جورج جرجس (90 عاما) الملقب بـ"الكابتن" يجلس على أحد الأرصفة في منطقة الدورة شمالي بيروت (أرشيف)
جورج جرجس (90 عاما) الملقب بـ"الكابتن" يجلس على أحد الأرصفة في منطقة الدورة شمالي بيروت (أرشيف)

فارس خشّان/

الخوف يخيّم على اللبنانيين. لا تجد السبب، هذه المرة، لا في إسرائيل أو سوريا أو إيران ولا في إرهاب "داعش" أو في سلاح "حزب الله" أو في تصارع "حقوق" الطوائف، إنما في المال والاقتصاد.

لم يعد أحد يتحدّث عن الواقع السيء. الجميع يقص روايات ليُنبئ بالأسوأ.

الوجوم يسود والقلوب ترتجف والأمل معتقل.

إنه الموت الذي طالما قيل إنه يقتل الحياة بالخوف قبل أن يجيء.

لا أحد يملك جوابا مطمئنا. كل تخمين إيجابي تقابله رواية لاغية.

لبنان يعاني اليوم من عربة يجرها حصانان

​​وأبطال الروايات، في هذ الحالة ليسوا خياليين، بل هم أشخاص حقيقيون. جلّهم من كبار الاقتصاديين والعاملين في القطاع المصرفي وبعضهم من السياسيين وممّن يحيط بهم.

الإجماع على الحتميات السوداء يقابله اختلاف على تشخيص الأسباب وتاليا على اجتراح الحلول.

الغالبية الشعبية تحدّثك عن السرقات المستشرية بوقاحة ووجوب وضع حد لها من خلال زج السارقين في السجن ومصادرة ممتلكاتهم في الداخل وأموالهم في الخارج.

الغالبية الاقتصادية تحدّثك عن بنية الدولة المهترئة، حيث يأكل القطاع العام الكبير والمترهّل عافية الاقتصاد الخاص الذي يملك، إذا حررته الدولة، مؤهلات الانتعاش.

السياسيون ثلاثة أقسام:

القسم الأول، يُعزّز هوى الغالبية الشعبية بأن السرقة هي السبب الأول والأخير وتاليا بالقضاء عليها تعود الأمور إلى أفضل مما كانت عليه.

القسم الثاني، يرى أن الفساد هو السبب. والفساد أوسع بكثير من السرقة، فهو المسؤول عن منع الإصلاح الكبير الذي سبق وأدرجت معاييره، بوضوح كبير، في العام 2002 في الأعمال التحضيرية لمؤتمر باريس ـ 2.

القسم الثالث، وجلّه من المعارضين للواقع السياسي الحال، يرى أن للمشكلة أوجها إدارية كالسرقة، وبنيوية كترهل القطاع العام، ولكن جوهر هذه المشكلة يكمن في البعد السياسي للدولة، على اعتبار أن الاقتصاد يسلك الطريق الذي ترسمه له السياسة.

كيف يفكر هذا القسم الثالث من السياسيين اللبنانيين؟

قبل التسوية الرئاسية التي أنشأت حلفا حاكما من المختلفين والمتصارعين، كان ما نطلق عليه تسمية "القسم الثالث" هو الأكبر في لبنان، ولكن مع التسوية، انكمش وأضحى صوته، مهما حاول أن يرتفع، خافتا، فضجيج التسوية أقوى من كل الأصوات التي تغرد خارج السرب.

ولكن محاولة خنق الصوت لا تلغي المنطق الذي يهدف إلى التعبير عنه.

إن لبنان يعاني اليوم من عربة يجرها حصانان. الأول في مقدمتها والثاني في مؤخرتها. ويحاول السائس التوفيق بين الاتجاهين المتعارضين لهذين الحصانين، وجلّ أمله أن تبقى العربة مكانها، إذا عجز الحصان المتقدّم عن جعل الحصان المتأخر يتحرك في اتجاهه.

إلا أن محاولة هذا السائس خطرة للغاية، إذ أنه، في اللحظة التي يقوى فيها الحصانان عليه، تتحطّم المركبة، كما أنه، وفي أفضل سيناريو، وفي اللحظة التي يقوى فيها الحصان الخلفي على الحصان الأمامي، فإن العربة تتحرك إلى الوراء.

ونقصد بالحصان الأمامي ذاك التوجه المالي والاقتصادي الذي يتواءم مع المجتمع الدولي، فيما نقصد بالحصان الخلفي ذاك التوجه الذي يندمج مع الخيارات التي تمثلها كتلة تتشكل من دول تعاني شعوبها الأمرين مثل إيران وسوريا وما شابههما.

الإجماع على الحتميات السوداء يقابله اختلاف على تشخيص الأسباب 

​​وفي لبنان، يتجسد هذا التياران في الحكم. فهناك، من جهة أولى من يرفع في التفتيش عن الحلول شعار "سيدر"، بما يعني من تناغم مع المجتمع الدولي المتمثل بالدول المانحة، وبما يفترض من مواءمة مع قواعد المال والاقتصاد العالميين، وتحييد الدولة عن صراع المحاور، تحت مسمّى "النأي بالنفس". وهناك من جهة ثانية، من يرفع شعار "الاقتصاد المقاوم" ـ يخفف وطأته حينا بتحويله إلى "المقاومة الاقتصادية" ـ بما يعني أن لبنان يريد إنقاذ نفسه ولكن بما يتلاءم مع التمحور إلى جانب إيران وسوريا.

وفي المعادلة السياسية البارزة حاليا، فإن القوة تجنح في اتجاه رافعي شعار "المقاومة الاقتصادية"، الأمر الذي يعني أن الحصان الخلفي يقوى على الحصان الأمامي.

وهذه المعادلة يدركها اللبنانيون ويخشون منها على مستقبلهم، فـ"اقتصاد المقاومة" يعني وضع بلادهم في مصاف الدول التي يخفي فيها صراخ التحدّي أنين البطون.

اقرأ للكاتب أيضا: انجح ثم انصح! (قصة قصيرة)

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.