طفل كردي لاجئ من كوباني (أرشيف)
طفل كردي لاجئ من كوباني (أرشيف)

مع قدوم عيد الفطر، وتقاليد تبادل الزيارات، اقتناء اللباس الجديد، أخذ العيديات وتهيئة الضيافات من حلويات وأطعمة شهية، عادت إليَّ ذكريات ركنت طويلا على رفوف الذاكرة. في زمن الطفولة، دأب والدي على تذكيرنا بأن النعم لا تدوم، وأنه يجب علينا أن نفكر دائما بمعاناة المحرومين خشية أن نصبح مثلهم ذات يوم، لأنه لا أحد يعلم علم اليقين ماذا تخبئ لنا الأقدار، ولأن التعود على شظف العيش يؤهلنا لمواجهة المخاطر الكامنة وراء منعطفات المستقبل الغامض. دأب أبي ـ رغم يسر الأحوال إبان طفولتنا ـ أن يلح علينا بضرورة تجنب الإسراف والبذخ والتفاخر، والابتعاد عن الادعاء والتباهي بالمظاهر، والنأي بالنفس عن التعالي على الآخرين مهما كانت طبقتهم الاجتماعية ووضعهم المادي، وذلك انطلاقا من احترام إنسانية البشر جميعا، والتعامل معهم على أساس أخلاقهم وسلوكهم، وليس على أساس على ما ورثوه من مال وأملاك دون عناء أو جهد. كان يردد دائما: "المال والمنصب مصيرهما الزوال، أما فعل الخير فيبقى خالدا، حتى بعد رحيل الإنسان عن هذه الدنيا الفانية".

لم يعد "شظف العيش" و"إن النعم لا تدوم" تمرينان يمكن أن نطلب من شبابنا ممارستهما لتحمل صعاب الحياة

​​بالفعل، تبدلت ظروف الحياة كثيرا حين كبرنا، وتفاوتت بين رفاه وحاجة. في الأيام السوداء، وجدت التدرب على "شظف العيش" ناجعا، لأن والدي سبق أن لقنني وأخوتي التواضع والزهد، وحفزنا إلى عدم الاستسلام أمام ضغوط الحياة بحيث نهدر قيمنا أمام التحديات. كان أبي يكرر دائما في أيام الرخاء: "اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم". كان يضيف ـ رحمه الله ـ إن هذا ليس حديثا نبويا شريفا، كما يشاع، ولكنه قول بالغ الحكمة، وكان يؤكد المقولة برواية ذكرياته عن والدته (المرحومة جدتي) وكيف كانت تتصرف بحسن تدبير في زمن الحرب العالمية الثانية لتأمين حاجيات بيتها الضرورية وسط ظروف الفقر المادي المدقع، نقص الموارد المادية وندرة المواد الغذائية من الأسواق. ظل والدي يقدِّر لوالدته عميقا، حتى رحيلها عن الحياة، حسن إدارتها لشؤون بيتها بحكمة وذكاء، بحيث كانت توفر لزوجها وأولادها وبناتها ما يقيتهم بأبخس الأثمان، وتشبع بطونهم الجائعة بتفننها الرائع في الطبخ، فلا تشعرهم بوطأة الحياة القاسية والظروف المعاشية البائسة إبان الحرب، بل توهمهم أنهم يعيشون في جنة النعيم رغم كل البؤس والفاقة من حولهم.

لم يتوقف عن ذكر أفضالها والإشادة بها كامرأة عظيمة، بالرغم من بساطة تعليمها، مما أوصله وأخوته إلى بر الأمان. كانت جدتي في أشد أيام الحرب عنفا تؤنس أولادها بحكاياتها المشوقة كي لا يقلقوا، وتجعل ابتسامات الأمل تحل محل اليأس، إلى أن انحسرت الغيوم الداكنة وعاد الخير يتدفق على أهل الشام.

أصبح من قبيل الكوميديا السوداء شحذ الهمم لتحمل مزيد من الصعاب والألم

​​على غرار جدتي، لم يشعرنا والدي يوما أن شيئا ينقصنا، حتى بعد أن تقاعد عن الوظيفة وأحيل إلى المعاش. جعل أبي في طفولتنا حتى من انقطاع الكهرباء أو إطلاق زمور الإنذار طقسا ممتعا على ضوء الفانوس الكازي والشموع شحيحة الضوء يسلينا خلاله بعزفه البارع على العود وغنائه العذب لأغاني محمد عبد الوهاب، ويروي لنا قصصا من الأدب أو الأفلام لساعات طويلة تجعلنا نتمنى استمرار انقطاع الكهرباء كل يوم وتكرار تلك العتمة المبهجة للروح والخيال.

مرَّ الزمن وكبرت وأخوتي بعد أن تلقينا دروس الحياة من جيلين، جيل جدتنا الراحلة، وجيل والدنا. تغيرت أمور كثيرة مع مرور الزمن. زاد التضخم النقدي مئات الأضعاف، لكن تعبير "تقشفوا.. فإن النعم لا تدوم" ظل حيا في ذاكرتي، خاصة كلما شعرت أن أفراد عائلتي يسترخون، مستمتعين بشعور الرفاه والأمان، وذلك خوفا من أن تتبدل الظروف من وضع الاطمئنان إلى وضع القلق، ومن وضع الاكتفاء إلى وضع الحاجة.

كان أفراد أسرتي في طفولتهم يضيقون ذرعا بتنبيهي المستمر لهم إلى ضرورة التقشف حتى ولو توفر المال لدينا، وذلك تحسبا من الصدمة إن تبدلت الأحوال مع مرور الزمن. لطالما كررت قائلا إن غنى الإنسان يكمن في غنى الروح، لا في غنى المادة، آملا في أن أنمي لديهم شعور الزهد، مذكرا إياهم بحكمة أبي وجدتي من قبله، مما حصننا في طفولتنا من الإحساس بالحرمان والنقص، خاصة في الزمن الذي قلَّت فيه الموارد في حين زادت تكاليف الحياة إلى حد باهظ. لا شك أن حياة الإنسان تمر في بظروف متباينة، تتراوح بين صعود وهبوط، سواء في العمل أم الدخل أم الصحة أم الطمأنينة أم المتاعب الوظيفية. في جميع هذه الظروف، يتحتم على المرء إجادة السباحة في خضم بحر هائج، فإذا لم يحسن العوم وسط الأمواج العاتية يكون مصيره المحتوم الغرق بدلا من الوصول إلى بر السلامة.

اليوم، ربما أكثر من أي عهد مضى، يخطر بالبال أن تعبير "تحمل شظف العيش" ضروري لوعي الفتيان قبل أن يبلغوا سن الشباب ويذهبوا لأداء الخدمة الإلزامية. لا شك أيضا أنه ضروري للفتاة التي ستدخل عش الزوجية، كما هو ضروري للطالب حين يسافر للدراسة إلى بلد عربي أو أجنبي. لا شك أن تربية النفس على تحمل الشدائد وعدم تقديم تنازلات تمس الكرامة من أجل إرضاء الملذات الدنيوية ضروري للشباب مع تردي الأوضاع المعاشية، وارتفاع التضخم النقدي في بعض البلدان أضعافا في انهيار غير مسبوق للعملة المحلية. جعل هذا حياة الناس صعبة للغاية، وجعل من شراء المازوت الضروري للتدفئة، الغاز الضروري للطبخ، البنزين الضروري للمواصلات، فضلا عن كثير من المواد الغذائية الأساسية الأخرى كالرز والسكر، رفاهية محصورة بالميسورين.

لم تعد هناك سقوف تحمي ملايين البشر ممن صاروا إما لاجئين رغما عنهم

​​هل بقي لحكمة الماضي مكان في عصرنا؟ عن أي "شظف عيش" يمكن أن نتحدث في زماننا الراهن؟ وأي استعداد وتهيئة للشدائد سنطلب من أطفالنا وشبابنا؟ صار الناس يعيشون أقسى شظف عيش على أرض الواقع، فهل نأمل من هؤلاء المزيد من التقشف والزهد والتضحية؟ صرت كلما رددت أمام أفراد أسرتي تعبير "شظف العيش" هذه الأيام أسمع ضحكات المرارة تتردد خلسة أو جهارا إزاء ما نقرأه جميعا من أخبار عن أحوال الناس البائسة في عديد من أوطاننا، خاصة أولئك الذين تهدمت منازلهم وفقدوا جميع ما يملكون، بما في ذلك الذكريات، ناهيك عن فقدان كثير منهم للأحبة والغوالي.

تغير الزمان، بل انقلب رأسا على عقب. أصبح من قبيل الكوميديا السوداء شحذ الهمم لتحمل مزيد من الصعاب والألم. لم تعد هناك سقوف تحمي ملايين البشر ممن صاروا إما لاجئين رغما عنهم، أو مهاجرين بإراداتهم، يقيمون في مخيمات بائسة في بلدان غير وطنهم الأم، أو يتوهون في غربة قاسية عبر بلاد الدنيا الشاسعة.

أي تقشف نريد تدريب النفوس لتحمله استعدادا لمستقبل مظلم وقد هبطت الأمور إلى حضيض يفوق أقصى حدود الخيال؟ لم يعد "شظف العيش" و"إن النعم لا تدوم" تمرينان يمكن أن نطلب من شبابنا ممارستهما لتحمل صعاب الحياة.

ذات يوم من الأيام، حين بلغت الخمسينيات من العمر، جاء شخص يدعي الحكمة لينصحني وصديق لي أن نتصرف بحرص وحذر تحسبا من المستقبل. عقب انصرافه، انفجر صديقي ضاحكا وقال: "عن أي مستقبل يتحدث؟ الظاهر أن صاحبنا لم يلاحظ أننا صرنا نعيش في المستقبل!".

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.