ملصق مسلسل "الكاتب"
ملصق مسلسل "الكاتب" | Source: Courtesy Photo

كوليت بهنا/

لم يمر الموسم الدرامي العربي لرمضان هذا العام على خير؛ مثل كل موسم يقفل أبوابه على عدد من المشاكل بين أجهزة الرقابة العربية وشركات الإنتاج أو بين الممثلين والجمهور، وعدد كبير من الدعاوى القضائية المتعلقة باتهامات بالسرقة من نصوص لكتّاب آخرين أو اقتباسات عن نصوص أدبية أو أفلام ومسلسلات عالمية، وتشمل هذه المشاكل والدعاوى عددا من الأعمال الدرامية الخليجية والمصرية واللبنانية، وهي أعمال برزت في هذا الموسم أكثر من غيرها، وحققت شهرة ومشاهدة جماهيرية جيدة، ضمن منافسة حادة يمكن وصفها بأنها كانت الأعلى لهذا العام.

من بين هذه الأعمال الدرامية المدَّعى عليها بالسرقة المسلسل الذي يحمل عنوان "الكاتب"، من إنتاج لبناني، ورؤية وكتابة الكاتبة السورية ريم حنا، وإخراج المخرج السوري رامي حنا، وبطولة السوري باسل خياط واللبنانية دانييلا رحمة، ومشاركة عدد كبير من ألمع نجوم الدراما اللبنانية. هو مسلسل اجتماعي ـ بوليسي اختارته الشبكة العالمية (NETFLIX) للعرض في شهر رمضان لتمتعه بالمعايير والمواصفات الفنية العالمية التي تناسب شروط العرض ضمن الشبكة.

"الكاتب"، حكاية درامية كثيرة التشعب والأهداف

​​ومن أبرز الشروط، نوعية الفكرة والتكنيك الفني المستخدم لمعالجة السيناريو، والرؤية الإخراجية التي تجمع بين إدارة الممثل والبيئة اللونية المتناسبة مع طبيعة المشهدية العامة للنص وشخصياته، مضافا إليها نوعية موسيقى العمل وشارتي البداية والنهاية التي تتناسب مع عناصر الغموض والتشويق والإثارة والمتعة المطلوبة في الأعمال ذات النمط البوليسي، وهي مواصفات وعناصر وظفها العمل توظيفا متفوقا وحقق التوازن الدقيق بينها.

ويمكن وصف اختيار هذا العمل من قبل الشبكة العالمية بالاختيار المحترف، ويمكن تقييم دراما "الكاتب" بأنها حققت نقلة نوعية للدراما العربية نحو العالمية، فيما يبدو اتهام هذا العمل بالسرقة من نص درامي آخر، بعد متابعة الأسلوبية التي عولج بها، وبعد قراءة الاتهامات الموجهة إليه، اتهاما يحمل بعض التسرع، بسبب تقاطع فكرته العامة مع عدد كبير من النصوص الأدبية والأعمال الدرامية العربية والعالمية، وبسبب الخبرة الطويلة والناجحة والبعد الأخلاقي المعروف والمشهود له لصنّاع العمل الرئيسيين.

يحكي مسلسل "الكاتب" عن مؤلف قصص بوليسية يتهم في بداية العمل بجريمة قتل غامضة لممثلة شابة، وتبادر إحدى المحاميات بالتطوع للدفاع عنه وتقع في غرامه، وضمن هذا الموجز للفكرة العامة، يفتح السيناريو قصصا وخيوطا درامية كثيرة ومتشابكة تكشف زيف وفساد بعض النافذين في عالم المال وتأثير صلاتهم العنكبوتية مع باقي عوالم المجتمع الاقتصادية والإعلامية والصحية والتعليمية والفنية والثقافية، بما فيها عوالم دور النشر وتحول رسائل بعضها الفكرية إلى محض"بزنس".

ويخوض السيناريو في عوالم علم النفس وتأثير قصص عالم الطفولة في بلورة مخاوف وهواجس مرحلة النضج، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة المعاصرة وتأثيرها على مسار الأحداث والشخصيات، مع الهيمنة الدرامية العامة لحضور شخصية الكاتب بتناقضاته وطبيعة صورته المعلنة كأحد المشاهير، وحياته الشخصية كإنسان والتأثير السلبي للتطفل العام على هذه الخصوصية، والغوص في عوالم شخوص مخيلته وتأثيرها عليه والتداخل المقصود بين الواقع والخيال، واللعب الدرامي المتعمد بين النص الأدبي وعالمي المسرح والسينما وشرعنة حضورهما بشرطه الفني الراقي، واللذين يعتبران الحاضنة البصرية التي تتبنى وتستوعب معظم النصوص الأدبية في العصر الحديث ويمكن أن تضيف للأدب انتشارا وأبعادا جمالية وفنية في كثير من الأحيان.

"الكاتب"، حكاية درامية كثيرة التشعب والأهداف، نسجت بخيوط الغموض والإثارة والتشويق التي انطلقت منها رؤية العمل، ويمكن للمتابع أن يتلمس الجهد الكبير والواضح في التكنيك الجديد والمستعمل للسيناريو وترجمته إخراجيا، كما يمكن تلمس الأداء الصعب والمتنوع لبطل العمل وتقمصه لشخصية كاتب بوليسي تتحول كتاباته ومخيلته إلى كوابيس مؤرقة تتراقص أمام عينيه وتقوض عوالمه الإبداعية، مع ملاحظة صعوبة الدور المناط به وحجمه واكتظاظ مشاهده بتناقض المشاعر السريع، نجح بإمساك بعض خيوطها النجم باسل خياط، وخانه الجهد في التقاط بعضها الآخر، لثقل الحمل الدرامي على ممثل واحد والتحدي الإبداعي الموكل إليه.

دراما "الكاتب" حققت نقلة نوعية للدراما العربية نحو العالمية

​​دراما "الكاتب" ليست الأولى في عوالم الدراما السورية والعربية ذات النوع التشويقي والبوليسي، لكنها صيغت هنا برؤية أكثر حداثة ونضجا وجمالية، استلهمت عوالم "أغاثا كريستي" و"شرلوك هولمز" وبعض الشخصيات الدرامية العالمية الغامضة التي تتوافق مع طبيعة النص مثل "باتمان ـ الرجل الوطواط" وغيرها من عوالم دراما الإثارة والجريمة العالمية، ونجحت في إعادة تشخيصها بأسلوبية حملت بعض الفكاهة أحيانا، وكثيرا من الفجائع المتخفية التي تنتظر مصائر الشخصيات بين ظلال السيناريو، وهي أسلوبية جديدة نجحت كاتبة العمل ومخرجه وجميع فريقه التمثيلي والفني في طرحها بأناقة فنية.

دراما "الكاتب" قد لا تنجح كثيرا في استقطاب ذائقة الجمهور العربي العريض بسبب هيمنة الروح الثقافية النخبوية المرافقة لها، لكنها مثل أي دراما نوعية، لها متذوق نوعي، وبخاصة حين تضيء بهذه المسافة القريبة على عوالم الكتابة والإبداع، وكيف تولد الكلمة في النصوص مثقلة بالحب والكراهية والحنان والتعب والشقاء والدم أحيانا، الكلمة وتأثيرها وتناقضاتها التي تقود المصائر نحو الضوء أو نحو المجهول، في عالم مثير تشويقي وبوليسي نعيشه جميعا وكأننا جميعا أبطال رواية.

اقرأ للكاتبة أيضا: المنظومة الأخلاقية بين الدراما والحياة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟