تقني يشرح طريقة العمل داخل منشأة في أصفهان (أرشيف)
تقني يشرح طريقة العمل داخل منشأة في أصفهان (أرشيف)

سايمون هندرسون/

في 15 أيار/مايو، أي بعد عام واحد من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، ذكرت وكالات الأنباء الإيرانية أن طهران قد توقفت رسميا عن الوفاء ببعض الالتزامات التي تعهدت بها بموجب "خطة العمل الشاملة المشتركة". وتم إبلاغ الأطراف المتبقية في هذه "الخطة" ـ بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والاتحاد الأوروبي ـ بالقرار في الأسبوع الماضي.

ومثل هذه الإعلانات مثيرة للقلق بوجه خاص نظرا للمناطق الرمادية الكثيرة التي تكتنف نص "خطة العمل الشاملة المشتركة"، إذ أنّ الكثير منها يشكّل أرضا خصبة صالحة للاستغلال إذا حاولت إيران المضي قدما في برنامجها النووي والضغط على دول أخرى من دون التسبب بأي إجراءات عقابية.

تحتاج إيران إلى شهور عديدة لإعادة بناء قدرتها السابقة على التخصيب

​​ففي 8 أيار/مايو على سبيل المثال، صرّح الرئيس حسن روحاني بأن إيران تخطط للاحتفاظ بمخزوناتها من اليورانيوم الزائد والماء الثقيل ردا على العقوبات الأميركية المفروضة على شحن هذه المواد ـ وهي خطوة لا تنتهك الصفقة مباشرة ولكنها لا تتماشى مع الالتزام العام للنظام بإرسال هذه العناصر إلى الخارج. وما يبعث بالمزيد من القلق هو أنّ روحاني قد حذّر من أنه ما لم تقم الدول المتبقية في "خطة العمل الشاملة المشتركة" بحماية الاقتصاد الإيراني من العقوبات الأميركية في غضون ستين يوما، فسيتم استئناف تخصيب اليورانيوم على مستوى أعلى.

وتُعتبر "خطة العمل الشاملة المشتركة" وثيقة تقنية للغاية، لذا فإن الاستمرار في مراقبة أهم الأنشطة المحددة التي تحظرها أو تسمح بها قد يكون أمرا صعبا بالنسبة إلى غير الخبراء. لذلك، يهدف القسم التالي إلى أن يكون دليلا للأشخاص العاديين حول المفردات والحجج التي من المحتمل أن تُستخدم لتبرير قرارات إيران النووية أو انتقادها في الأسابيع المقبلة، لا سيّما إذا استمرت التوترات الدبلوماسية في التصاعد.

ما هو مضمون "خطة العمل الشاملة المشتركة" حول الأسلحة النووية؟

وفقا لمقدمة الاتفاقية، "تؤكد إيران من جديد أنها لن تسعى تحت أي ظرف من الظروف إلى الحصول على أي أسلحة نووية أو تطويرها أو شرائها". غير أنّ استمرارية هذا التعهد على الأمد الطويل لطالما كانت خيالا دبلوماسيا، إذ اعتبرت طهران أن الأثر العام الذي تحمله الصفقة كان الحفاظ على مكانتها كقوة نووية ناشئة مع تخفيف العقوبات الاقتصادية.

وفي العام الماضي، أُعيد التأكيد على أن هذا البند عقيم بعد أن استولت إسرائيل على جزء من أرشيف إيران النووي، حيث كشفت تفاصيل هذا الجزء عن محاولات النظام الناجحة على ما يبدو بين عامي 1985 و2003 لتطوير جزء كبير من الخبرة العلمية التقنية اللازمة لإنتاج سلاح نووي.

وما يجعل من الصعب منع هذه الأنشطة هو أن مجموعة المهارات اللازمة لتطوير برنامج نووي سلمي تتداخل إلى حد كبير مع ما هو مطلوب لتطوير برنامج عسكري ينتج الأسلحة النووية. فالقنبلة الذرية تتطلب إما 25 كيلوغراما من اليورانيوم العالي التخصيب أو 8 كيلوغرامات من البلوتونيوم. وعادة ما يتم تصنيع كل من اليورانيوم العالي التخصيب واليورانيوم المنخفض التخصيب باستخدام أجهزة الطرد المركزي، في حين أن البلوتونيوم هو نتاج ثانوي موجود في الوقود النووي المستهلك. (يشار إلى أنّ اليورانيوم العالي التخصيب يحتوي على نسبة لا تقل عن 20 بالمئة من نظير "اليورانيوم-235" الانشطاري، رغم أن القنبلة تحتاج بشكل مثالي إلى 90 بالمئة من هذا النظير؛ ويحتوي اليورانيوم المنخفض التخصيب على أقل من 20 بالمئة من "اليورانيوم-235"، وغالبا ما يُستخدم حوالي 3.5 بالمئة منه كوقود للمفاعل). إنّ أفضل طريقة لإنتاج البلوتونيوم هي وضع اليورانيوم غير المخصَّب في مفاعل يحتوي أيضا على "الماء الثقيل" (ماء غني بأكسيد الديوتيريوم). غير أنه يبدو أن إيران تفضّل تخصيب اليورانيوم لأن إنتاج البلوتونيوم يطرح تحديات تكنولوجية أكبر.

وفي وقت إبرام الاتفاق، قدّر المحللون أن إيران كانت على وشك امتلاك القدرة على إنتاج كمية كافية من اليورانيوم العالي التخصيب لصنع قنبلة واحدة في غضون بضعة أسابيع، والمعروفة باسم "زمن الاختراق". إلا أنّ الاتفاق غيّر هذه الحسابات من خلال الحدّ من كميات اليورانيوم التي يمكن تخصيبها ومستوى التخصيب ونوع أجهزة الطرد المركزي المستخدمة. وأي اجتياز إيراني لتلك الحدود، ولو كان خطابيا، ينبغي أن يشكّل مصدر قلق كبير.

مجموعة المهارات اللازمة لتطوير برنامج نووي سلمي تتداخل إلى حد كبير مع ما هو مطلوب لتطوير برنامج عسكري

​​وتجدر الإشارة إلى أن إحدى القواعد العامة غير السرية تتمثل في أنه بإمكان 5000 جهاز طرد مركزي من الجيل الأول إنتاج كمية كافية من اليورانيوم العالي التخصيب لصنع سلاح نووي واحد في غضون ستة أشهر تقريبا. وعلى الرغم من أنه لا يزال لدى إيران عدد كاف من أجهزة الطرد المركزي، إلا أن هذه الأجهزة ليست مصمّمة حاليا في سلسلة تعاقبية لزيادة التخصيب.

وفي هذا السياق، نذكر أدناه أبرز أحكام "خطة العمل الشاملة المشتركة":

  • يحظَّر على إيران تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز 3.67 في المئة، ويمكنها تخزين أو استخدام 300 كيلوغرام فقط من هذه المواد. ويتضمن هذا الرقم أيضا المواد المركّبة مثل سادس فلوريد اليورانيوم الذي يُعتبر مادة أولية لأجهزة الطرد المركزي عندما يكون في شكله الغازي.
  • إن العدد الأقصى من أجهزة الطرد المركزي التي يحق لإيران استخدامها لتخصيب اليورانيوم هو 5,060جهاز.
  • إن جهاز الطرد المركزي الوحيد الذي يحق لإيران استخدامه في تخصيب اليورانيوم هو الجهاز من الجيل الأول "IR-1"، الذي هو نسخة عن تصميم "P-1" الذي حصل عليه علماء باكستانيون بطريقة غير قانونية من أوروبا.
  • يحق لإيران إجراء بعض أعمال البحث والتطوير على أجهزة الطرد المركزي الأكثر تقدما، ولكن بدرجة محدودة فقط.
  • تم تعديل مفاعل "أراك" الإيراني الخاص بالأبحاث النووية بهدف تقليل ما يصحبه من مخاطر متعلقة بالبلوتونيوم.
  • ستنتهي هذه القيود وغيرها من قيود "خطة العمل الشاملة المشتركة" في وقت ما بين عامي 2025 و2030، حيث أمل المفاوضون الغربيون أساسا أن تتلاشى رغبة إيران في تطوير القدرةٍ على إنتاج أسلحة نووية بحلول ذلك الوقت.

استراتيجية إيران الحالية

بالنظر إلى تصريحات روحاني في 8 أيار/مايو، فقد يعتزم النظام الإيراني إعادة بناء قدرته على صنع سلاح نووي. وفي هذا الإطار، عمل وزير الخارجية محمد جواد ظريف على إذكاء نيران هذه التكهنات يوم 28 نيسان/أبريل عندما قال: "إن خيارات الجمهورية الإسلامية متعددة وسلطات البلاد تنظر فيها... وإن الانسحاب من "معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية" هو واحد منها". وكان يشير إلى "المعاهدة" التي بموجبها توافق الدول التي تملك الأسلحة النووية على تزويد الدول الأخرى بالتكنولوجيا النووية المدنية مقابل التزامها بعدم تطوير هذه الأسلحة. وقد وقّعت إيران على هذه "المعاهدة" قبل ثورة عام 1979.

وفي 14 أيار/مايو، ردد المرشد الأعلى علي خامنئي تصريح روحاني عندما قال: "إن تحقيق التخصيب بنسبة 20 بالمئة هو الجزء الأكثر صعوبة، أما الخطوات التالية فهي أكثر سهولة"، مشيرا إلى درايته المدهشة بالفيزياء النووية، وتذكيره الغرب بشكل أساسي بالسرعة التي يمكن أن تنتج بها إيران المواد المستخدمة لصنع الأسلحة النووية إذا استأنفت التخصيب على نطاق واسع.

وفي الواقع، عند التخصيب بنسبة 20 في المئة، يتم فصل معظم ذرات نظير اليورانيوم الانشطاري "اليورانيوم 235" عن ذرات اليورانيوم الطبيعي "اليورانيوم 238"، كما يبيّن الرسم التوضيحي التالي:

المصدر: معهد واشنطن

​​​المنشآت الرئيسية

مفاعل آراك للأبحاث. كانت هذه المنشأة قادرة على إنتاج البلوتونيوم قبل إبرام "خطة العمل الشاملة المشتركة"، إلا أنها لم تكن ناشطة بعد. وفي 8 أيار/مايو، أعلن "المجلس الأعلى للأمن القومي" أن إيران "ستوقف تنفيذ التدابير المتعلقة بتحديث مفاعل آراك للمياه الثقيلة". ووفقا لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، تمت إزالة الأوعية الداخلية للمفاعل (الـ "كلاندريا") وأصبح غير صالح للعمل.

بوشهر. منشأة لمفاعل الطاقة زودتها روسيا وتقع على ساحل الخليج العربي، غير أن المخاوف الغربية فيما يتعلق بالأنشطة النووية العسكرية لا تشملها، وما زالت تعمل حتى يومنا هذا. كما وتستمر أيضا خطط موسكو لبناء المزيد من مفاعلات الطاقة في هذا الموقع.

فوردو. منشأة الطرد المركزي تم بناؤها بعمق تحت الأرض داخل منطقة جبلية وسط إيران، ما يجعلها محصّنة ضد معظم الهجمات العسكرية. ومع ذلك، تمتلك الولايات المتحدة اليوم قنابل تقليدية قادرة على اختراق الموقع، وقد يكون عرضة للهجمات السيبرانية (في الماضي، عطّل فيروس "ستكسنت" الأميركي ـ الإسرائيلي عمليات الطرد المركزي الإيراني لبعض الوقت). وعلى الرغم من أن أجهزة الطرد المركزي في فوردو تُستخدم حاليا لأغراض غير نووية، إلا أن رئيس "منظمة الطاقة الذرية الإيرانية" علي أكبر صالحي حذّر في كانون الأول/ديسمبر الماضي من أن هذا الوضع قد يتغير: "لدينا حاليا 1044 جهاز طرد مركزي في منشأة فوردو، وإذا أرادت السلطات العليا استئناف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمئة في فوردو، فسنقوم بذلك".

نطنز. هو موقع منشأة الطرد المركزي الرئيسية في إيران، على الرغم من أن ثلث أجهزة الطرد المركزي الأصلية البالغ عددها 19,000 جهاز تعمل هناك. لذلك، إذا أرادت إيران استئناف عملية التخصيب على النطاق الصناعي، فهذا هو الموقع المناسب لذلك. وفي 20 أيار/مايو، صرّح متحدث باسم "منظمة الطاقة الذرية الإيرانية" بأن كمية اليورانيوم التي تنتجها المنشأة بنسبة 3.67 في المئة سوف ترتفع إلى نحو أربعة أضعاف، بما يتجاوز "حد الـ 300 كيلوغرام في المستقبل غير البعيد".

بارشين. تشير الصور والمواد الأخرى التي استولت عليها إسرائيل من هذا الموقع العسكري الذي يقع خارج طهران إلى أن النظام أجرى تجارب هناك لتحديد ما إذا كان سينجح تصميم قنبلة نووية.

مفاعل طهران للأبحاث. تستخدم هذه المنشأة وقود اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة، المستورد حاليا. وقد جادلت إيران في كثير من الأحيان بأنها يجب أن تكون قادرة على إنتاج وقودها المخصب لهذه المنشأة، والذي تقول إنه مهم للبحوث المدنية وإنتاج النظائر الطبية.

بواعث قلق رئيسية لواشنطن

على عكس ما تعلنه من تصريحات، فقد تحتاج إيران إلى شهور عديدة لإعادة بناء قدرتها السابقة على التخصيب. ومع ذلك، يشكّل التخصيب مصدر القلق الأكبر بالنسبة للولايات المتحدة نظرا إلى قدرته على إعادة النظام إلى المسار المؤدي إلى الاختراق السريع.

أما تعليقات طهران حول المياه الثقيلة فربما تكون أقل أهمية. فإعادة معالجة الوقود المستهلك للحصول على البلوتونيوم يشكّل تحد كبير ولا تملك إيران المنشأة المناسبة لذلك.

التحدي الرئيسي بالنسبة لواشنطن هو أن الرسائل النووية الإيرانية غالبا ما تبدو بريئة بشكل معقول

​​إن التقدم الذي أحرزته إيران في تطوير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة ـ التي يمكنها تخصيب اليورانيوم لمستويات أعلى بسرعة أكبر وبكميات أكبر ـ لا يزال منعدما حتى الآن. وتتمثل التحديات التقنية الرئيسية التي تواجه تصميم أجهزة الطرد المركزي في زيادة سرعتها وارتفاعها مع تحاشي وقوع الأعطال. فالتغلب على هذه العقبات يرتبط باستخدام مواد البناء المناسبة (الصلب الخاص أو ألياف الكربون، رهن بالجزء المعني من الماكينة) والقيام بتجارب وأخطاء هندسية هائلة (إلا إذا حصلت إيران على أسرار مسرّبة من شركات أجنبية متخصصة).

ولعلّ التحدي الرئيسي بالنسبة لواشنطن هو أن الرسائل النووية الإيرانية غالبا ما تبدو بريئة بشكل معقول. فالجمهور الأميركي وربما حتى عناصر دوائر صنع السياسات يتمتعون بفهم محدود للقضايا التقنية الكامنة وراء مثل هذه الرسائل. وحتى الآن، يبدو أن طهران تحسب قدرتها على الفوز بالمعركة الكلامية، مما يسمح لها بالإفلات من الأعمال التقنية التي قد تضعها مرة أخرى على عتبة الدول التي تملك أسلحة نووية.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟