ملصقات في روما تدعو لإنقاذ المواطنة الإيرانية سكينة محمدي أشتياني التي حكمت محكمة إيرانية عام 2006 بإعدامها رجما (أرشيف)
ملصقات في روما تدعو لإنقاذ المواطنة الإيرانية سكينة محمدي أشتياني التي حكمت محكمة إيرانية عام 2006 بإعدامها رجما (أرشيف)

بابكر فيصل/

ناقشت في مقال سابق الحُجج التي يسوقها دعاة تطبيق عقوبة الرجم على الزاني المحصن، وقلت إنه لم يثبت بشكل قاطع أن الشريعة الإسلامية أمرت برجم الزانية أو الزاني محصنا كان أم غير ذلك، وأن عقوبة الرجم غير موجودة في القرآن بل أخذها الفقهاء من الشريعة اليهودية.

وأتناول في السطور التالية التضارب في روايات حديث اعتراف "ماعز بن مالك" أمام الرسول الكريم بارتكابه للزنا، حيث يمثل هذا الحديث، بجانب حديث المرأة الغامدية، أهم الأدلة التي يستخدمها مؤيدو عقوبة الرجم في إثبات دعواهم. وقد وردت معظم روايات الحديث في صحيح مسلم، وكذلك صحيح البخاري وسنن أبي داؤود.

حرمة النفس البشرية تعتبر من أعظم الحرمات

​​روى مسلم الحديث المقصود عن أبي هريرة بعدة أسانيد تفيد أن ماعز جاء إلى الرسول وهو في المسجد وقال له إني زنيت فأعرض عنه النبي وتنحى بوجهه عنه حتى كرر ماعز اعترافه أربع مرات، وكان الرسول في كل مرة يعرض عنه ويتنحى بوجهه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه الرسول وقال له "أبك جنون؟" قال: لا، قال: "فهل أحصنت؟" قال نعم، فقال رسول الله: "اذهبوا به، فارجموه".

كذلك روى مسلم الحديث، قال "سمعت جابر بن سمرة يقول أتى رسول الله برجل قصير أشعث ذي عضلات عليه إزار وقد زنى فرده مرتين ثم أمر به فرجم، فقال رسول الله: كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدكم ينب نبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة إن الله لا يمكن من أحد منهم إلا جعلته نكالا أو نكلته".

وأيضا روى مسلم عن ذات الشخص (جابر بن سمرة) عن النبي نحو حديث ابن جعفر ووافقه شبابة على قوله "فرده مرتين" وفي حديث أبي عامر فرده "مرتين أو ثلاث". وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي سعيد أن النبي رده "مرارا".

يبدو جليا مدى تضارب هذه الروايات واختلافها في عدد المرات التي اعترف فيها ماعز للرسول بارتكابه للزنا، فبعضها يقول إن الرسول اكتفى باعتراف ماعز مرتين ثم أمر برجمه، بينما تقول أخرى إنه انتظر حتى يكرر اعترافه ثلاث مرات، وفي رواية أخرى أربع مرات، حتى إذا ما وصلنا للرواية الأخيرة لم نعد نعرف على وجه الدقة كم مرة رد الرسول ماعز قبل أن يرجمه ذلك لأنها تقول "مرارا!".

ومن ناحية أخرى فإن مسلم روى نفس الحديث عن ابن عباس بصورة مختلفة تماما، حيث يبادر الرسول ماعزا بالسؤال: "أحق ما بلغني عنك؟" قال ماعز: وما بلغك عني؟ قال: "بلغني أنك وقعت بجارية بني فلان" قال: نعم. قال: فشهد أربع شهادات. ثم أمر به، فرجم.

وأيضا روى مسلم الحديث عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن ماعزا جاء إلى النبي فقال: طهرِّني، فقال له الرسول: "ويحك، أرجع، فاستغفر الله، وتب إليه"، فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله طهرني، فقال له الرسول العبارة نفسها، وتكرر ذلك للمرة الثالثة، حتى إذا كانت الرابعة قال له الرسول: "فيم أطهرك؟"، قال: من الزنى، فسأل رسول الله: "أبه جنون؟" فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: "أشرب خمرا؟" فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر. فقال رسول الله: "أزنيت؟" قال: نعم. فأمر به، فرُجم.

أما البخاري فقد روى الحديث عن أبي هريرة قال "أتى رسول الله رجل من الناس وهو في المسجد فناداه يا رسول الله إني زنيت يريد نفسه فأعرض عنه النبي فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه فجاء لشق وجه النبي الذي أعرض عنه فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي فقال أبك جنون قال لا يا رسول الله فقال أحصنت قال نعم يا رسول الله، قال اذهبوا به فارجموه قال ابن شهاب أخبرني من سمع جابرا قال فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدركناه بالحرة فرجمناه".

مرة أخرى نجد أنفسنا بإزاء تضارب بائن في الروايات، حيث يقول بعضها إن ماعزا هو من جاء إلى الرسول واعترف من تلقاء نفسه بارتكاب الزنا بينما لم يكن الرسول على علم بالواقعة حتى أنه اعتقد أن الرجل به مسٌ من الجنون أو أنه غائب عن الوعي بسبب السُكر، بينما الرواية قبل الأخيرة تقول إن الرسول هو من بادر بسؤال الرجل "أحقٌ ما بلغني عنك؟" مما يعني أنه كان على علم بالواقعة وأن أطرافا أخرى أبلغته بها سلفا!

كذلك نلاحظ أن بعض الروايات تقول إن ماعز اعترف بالزنا ابتداء بقوله "إني زنيت"، بينما تورد رواية أخرى أن الرجل لم يصرح للرسول بأنه زنى، بل قال له "طهرني"، فأرجعه الرسول ثلاث مرات ليستغفر دون أن يعلم ما هو الجرم الذي ارتكبه الرجل ويريد التطهر منه، وعندما عاد إليه في المرة الرابعة قال له الرسول "فيم أطهرك"، فقال له أنه زنى.

إضافة إلى ذلك فإنه يُفهم من بعض الروايات أن اعترافات ماعز، برغم التضارب في عددها، قد تمت في جلسة واحدة، حيث كان الرسول يشيح عنه بوجهه فقط بعد كل اعتراف، بيد أن رواية أخرى توحي بأن اعترافات ماعز تمت في عدة جلسات متعاقبة، حيث كان الرسول ينصحه في كل مرة بأن ينصرف ليستغفر ويتوب إلى الله فيذهب الرجل ويعود ليقول له طهرني.

أما الحديث الذي يدعو للاستغراب فقد أورده البخاري عن ابن عباس، قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي قال له لعلك قبَّلت أو غمزت أو نظرت قال لا يا رسول الله، قال: "أنكتها" لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه!

محط الاستغراب هو أن يُنسب إلى الرسول الكريم النطق بهذا اللفظ الفاحش في حين أنه كان بإمكانه أن يُكني عنه بكلمة أخرى تتناسب مع مكانته الشريفة، وبدلا عن رفض هذه الرواية البائنة الضعف إلا أن دعاة تطبيق عقوبة الرجم برروا استخدام هذا اللفظ بقولهم إنه لا توجد كلمة أخرى غيره تحمل ذلك المعنى المحدد الذي قصده الرسول، وبالتالي فإن "الحاجة" هي التي دعت لاستخدامه ولا غضاضة في ذلك لأن الحاجة تبيح استخدام اللفظ وإن كان فاحشا!

ومن ذلك قول ابن تيمية في الفتاوى "إبداء فعل النكاح باللفظ الصريح يسمى فحشاء وتفحشا، فكشف الأعضاء والفعل للبصر ككشف ذلك للسمع. وكل واحد من الكشفين يسمى وصفا كما قال عليه السلام: "لا تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها" ويقال: فلان يصف فلانا وثوب يصف البشرة، ثم إن كل واحد من إظهار ذلك للسمع والبصر يباح للحاجة، بل يستحب إذا لم يحصل المستحب أو الواجب إلا بذلك".

روايات حديث ماعز أنها شديدة الاضطراب وتحتوي على تفاصيل متعارضة

​​ولا نظن أن الحاجة هي التي منعت الرسول عن أن يُكني، ذلك أن هناك كلمات أخرى تُعبِّر عن فعل النكاح ولا تدع مجالا للشك والاحتمال بأن يكون ماعز قد فعله أم لا، ومنها كلمة "الوطء" وكذلك كلمة "الجماع" التي يُعرِّفها الفقهاء بأنها "تحقُّق إيلاج الذكر في فرج الأنثى".

وفي حديث أبو هريرة عن النبي أنه قيل له: أنطأ في الجنة؟، قال: نعم والذي نفسي بيده دحما دحما (أي بدفع شديد)، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا. مما يعني أن مفردة الوطء تحمل نفس معنى الكلمة الفاحشة التي زعم راوي الحديث أن الرسول استخدمها.

يتضح من هذا العرض لروايات حديث ماعز أنها شديدة الاضطراب وتحتوي على تفاصيل متعارضة، ولذا فإنها لا ترقى لأن يؤخذ بها كدليل قاطع على تطبيق عقوبة الرجم، ذلك لأن حرمة النفس البشرية تعتبر من أعظم الحرمات، وأن من أعظم الجرائم أن تقتل تلك النفس بغير حكم أنزله الله تعالى الذي خلقها.

اقرأ للكاتب أيضا: الإخوان المسلمون وفقه الدولة: الريسوني يصادم حسن البنا (2)

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.