سياح في ساحة المدينة القديمة في براغ
سياح في ساحة المدينة القديمة في براغ

نضال منصور/

حين تسافر، فأنت تغادر وطنك جغرافيا، غير أنه يأبى أن يغادرك. يبقى حاضرا يطاردك بالأسئلة، والتفاصيل، والمقاربات الشقية المتعبة. كلما مررت بعاصمة جميلة، أو أذهلك معمار مدينة قديمة، أو ركبت قطارا بين مدينتين غادر بوقته ووصل بموعده، سألت نفسك بألم الموجوع: لماذا لا نجد كل ذلك في أوطاننا؟ لماذا تتقدم أكثر شعوب العالم عن واقع العالم العربي؟

توجعني المقاربات. لماذا حظنا عاثر في العالم العربي، وندفع كل يوم ضريبة الحياة، لا يزورنا الفرح كثيرا، وعواصم الدنيا لا تبكي مثلما نبكي؟

لماذا يحدث ما يحدث معنا، ونحن وطن الحضارات من السومرية، والآشورية، والفينيقية، والبابلية، والفرعونية، وموطن أول لغة في التاريخ، ومهد الديانات والأنبياء، ورغم كل هذا التاريخ التليد فنحن لا نصنع الحاضر ولا نعرف عنوانا للمستقبل؟

الفرق بيننا وبينهم أنهم يتعلمون من تجاربهم ومعاناتهم فلا تتكرر الملهاة والمأساة

​​قررت أن أغادر عمان في إجازة خاصة بعيدا عن الإعلام وهمومه، وبعيدا عن مآسي العرب التي لا تنتهي، ورمضان الذي تتعطل فيه عجلة الحياة، ولكنني فشلت بامتياز من مغادرة قضبان الوطن، وربما كانت المأساة التي احتاج أن أتخلص منها عاجلا البقاء على تواصل مع السوشيل ميديا، حيث تلتهمك النميمة فتفسد عليك روعة البلدان التي حافظت على تاريخها وبنت حاضرها ومستقبلها.

منذ أكثر من 25 عاما أتردد على العواصم الأوروبية، ولا أعلم إن كانت هذه نعمة أم نقمة، ففي كل الأحوال اللحظة التي تعيشها هناك تكسبك عمرا آخر، واللحظة التي تكون فيها هناك وتستدعي الأسئلة في ذهنك عما فعلوه، وأنجزوه في قرن من الزمان، وما خسرنا في العالم العربي في عقود وليس قرن من الزمان يقطع رهاناتك مع المستقبل، وتدرك أن عمرك أوشك على الأفول والنفاذ.

زرت خلال أقل من أسبوعين أربع عواصم مذهلة، بدأت في بودابست وانتهت في براغ، وما بينهما انتقلت من برشلونة إلى فلورانس.

كل التفاصيل تستوقفك، ولكنك تعجز عن سردها وتذكرها، وربما تسيطر عليك حالة من الذهول، فهم لا يتبرؤون من تاريخهم حتى وإن كان حروبا ومذابح، غير أن تاريخهم الدموي كان حافزا لهم للإصرار على بناء أوطان أكثر أمانا وتسامحا وتصالحا، والأهم صونا لحقوق ناسهم.

بودابست كانت باردة وماطرة، وهناك يملك الناس ساقين للمسير، لا تتعطل الحياة مهما كانت الظروف الجوية، وأنت تمشي مثلهم، كما لا تمشي خلال أشهر في بلدك.

الغريب أن الأمطار تذهب في طريقها، لا تجد مستنقعات في الشوارع، والأرصفة صديقة للمشاة، وما ينطبق على بودابست ينطبق على جميع العواصم التي زرتها وخاصة برشلونة وبراغ.

نحن لا نبارح من إعادة إنتاج هزائمنا

​​لم أتعب من المسير رغم ضعف لياقتي البدنية، شعرت بالأوكسجين يملأ رئتي، ويوقد نشاطا وحياة في أوصالي، تفتحت شهيتي للطعام أكثر وأكثر.

أحب الأرصفة كثيرا، أحب المطاعم التي تحاذيها، وتسمع أحاديث المارة بجانبك دون حواجز، وتروقني عربات الأطعمة في الشوارع، والمبدعون الذين ينثرون الفرح بالساحات غناء وتمثيلا وسخرية.

أتساءل لماذا الساحات في عواصمنا العربي شاحبة لا تضج بالحياة، لماذا المطاعم تلبس ياقة وبدلة "توكسيدو"، ولماذا يعاقبون من يضع عربة لبيع الذرة والكستناء والبوظة؟

لماذا المدن العربية تتحالف مع الأغنياء ولا تترك مساحة للفقراء الذين يشكلون النسبة الأكبر من سكانها؟

في عمان لا أجد رصيفا أمشي عليه. كل حديقة منسية يلاحقها المقاولون، فيحولونها لجدران وأحجار إسمنتية. تملك أمانة عمان ـ بلدية عمان ـ ساحة تتاخم المدرج الروماني في وسط عمان ومع ذلك فإنها لم تصنع منها أيقونة يزورها الناس، ولو كانت في برشلونة أو براغ لوجدت ملايين الناس تحج إليها. يكفي أن ترى ما فعلوه في شارع "رامبلا" ببرشلونة، أو "الساحة القديمة" في براغ أو جسر "تشارلز" لتعرف أن التاريخ دون عقل الناس وابتكارهم لا يساوي شيئا!

نملك في العالم العربي ثروات مذهلة، وميزانيات بعض العواصم بمئات المليارات من الدولارات، وعند أول سقوط للمطر أو الثلوج تغرق المدن وتُغلق، وتكتشف السلطات أن المقاول الذي نفذ البنية التحتية بالمليارات اكتفى بحفر لتصريف المياه دون شبكة تصريف متصلة، وغُض النظر عن هذه الفضيحة لأن العطاءات باب واسع للفساد.

دول أوروبا الشرقية خرجت من الحكم الشمولي وقطعت أشواطا في التحول الديمقراطي

​​لا تستطيع أن تحصي في أوروبا الساحات التي لا تهدأ، وتصنع للمدينة نكهة مختلفة، ولا عدد المسارح، والمتاحف. الأسهل لاكتشاف المدن هو أن تمضي، على الأقل يوما، في الباص السياحي يتنقل بك في كل الأماكن التاريخية والأثرية والسياحية، والتي لا يمكن بدون زيارتها أن تعرف المدينة، وتشتبك مع إيقاعها ونبضها.

دول أوروبا الشرقية خرجت من الحكم الشمولي والسيطرة السوفياتية بعد عام 1989، لكنها قطعت أشواطا بعيدة في التحول الديمقراطي، ووظفت تاريخها، وإرثها، وطرقها، وجسورها، وأنفاقها، وشبكة مواصلاتها العامة لنهضة جديدة.

الفرق بيننا وبينهم أنهم يتعلمون من تجاربهم ومعاناتهم، فلا تتكرر الملهاة والمأساة على مر الأيام، ونحن لا نبارح من إعادة إنتاج هزائمنا، فالربيع يتحول بعد أعوام لخريف، والديمقراطية تصبح صورة مقنّعة للديكتاتورية، والبرلمان المنتخب هو برلمان بالاسم.

بعد أن عدت من هذه الإجازة تساءلت مع نفسي هل ندفع ثمن خطيئة أهلنا حين قرروا أن يبقوا في هذه البلاد فحمّلونا وزر الشقاء والمعاناة، وبدورنا نقلناه إلى أبنائنا؟

يا الله ما أجمل برشلونة، وما أروع الحياة بها، وسرح ذهني لأسأل ماذا لو بقي العرب "محتلون" للأندلس وغرناطة وإشبيلية، هذه المدن الجميلة، هل كانت ستكون على هذه الصورة أم "خرابات" بائسة كما هي الكثير من آثارنا في البلاد العربية الآن؟

مقتنع أن المدن تملك سر الغواية، فهي إما أن تربطك بعلاقة عشق لا تنفصم مع شوارعها وأزقتها وبحارها وأنهارها، أو أن لا تطيقها وتكرهها منذ اللحظة الأولى،

لماذا يعاقبون من يضع عربة بيع الذرة أو الكستناء أو البوظة في عواصمنا العربية؟

​​والنظرة الأولى، واللهفة الأولى.

المشكلة حين تزور العالم تكتشف أشياء كثيرة تفتقدها في وطنك وتتمنى لو أخذتها معك لتوطنها حيث تكون.

مأساتنا نحن العرب عاطفتنا التي تفتك بنا، فما زلنا نردد بيت الشعر "بلادي وإن جارت عليّ عزيزة"، فالحنين للوطن لحن طاغٍ، يلاحقك شغفا وشوقا وذكريات وأصدقاء وأهل لا نجدهم في مكان آخر.

كم كنت أتمنى أن يتحول حبنا لوطننا لبوصلة وقوة للتغيير حتى لا نظل نلعن هذا الظلم والظلام.

اقرأ للكاتب أيضا: حرية المعتقد حبر على ورق في رمضان

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟