الصحيفة التي ولدت قبل حزب الله والتي أنشأت قاعدة قراء وتأثير تتجاوزه طائفيا وجغرافيا تلاشت فور شعور الحزب بعدم الحاجة إليها
الصحيفة التي ولدت قبل حزب الله والتي أنشأت قاعدة قراء وتأثير تتجاوزه طائفيا وجغرافيا تلاشت فور شعور الحزب بعدم الحاجة إليها

حازم الأمين/

قبل نحو عامين التقينا نحن مجموعة صحافيين عرب في متوسط عمرنا المهني، ونعمل في مؤسسات إعلامية عربية (كبيرة)، هي جزء من حال الانقسام الهائل الذي يشطر المنطقة، وقررنا أنه يجب أن تكون لنا مؤسسة إعلامية مستقلة، ليست جزءا من مشهد الانقسام وغير ممولة من أطرافه، وتتقدم هموم المهنة فيها أي همٍ آخر، مع احتفاظ المساهمين فيها، كتابة وقولا وتعبيرا، بحق الاختلاف، ضمن قيمٍ لا يمكن الحياد عنها.

المهمة لم تكن سهلة طبعا، لكننا وجدنا من يتبناها. مؤسسات مانحة أوروبية وغربية أعلنّا أسماءها ونسبة مساهمتها في موازنة المشروع.

الحاجة إلى القصة الصحافية زادت، ومستوى انتشار وتأثير هذه القصة أصبح مضاعفا

​​اليوم وبعد نحو سنة ونصف على إطلاقنا المشروع، وعلى اختبار فكرته الرئيسية المتمثلة بإنتاج قصة صحافية مكتملة العناصر وتسعى للتخفف من أثقال التمويل السياسي والطائفي والقومي الذي ابتليت به معظم مؤسساتنا الإعلامية، صار يسعني البحث في مستوى آخر من مستويات أزمة الإعلام العربي، في ظل تخبطه اليوم في معضلة إفلاس حكومات دول المنطقة التي تتولى تمويله وتوجيهه.

الأزمة هائلة. صحف كبرى أقفلت مثل "الحياة"، وصحف أخرى مثلت مرحلة ولغة وخطابا وحروبا مثل السفير اللبنانية قرر ناشرها أن الوقت حان للمغادرة. وحين تفلس الحكومات تنكمش الأسواق، وما كان يتولاه السوق من حصة في التمويل ينعدم. والسوق هنا ليس خاضعا للعرض والطلب، إنما لنفوذ الدول وأجهزتها الحاكمة. ووسط هذا الانهيار الكبير، لا مكان إطلاقا للقارئ والمشاهد والمتصفح. هذا الأخير عنصر سلبي في حلقة الإعلام العربي. عنصر عديم التأثير ومنقاد بالكامل للجهات التي تقف وراء وسيلة الإعلام، وبالتالي وراء القصة الصحافية الناقصة أو المحرَفة التي تصله.

اليوم ووسط هذا الانهيار الكبير تلوح فرصة لإعادة الاعتبار لمستهلك الإعلام وللقارئ والمشاهد، بصفته "بيضة القبان" في القصة الصحافية. وحين تكاشف صحيفة "الغارديان" البريطانية قراءها بضرورة نجدتها لحماية الحقيقة التي تنقلها إليهم، فهي لا تطلب منهم الكثير. القصة الصحافية التي تقدمها "الغاردين" لقارئها تستحق الاحتضان، وخسائر القارئ في حال لجأت "الغاردين" إلى غيره لكي يتولى حمايتها من الانهيار كبيرة، فهي ستنقاد حكما لرغبة من أبقاها على قيد الحياة.

كيف لنا أن نبحث عن قارئ أو متصفح عربي يدرك أن الحقيقة ليست مجانية، وأن إيران أو السعودية أو قطر إذا ما تولت دفع ثمنها عنه فحينها ستصله القصة الصحافية التي تنسجم مع موقعهم فيها. وثمن الحقيقة التي على القارئ أن يدفعه ليس باهظا على الإطلاق. هو جزء من ثقافة يجب أن نبدأ ببنائها، والمهمة ليست سهلة ولم يسبق أن اختبرتها وسائل إعلامنا.

العالم كله شرع بالتفكير بعلاقة مختلفة بين الوسيلة الإعلامية وبين القارئ والمشاهد والـ"user". علاقة مباشرة ويومية وتفاعلية يشعر طرفاها بمدى تأثيرهما ببعضهما بعضا. القارئ يجب ألا يبقى عنصرا سلبيا في معادلة النشر. هذا ما تسعى إليه وسائل الإعلام في العالم اليوم.

أليس غريبا مثلا ألا تجد صحيفة السفير اللبنانية، والتي مثلت مرحلة وجيلا وخطابا تخطى لبنان، من يقف إلى جانبها لكي تبقى على قيد الحياة. الأرجح أن حزب الله قرر أن يوقف دعمه لها فأقفلت. الصحيفة التي ولدت قبل الحزب والتي أنشأت قاعدة قراء وتأثير تتجاوزه طائفيا وجغرافيا تلاشت فور شعور الحزب بعدم الحاجة إليها. الصحيفة التي كان يتجاوز حضورها حجم خلافنا معها ومع موقعها، تمثل عينة عن سوء التفاهم الكبير في العلاقة مع قارئ لا يشعر بالمسؤولية حيال مشهد انهيارها. الأمر أشد تراجيدية بما يتعلق بصحيفة النهار، ذاك أن من تعانيه الأخيرة يمثل تداعيا لقرن كامل من عمر المهنة في لبنان. أفلس سعد الحريري فأفلست "النهار". أي قدر هذا، وأي بؤس ينتظر المهنة إذا لم يتم تصويبها.

القارئ يجب ألا يبقى عنصرا سلبيا في معادلة النشر

​​الحاجة إلى القصة الصحافية زادت، ومستوى انتشار وتأثير هذه القصة أصبح مضاعفا. القدرة على تفكيك القصة الركيكة وغير الموثقة صار أكبر بفعل تقنيات الـ"فاكت شاكينغ" المتاحة للجميع. إذا الخلل هو في مكان آخر، وهو ليس جديدا، إلا أنه لم يعد ممكنا أن نستمر من دون معالجته. الحكومات ليست الجهة الأمثل لصناعة الإعلام. الصحافة الممولة من السياسة وأهلها ورجالها صارت نكتة مضجرة. الأسواق أيضا ليست جهة صالحة لهذه المهمة، خصوصا أن الحكومات هي من يتحكم باستثماراتها في الاعلام، ناهيك عن أنها في العالم العربي محتكرة من قبل لوبي واحد.

إذا للبقاء على قيد الحياة يجب أن نباشر خطة لبناء علاقة مختلفة مع قارئ ومع مستخدم يشعر بالمسؤولية حيال الحقيقة، وقبل هذا يجب أن نعثر على من يؤمن بأن قصتنا الصحافية غير مشتراة، وأنها لا تخدم سوى معرفته الحقيقة، ولكي نعثر على هذا القارئ يجب أن تكون قصتنا هذه غير مشتراة فعلا.

اقرأ للكاتب أيضا: كلنا عونيون

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.