بشارة الأسمر
بشارة الأسمر

منى فياض/

أكثر ما يثير الاستغراب في الحملة الشعواء على رئيس الاتحاد العمالي العام المستقيل بشارة الأسمر، هو تحولها إلى معركة دينية.

ردد الأسمر نكتا بذيئة بحق البطريرك الراحل نصرالله صفير بعد ساعات على دفنه. لا شك أن ما قاله بذيء وغير أخلاقي، ونقطة. انتهى الأمر.

أما "الاكتشاف" المفاجئ والتنبه لشغله أكثر من وظيفة، فصح النوم! خصوصا أن ذلك كان موضوع حلقة تلفزيونية علنية، دون أن يحرك أحد ساكنا! والجميع يعلم، في بلدنا المصون، بوجود مخالفات لا تحصى من هذا النوع لمقربين من السلطات الحاكمة. ترفع دعاوى بحق بعضهم؛ دون أن يتحرك لا القضاء ولا الرأي العام.

إذا أردنا لوم بشارة الأسمر على شيء، فعلى اعتدائه على حرمة الموت والتنكيل بميت لم يبرد جثمانه بعد.

فمن المتعارف عليه في جميع الثقافات والحضارات أن للميت كرامة. كرامة الموت جعلت أخيل طروادة يقبل بدفن هكتور، عدوه الذي قتل أعز شخص لديه، بشكل لائق وسمح بالحداد عليه واحترم طقوس الموت وعامله باحترام. فحتى الأعداء ينحنون أمام موت عدوهم.

الوضع الحالي في لبنان يسهل الديكتاتورية

​​ومن هذا المنظار تحديدا يفقد صدقيته للبقاء على رأس مؤسسة من المفترض أنها تحافظ على قيم العمل وحقوق العمال. لكن ذلك لا يستحق لا الشيطنة أو الملاحقة القضائية أو الحرم الكنسي.

ردود الفعل المضخمة تلك تدل على أن مجتمعنا يتدرج ببطء نحو مجتمع يحمل سمات المجتمعات الديكتاتورية أو الشمولية؛ لجهة استنفار الرأي العام وانخراطه بحماس منقطع النظير في مباراة لمضبطة اتهام تكدس المخالفات وتقدم الأدلة الضرورية وغير الضرورية للإدانة.

بدا وكأن اللبنانيين يبحثون عن ضحية ينكلون بها كبديل عن التنكيل الذي يعيشونه من السلطات الحاكمة. كل ما حصل يدخل في باب العنف. فعل العنف المؤسس والمؤسطر بلغة رينيه جيرار. أي العنف الذي ينتقي "كبش فداء" (Victime émissaire) للتكفير عن ذنوبه. وهو هنا اختار أضحية ليقدمها؛ وظيفتها تهدئة العنف الحشوي، الذي يزكم الأنوف، لمنع النزاعات من الانفجار. وكأن وظيفتها محاولة مواربة لتفادي عنف أكبر. فيهدأ الغضب ونستعيد الهدوء والانسجام والنظام؛ فتتآلف القلوب. إنها الأضحية التي تتحول لحظة التضحية بها إلى القداسة؛ من هنا خروجه علينا بطلا.

بدا الأمر أشبه بانتقام بطل الأسطورة أجاكس من قطيع الماشية كبديل عن أوليس الذي كسب أسلحة أشيل.

ويذكرنا هذا السلوك بما كانت تفعله الحشود في حقبتي هتلر وستالين إبان نوبات التطهير والإبادة التي كانت تطال الضحية وتهدد في نفس الوقت جميع علاقاتها المعتادة؛ فلم يوفروا أسرته ولا مجاله الخاص. إن تقنية "الذنب بالارتباط"، تحول جميع الأصدقاء القدامى إلى ألد الأعداء، كي يحفظوا سمعتهم ويبرهنوا على براءتهم. تحول الجميع وشاة وقضاة سارعوا إلى اتهامه والتبرؤ منه. فهذه هي الوسيلة الوحيدة التي تسمح بإظهار أهليتهم للثقة.

ما جرى مؤشر على انحدار مستوى القيم الإخلاقية في لبنان وعلى تحولنا إلى حشود. وهذا دليل أننا نتدجن للقبول بحكم مستبد. ألا يطالب البعض بحكم العسكر؟ أو ريتز لبناني؟

تشير حنة أرندت، في كتابها "أسس التوتاليتارية"، إلى الاختلافات العديدة بين الأنظمة الديكتاتورية؛ سواء أكانت شمولية أو طغيان أو اي شكل آخر من الاستبداد. وعلى هذا الصعيد صارت المنطقة ككل، مرتعا لمقادير متفاوتة من الديكتاتورية.

في لبنان تتوفر لدينا الكثير من المواصفات التي أشارت إليها أرندت، بالرغم من أن نظامنا يفترض الديمقراطية.. فالحركات التوتاليتارية ممكنة في أي مكان، لأنها تقوم على الحشود غير الموحدة بوعي للمصلحة العامة، وليس لديها منطق خاص بالطبقات يعبر عن نفسه باتباع أهداف محددة وممكنة التحقيق. ولا يتمكنون من الاندماج في أي تنظيم مبني على المصلحة العامة ـ سواء تعلق الأمر بأحزاب سياسية أو مجالس بلدية أو تنظيمات مهنية أو نقابات.

يتكاثر الفاترون الذين لا يهتمون أبدا بالسياسة لإقتناعهم بأن أي من الأحزاب لا يمثل مصالحهم

​​والحشود متواجدة، بالاحتمال، في جميع البلدان؛ وغالبيتها تتشكل من شرائح الناس الفاترين المحايدين سياسيا واللامباليين والذين نادرا ما يقترعون ولا يدخلون أي حزب.

وهذه الحشود الفاترة يمكن بسهولة أن تشكل الأغلبية في بلد ديمقراطي. فلقد برهنت التجربة: أن النظام الديمقراطي يرتكز على القبول والتسامح الصامت للقوى الخرساء واللامبالية للسكان، بقدر ما يرتكز على المؤسسات والمنظمات الظاهرة للعلن. النتيجة، أنه يمكن للديمقراطية أن تعمل وفق قواعد غير نشطة بواسطة أقلية. من هنا برهن اجتياح الحركات التوتاليتارية للبرلمانات الأوروبية في النصف الأول من القرن الماضي، مع احتقارها للنظام البرلماني، عن وجود عدم انسجام في الديمقراطية: ففي الواقع نجحت هذه الحركات بإقناع قسم كبير من السكان بأن الأغلبية البرلمانية كانت مزيفة وأن الأنظمة الذين اعتقدوا أنها قائمة على قاعدة الأغلبية يمكنها أن تعمل بواسطة أقلية ناشطة وأغلبية فاترة وصامتة. وإذا كان صحيحا أن الحريات الديمقراطية ترتكز على مساواة جميع المواطنين أمام القانون؛ لكنها لا تكتسب معناها ووظيفتها العضوية إلا إذا انتسب المواطنون إلى مجموعات تمثلهم، أو شكلوا هرمية اجتماعية وسياسية. من هنا تنجح الديمقراطية الأميركية لاعتمادها نظام الحزبين اللذين يضمان معظم الفئات السكانية ولتعدد المنظمات غير الحكومية الفاعلة.

بالمقابل يشكل الانهيار الاقتصادي والبطالة وانهيار نظام الطبقات، وانهيار التراتبية الاجتماعية والتنظيمات السياسية أفضل مساعد لبروز الديكتاتوريات. وهو ما يطبع لبنان حاليا. فالفوضى والابتذال وتدني اللغة السياسية والتكاذب وتبادل الشتائم بلغة مبتذلة كما فضائح الفساد والسرقات العلنية، كلها صارت خبزنا اليومي.

وأحد الوسائل المستعملة للهيمنة المأخوذة عن مدرسة ستالين، ممارسة سياسية "الزيزاك"، وأكثر من يمارسها، مدرستا حزب الله والعونيين، بإعادة تأويل أقوالهم وإفراغها من مضمونها، وتغيير محتوى برامجهم وأيديولوجيتهم دون الإعلان عن ذلك رسميا.

لذا يتكاثر الفاترون الذين لا يهتمون أبدا بالسياسة لاقتناعهم بأن أي من الأحزاب لا يمثل مصالحهم. تحولوا إلى كتلة كبيرة دون شكل. أفراد غاضبون لا شيء مشترك بينهم سوى موجة وعي بأن آمالهم كانت هباء، وأن الممثلين لجميع الجماعات ليسوا سوى مجموعة من الوصوليين وأن جميع القوى القائمة سيئة أخلاقيا ومزوِّرة، ولا تعبر سوى عن مصالحها وعن عصبية الانتماءات القبلية والمذهبية والولاء الأعمى.

إذا أردنا لوم الأسمر على شيء، فعلى اعتدائه على حرمة الموت 

​​في مثل هذا الجو، من الانهيارات تنمو وتتطور نفسية "رجل الحشد".

وإذا كانت أولى شروط الديكتاتورية غياب "كل معارضة منظمة بما فيه الكفاية". فلقد تم التمهيد لذلك بسلسلة الاغتيالات، مرة من خلال الهيمنة السورية ومرة أخرى بعد اغتيال رفيق الحريري.

كما أن حادثة الأسمر تشكل من جديد أرضية مناسبة لضرب النقابات مجددا.

الوضع الحالي في لبنان الذي كسر كل أنواع التضامن في ظل غياب تنظيم/ات معارض/ة بوجه التنظيمات الميليشياوية والطائفية وطغيان الهيمنة العائلية على الحكم؛ إلى جانب تفكك الروابط الاجتماعية، وطغيان الفردانية والتذرّر... يسهل الديكتاتورية.

اقرأ للكاتبة أيضا: أوهام 'سعادة السبعينيات الثورية'

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.