى ضمن فريق الرئيس، إلى موقع وزيرة الخارجية.

لم تكن رايس من صاغ قرار الغزو، ولا كانت لديها صلاحية قرار التأثير على تضافر الوقائع التي كان يبدو أنها تفوق قدرة واشنطن على ضبط الأوضاع في العراق وما يتعداه. بل يبدو جليا أنها جهدها كان منصبا على إعادة التأطير الاستدراكي الاعتذاري لما هو خارج عن السيطرة بما يحفظ هيبة الولايات المتحدة عامة والرئيس بوش خاصة.

"صقورية" رايس الكلامية تجلّت إبان حرب تموز/يوليو 2006 بين حزب الله وإسرائيل، إذ اتخذت موقفا مساندا لإسرائيل، وتحفظت إزاء أي وقف إطلاق للنار يحفظ لحزب الله، بصفته أداة إيرانية، قدراته في لبنان، وحاولت في تصريحاتها إدراج الألم الناتج عن استمرار الحرب في إطار مخاض ولادة "شرق أوسط جديد".

التقييم الموضوعي لرايس ومواقفها لا بد أن يلحظ فيه الضعف والتراجع للزخم الذي دفع الولايات المتحدة إلى غزو العراق. واشنطن، على أي حال، لم تقدم البتّة على ما من شأنه تحويل الصقورية الكلامية إلى واقع على الأرض، بل سايرت مطالب حلفائها وشركائها في الغرب والمنطقة العربية ودفعت الحكومة الإسرائيلية، المترددة بدورها، إلى القبول باتفاق يناقض ما كانت هذه وتلك قد أصرّت عليه كلاميا قبل فترة وجيزة من إنزال الهزيمة بحزب الله.

القراءة "التدخلية" أقنعت "الوطنيين" و"الواقعيين"، ودفعت الجميع نحو المبالغات

​​أن يكون التنفيس الفعلي مصير خطابيات رايس شبه المرتجلة لم يقف بوجه أن ترتقي هذه الأقوال، من خلال الانتقائية المفيدة في أدبيات خصوم الولايات المتحدة، إلى صيغة "عقيدة الشرق الأوسط الجديد" و "مبدأ رايس للفوضى الخلاقة". ليس جليا ما إذا كانت قد تفوّهت رايس نفسها بعبارة "الفوضى الخلاقة"، أم أنها نسبت إليها من جانب معلّقين، على أساس التماهي بين هذه العبارة ومضمون كلامها. ما هو مؤكد أن وزيرة الخارجية السابقة لم تكن بموقع صياغة "العقائد" ولا تطبيقها، بل دورها اقتصر وحسب على حماية رئيسها، وإن بقدر من الاستعلاء والصقورية الجوفاء، من الحرائق التي أشعلها معاونوه السابقون من حيث يدرون أو لا يدرون.

سرعان ما انحدر الخطاب السياسي المعادي للولايات المتحدة إلى الاعتداءات اللفظية القبيحة على رايس، لكونها امرأة ولكونها "سوداء"، انطلاقا من القاعدة المستتبة فيه والقائلة إن المتهم مهدور الكرامة وإن سيل القباحات، ما يكشف وحسب عن الأمراض الخبيثة في نفسية القائل، يمسي مباحا للتعبير عن الغضب.

إلا أن الميراث الحقيقي للحظة الصقورية الكلامية الدفاعية التي وقفتها كوندوليزا رايس هو إثراء الشطح في أدبيات السياسة العربية بمصطلح "الفوضى الخلّاقة" والمكرّر إلى حد التخمة، لاتهام الولايات المتحدة، بالصيغة التأحيدية للإدارات المتعاقبة رغم عمق الاختلاف بينها، بأنها وراء كل فوضى في المنطقة، وكأن عوامل الفوضى والرغبة ببثّها غائبة عن المنطقة بالأساس، وكأن الولايات المتحدة هذه محققّة لمشيئتها وفق قاعدة "كن فيكون".

اقرأ للكاتب أيضا: 

قرائن 'المؤامرة' في الخطاب السياسي العربي (3): 'المحافظون الجدد'

قرائن المؤامرة في الخطاب السياسي العربي (2): 'المجمع العسكري الصناعي'

قرائن 'المؤامرة' في الخطاب السياسي العربي (1): 'خارطة برنارد لويس'

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.