تظاهرة تدعو لحياد العراق
تظاهرة تدعو لحياد العراق

مشرق عباس/

في العراق كما في إيران، ثمة لبس وغموض وتضارب في الرؤى حول طبيعة علاقة الصداقة التي يجب أن تجمع البلدين على مستوى استراتيجي طويل الأمد بعد عقود وربما قرون من العداء وتضارب المصالح والغريمية التي لم تنتج الكثير للشعبين.

ولأن الالتزام بعلاقة صداقة مع دولة جارة ليس خيارا شكليا للعراق، فإن ضرورة تأطير هذه العلاقة يحوز إجماعا عراقيا نادرا، والخلاف الوحيد داخليا يطرح حول مستوى الصداقة إذا ما هي بين بلدين مستقلين متكافئين على غرار علاقات إيران مع تركيا وباكستان والهند، ودول بحر قزوين، أم بشكل العلاقة الأمومية التي تجمعها اليوم مع سوريا وأفغانستان وحزب الله اللبناني والحوثيين اليمنيين وغيرهم.

إيران لم تضمن النفوذ الذي كانت تأمله في العراق

​​مؤخرا، فرق الرئيس الإيراني حسن روحاني، في خطاب له، بين مصطلحي "النفوذ" و"الامتداد الجيوسياسي" ورأى أن إيران موجودة طبيعيا واستراتيجيا وتاريخيا في امتداد من البحر المتوسط إلى الحدود الصينية. وهذه المقاربة تكاد تكون متطابقة مع مفهوم "العمق الاستراتيجي" التركي الذي أطره نظريا وزير الخارجية السابق أحمد داوود أوغلو، وعززه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتحقيق الاستدارة من الشمال الأوروبي إلى الجنوب والشرق الإسلامي والعربي باعتبارهما يمثلان الامتداد "الجيوسياسي" الطبيعي لتركيا.

لكن كل هذا التنظير حول العمق الاستراتيجي الإيراني والتركي، يهمل الإشارة إلى طبيعة العلاقة التي يراد أن ترتبط بهما الدولتان مع دول العمق التي تشكل الجغرافيا العراقية ـ السورية مدخلين حاسمين لها.

ومع الأخذ في الحسبان أن القوة الناعمة كانت الخيار التركي في العراق، فإن التداخل العنيف كان الخيار الإيراني الواضح، وهو التداخل الذي يحاول الجميع، وربما الإيرانيون أنفسهم، فك رموزه وتأشير حدوده وغاياته ونهاياته، من دون جدوى.

كانت الحكمة للسنوات الماضية تستدعي من إيران وهي الطرف الأقوى في ميزان القوى مع العراق، أن تسعى إلى إبرام معاهدات واتفاقات ذات بعد استراتيجي مع جارها الغربي، وأن تسمح هذه المعاهدات بنمو طبيعي للدولة في العراق بما يضمن لها تنفيذ التزاماتها. فالضعيف والتابع والمنكسر والمفكك، لا يمكنه ضمان التزاماته تجاه أصدقائه، وربما لم تسع إيران إلى مثل هذه المعاهدات لأنها لم تكن تنتظر من العراق التزامات!

وهذا الخطأ الجوهري الذي ارتكبته إيران، مرده تلك الجاذبية التي تمنحها مراكز النفوذ والتبعيات الحزبية الخارجية لأي حاكم، خصوصا عندما يكون العسكر لا الدبلوماسيون هم من يمتلك سلطة القرار الفعلية.

ونقول إنه خطأ ايراني استراتيجي، لأن إيران لم تضمن النفوذ الذي كانت تأمله في العراق، إلا على مستويات محدودة من صانعي القرار وأصحاب القوة المسلحة الذين يتم تصنيفهم كأصدقاء لإيران، لكنهم يواجهون رفضا داخليا كاسحا لا يستطيعون إنكاره، ولا تتجاوز محاولاتهم نصرة إيران في صراعها الإقليمي سوى التسبب بالمزيد من توريطها في هذا الصراع، وهو ما بات الدبلوماسيون الإيرانيون مثل وزير الخارجية محمد جواد ظريف يستشعرون بخطره في حواراتهم العراقية، فالعراق أصبح عبئا، بعد أن فقد قدرته في الأزمة الحالية مع أميركا أن يكون حليفا أو عدوا!

وبالإشارة إلى الموقف العراقي من الأزمة، وانغماس السياسيين العراقيين في محاولات طفولية لإثبات قدرتهم التي لا تقنع أحدا على خوض وساطة بين طهران وواشنطن، فإن إيران كان بإمكانها لو أرادت خلال السنوات الماضية أن تكسب صديقا قويا ومؤثرا في توازنات القوى الإقليمية والدولية، بديلا من صديق مفكك ومرتبك وغير قادر على اتخاذ القرار، بل إن ضبط سلوك مجموعاته المسلحة وصراعات سياسييه بات "عبئا" مضافا.

الخطأ الجوهري الذي ارتكبته إيران، مرده تلك الجاذبية التي تمنحها مراكز النفوذ والتبعيات الحزبية الخارجية لأي حاكم

​​أي صديق تحتاج إيران؟ هذا السؤال الذي يفشل السياسيون العراقيون مرارا في الإجابة عنه، تماما كما فشلوا في الإجابة عن أسئلة أخرى كثيرة حول تفكيك وتمزيق الدولة، وهدر أموالها وإمكاناتها، وتفجير الصراعات الطائفية والعرقية فيها، بدلا من محاولة إقناع الجيران والأصدقاء معا بأن استعادة الدولة هو خيارهم الاستراتيجي المثمر.

لكنه سؤال على أصحاب القرار الإيرانيين الإجابة عنه أيضا، ويجب أن تضع الإجابة موازين القوى الحالية ودور العراق الغائب فيها في الحسبان؛ فلو أن العراق استثمر بمساعدة إيرانية إمكانات الغاز فيه طوال 16 عاما بديلا عن استيراد الغاز الايراني، لكان ذلك خيارا إيرانيا ناجحا. ولو انصبت المساعدة الإيرانية انصبت على زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية بدلا من استيراد الكهرباء من إيران، لكان خيارا ناجحا أيضا، وكذا الحال لو سُمح للعراق بإكمال ميناء الفاو الاستراتيجي قبل عشر سنوات من اليوم، ولو كان بإمكانه تحقيق التوازن والانفتاح في علاقاته الاقتصادية والسياسية، ولو حوصر المطلوبين وهادمي الدولة داخل حدوده ولم يجدوا ملاذا آمنا لدى الجيران، ولو انصب التعاون التجاري والاقتصادي على الاستثمار العادل والنزيه والمتوازن بديلا عن المشاريع الوهمية أو التفضيلية لصالح أصدقاء عراقيين ولبنانيين فاسدين، لكان بإمكاننا اليوم الحديث عن دور إيجابي مثمر يقوم به العراق لصالح صديقه الإيراني!

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا لو فعلها أحدهم؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟