متظاهران سودانيان يرفعان شارة النصر
متظاهران سودانيان يرفعان شارة النصر

عمران سلمان/

ثمة صراعات عديدة تجري حاليا في المنطقة العربية. وهي كلها واضحة المعالم وملموسة باستثناء صراع واحد، قلما يجري الحديث عنه.

فهناك من جهة صراع بين ما يسمى محور "المقاومة" وما يسمى محور "الاعتدال"، والضجيج الناتج عن اشتباك المحورين، في أكثر من ساحة، يكاد يصم الآذان، ويطغى على ما سواه.

وهناك صراع بين المتدينين وغير المتدينين، حيث المناوشات بين الاتجاهين آخذة في التزايد كما وكيفا. وهناك أيضا الصراع السياسي/المذهبي بين السنة والشيعة، والذي تتراوح أشكاله ما بين العنف المسلح ونبرات التنابذ والسباب والاتهامات المتبادلة.

بين التغيير والمحافظة

لكن ثمة صراع أكبر باعتقادي، قد يشمل كثير من هؤلاء وأولئك، وهو بين من يتطلعون نحو التغيير والحرية والديمقراطية والحداثة والتنمية من جهة، وبين من يسعون نحو الإبقاء على الوضع القديم والنمط التقليدي والمألوف في الحكم وفي العلاقات ما بين المواطنين وأنظمتهم. وبين الفريقين هناك من يحاول أن يركب عجلة التقدم والحداثة ولكنه يرفض أن يدفع أجرة ركوبه هذا.

الأوضاع في المنطقة عموما تسير في اتجاه انضاج الظروف الملائمة للتغيير الإيجابي

​​هذا الصراع عادة لا يجد الاهتمام الكافي ولا يتوقف عنده المحللون. رغم أن الفوضى العارمة التي نشهدها اليوم، هي في جانب منها نتاجا لاحتدام الصراع بين الجديد والقديم والذي يجري بأشكال ومستويات وأنماط مختلفة، وفي ظل محاولات مستميتة لتشويه هذا الصراع وحرفه وخلط جميع الأوراق أمام المواطنين عبر الإعلاء من شأن الاختلافات السياسية والدينية والطائفية والعرقية.

القوى الكبرى، ولا سيما بريطانيا وفرنسا وتاليا الولايات المتحدة وروسيا إلى حد ما، ساهمت (تاريخيا) بصورة من الصور في هذه الفوضى، إما بوقوفها مباشرة مع طرف ضد آخر أو بصورة غير مباشرة عبر جملة من السياسات التي أضفت على الصراع أبعادا إقليمية ودولية، لكن المسؤولية الأساسية تظل من نصيب المنطقة وساكنيها.

اختلاف في الدرجة وليس في النوع

في الجوهر لا يختلف محور "المقاومة" عن محور "الاعتدال"، فكلاهما يسعى إلى الإبقاء على أشكال قديمة من الحكم والعلاقات السياسية، وكلاهما يناصب العداء لقيم التقدم والحداثة، بشكل أو بآخر. الفرق بينهما هو أن كل محور يريد تشكيل المنطقة على نمطه وصورته. لذلك فهما حلفاء من جهة وخصوم من جهة أخرى.

في المقابل فإن قيم التقدم والحداثة هي عابرة للمجتمعات والحكومات، فهناك مؤيدون لها في أوساط الحكومات وفي أوساط المواطنين.

خلال ثورات الربيع العربي، والتي كانت بمثابة تعبير نادر عن توق المواطنين في جميع البلدان العربية تقريبا نحو الحرية والتغيير والحداثة، كان واضحا أن كلا المحورين يسعى إلى تجيير هذه الثورات وإعادتها إلى نفس العناوين القديمة.

فالإخوان المسلمون الذي يمثلون قيم المحافظة تمكنوا من ركوب موجة هذه الثورات واختطاف بعضها. في المقابل تحرك محور "الاعتدال" بدوره، وقام بإزاحة الإخوان والإسلاميين عن الصدارة.

والواقع أن كلا الفريقين لا يختلف عن الآخر سوى في الدرجة. كلاهما لديه نموذج ماضوي أو سلطوي يسعى لتطبيقه، ولكن تحت عناوين ومسميات مختلفة.

وما يساعد هذين الفريقين على النجاح أمران. الأول أن الإرث السلطوي العربي قديم ومتجذر ولديه خبرة طويلة في إدارة المجتمعات العربية وتوجيهها، ولذلك يسهل عليه التعامل مع التحركات الشعبية وإفراغها من محتواها. والأمر الثاني أن أفكار التغيير والحداثة وإن لم تكن حديثة العهد في المنطقة، إلا أنها لم تكن ذات يوم اتجاها قائما بذاته. ورغم أنها شكلت طموحا مستمرا للعديد من الأجيال العربية، فقد كانت على الدوام جزءا ملحقا بالاتجاهات الأخرى، ولم يجر التأسيس لها فكريا ومعرفيا وسياسيا.

التغيير الإيجابي ليس مستعصيا

إن الحداثة النسبية لهذا الاتجاه، وانتشاره أفقيا في المجتمعات العربية تجعل من الصعوبة بمكان تأطيره وبروزه على شكل تيار فكري أو سياسي. وإن كنت لا أشك بأن ذلك سوف يحصل في نهاية المطاف.

والواقع أن النزوع للتغيير أو التطلع للحرية أو نشدان الحداثة، ليست قيما خاصة بفئة أو جيل أو جنسية أو قومية بعينها. هي قيم كونية يشترك فيها جميع البشر. لكن ما لم يتم بلورتها على أسس ملائمة وجعلها واضحة المعالم، فإنه من السهل الحديث عنها لكن من الصعب تطبيقها.

قيم الحرية والحداثة والتنمية والتقدم هي الجديرة بأن تستحوذ على اهتمام وتفكير وجهود أبناء المنطقة

​​ فهناك الكثيرون الذين ينشدون التغيير، ولكنهم يريدونه لمصلحتهم فقط، وهناك من يسعون نحو التقدم، ولكنهم يقصون منه من يعتبرونهم خصومهم الفكريين، وهناك من يتطلع للحداثة ولكنه مشدود إلى الماضي، ويخشى التغيير.. وهكذا.

شخصيا أرى أن الأوضاع في المنطقة عموما، رغم مأساويتها، تسير في اتجاه انضاج الظروف الملائمة للتغيير الإيجابي، وأن الصراعات السياسية والطائفية الناشبة حاليا سوف تكشف مع الوقت عن عبثيتها واتجاهها النكوصي، وأن قيم الحرية والحداثة والتنمية والتقدم هي الجديرة بأن تستحوذ على اهتمام وتفكير وجهود أبناء المنطقة. فالتاريخ لا يمكنه أن يسير إلى الأمام في كل مكان ويستثني المنطقة العربية.

اقرأ للكاتب أيضا: الغرائب تسخر من عقل الإنسان

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.