وزير الداخلية الإسرائيلي (رئيس حزب شاس) أرييه درعي ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو عقب مؤتمر صحافي
وزير الداخلية الإسرائيلي (رئيس حزب شاس) أرييه درعي ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو عقب مؤتمر صحافي

جويس كرم/

فرضت المعطيات السياسية والتحالفات الجديدة في الكنيست الإسرائيلي على رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو العودة إلى صناديق الاقتراع بعد الفشل ليل الأربعاء في تشكيل حكومة ذات لون يميني وبالتالي المضي نحو المجهول وفتح الباب على معارك قضائية لزعيم الليكود.

خطوة الإعلان عن إعادة الانتخابات في إسرائيل هي غير مسبوقة في تاريخ الدولة العبرية، وتعبر عن التحولات السياسية والاجتماعية داخل البلاد والتي فرضت على نتانياهو الرضوخ لخيار إعادة التصويت في انتخابات جديدة في منتصف أيلول/سبتمبر المقبل بعد الفشل في حصد الـ 61 صوتا وهو العدد المطلوب من الأصوات لنيل الثقة لأي حكومة في الكنيست.

الخلافات في صفوف اليمين هي وراء إعادة إجراء الانتخابات

​​أسباب الفشل والإعلان عن انتخابات جديدة معظمها داخلي، ويعبر بالدرجة الأولى عن صراع بين أجنحة اليمين الإسرائيلي التقليدي والمتشدد والأكثر تشددا، إنما تداعياته ستطال التطورات الإقليمية، والأفق ـ الضيق أصلا ـ لـ"صفقة القرن" كما بات تسمى خطة السلام الأميركية التي ينوي جاريد كوشنر الإعلان عنها قريبا، والعلاقة الإسرائيلية ـ الأميركية.

بداية، الخلافات في صفوف اليمين والتضارب بين رؤيته وأولوياته في حكومة جديدة هي وراء إعادة إجراء الانتخابات وفشل التحالف والتالي الدعوة لانتخابات جديدة لأول مرة منذ اعلان الدولة في 1948.

إذ يرى كثيرون أن نتانياهو أراد حكومة يمينية تعطيه الحصانة القانونية في محاكمة قضائية حول الفساد ستبدأ نهاية أيلول/سبتمبر المقبل. الفشل في ذلك يعني حتمية دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي في معركة قضائية مفتوحة ـ حتى ولو فاز نتانياهو في الانتخابات المقبلة ـ ستتحكم بمصيره السياسي كما سبق أن تحكمت بمصير رؤساء وزراء إسرائيليين سابقين بينهم إيهود أولمرت ومناحيم بيغن أو بعائلاتهم مثل محاكمة أومري أرييل شارون.

داخل اليمين الإسرائيلي أيضا هناك شرخ وتجاذبات بين أفيغدور ليبرمان زعيم "إسرائيل بيتنا" والحريديم الأكثر تشددا حول قانون التجنيد الإجباري، ولهذه التجاذبات اليد الطولى في إفشال مفاوضات نتانياهو.

فوضى نتانياهو انتكاسة لتصور واستعدادات إدارة ترامب لإطلاق خطتها لعملية السلام

​​ففي صفقاته مع اليمين المتشدد والحريديم، سعى نتانياهو إلى إعطائهم ضمانات حول استمرار إعفائهم من الخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي لأسباب دينية واجتماعية وظن أن ليبرمان سيمضي بهكذا خطة. حصل العكس، وإذ بليبرمان، اليميني أيضا لكن صاحب التوجه الأكثر علمانية، يبتز الجانبين ويحبط التشكيلة السياسية وبالتالي يفتح الباب أمام معركة قانونية أخرى بين الحريديم والمحاكم الإسرائيلية أيا كان الفائز في إعادة التصويت.

وهنا، يعكس صعود ليبرمان والثقل المتزايد للمهاجرين اليهود من أصل روسي في إسرائيل المتغيرات الكبيرة داخل المجتمع الإسرائيلي، والتحولات في المنافسة السياسية التقليدية التي كانت بين اليسار واليمين وأضحت اليوم بين تيارات اليمين في ظل تراجع حزب العمل واليسار.

أميركيا، فوضى نتانياهو ودخول إسرائيل في مخاض انتخابي جديد هو انتكاسة لتصور واستعدادات إدارة دونالد ترامب لإطلاق خطتها لعملية السلام. فقبل أسابيع من مؤتمر البحرين الاقتصادي الذي يفترض أن تكشف خلال الجوانب الاقتصادية لخطة السلام المتوقعة، ومع وصول جاريد كوشنر إلى إسرائيل اليوم، تفرض الانتخابات الجديدة جدولا زمنيا مختلفا ومستعصيا لفريق ترامب في خطته المزعومة.

لا مفاوضات أميركية ـ إيرانية متوقعة قريبا

​​ففي ظل غياب الشريك الفلسطيني عن طاولة المفاوضات الأميركية، لا يمكن للإدارة الأميركية التحدث عن أي محادثات سلام ولو بغطاء إقليمي من دون لاعب إسرائيلي فاعل. أما انتظار الحكومة الإسرائيلية إلى منتصف الخريف فيعني تقاطعها مع موسم الانتخابات التمهيدية الأميركية والتي يبدأ التصويت فيها بداية العام المقبل، ما قد يعني تأجيل الإعلان عن فحواها السياسي لتفادي دخولها المبارزة بين ترامب والديمقراطيين.

الفوضى الإسرائيلية تعزز أيضا حال الجمود والتشنج الإقليمي. فلا مفاوضات أميركية ـ إيرانية متوقعة قريبا، ولا حلول في الأفق في أزمات سوريا واليمن وليبيا، بل متاريس مرفوعة وقنوات اتصال غير مباشرة من دون أفق سياسي واضح لأي حل.

تعزز الأزمة الداخلية الإسرائيلية هذا الواقع وتقلل من احتمالات الانفراجات أو الانفجارات الكبرى في ملفات لإسرائيل دور فيها طالما نتانياهو منهمك بسياساته الداخلية والبحث عن مخارج سياسية وقضائية في الأشهر الأربعة المقبلة.

اقرأ للكاتبة أيضا: هل هي طبول الحرب بين أميركا وإيران؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.