الملك الأردني عبدالله ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس
الملك الأردني عبدالله ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس

عريب الرنتاوي/

تصدّر الأردن صفوف المعترضين العرب على ما بات يُعرف باسم "صفقة القرن". كل ما يصدر عن عمّان، من مواقف وتصريحات، يشي بحجم القلق والانزعاج من المبادرة الأميركية الجديدة، ويستبطن رفضا صريحا لعناصر هذه المبادرة، مع أن الأردن يحرص في الوقت ذاته، على تجنب الصدام المباشر مع أكبر حليف دولي استراتيجي له: الولايات المتحدة الأميركية، والتي تُعد المانح الأكبر للدولة الأردنية التي تمر بضائقة اقتصادية خانقة.

والحقيقة أن الأردن لطالما لعب دورا محوريا قياديا في عملية سلام الشرق الأوسط، ولا يمكن لأحد أن يتهمه بتخريب أو عرقلة تقدم هذه العملية، أو بمحاباة "معسكر الرفض العربي". ولطالما حصد ملكا الأردن المتعاقبين، الإشادات المثمّنة لأدوارهما كمنافحين كبيرين عن هذه العملية، ورياديين في تذليل العقبات التي تعترضها.

لكن، يبدو أن لدى "القصر الملكي" في عمان، ما يثير قلقه هذه المرة، ومن هذه الصفقة بالذات، الأمر الذي دفعه لإبداء كل هذا الحذر والتحفظ حيال جهود الثلاثي الأميركي: كوشنير، غرينبلات وفريدمان... فما الذي يثير قلق الملك من "صفقة القرن"، ولماذا أخذ على عاتقه مهمة التصدي لها وتحمّل مختلف صنوف الضغط والابتزاز من قبل حلفاء وأصدقاء وأشقاء له؟

الأردن وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم

منذ أن تولى الملك عبد الله الثاني مقاليد العرش في الأردن قبل عشرين عاما، انتهج سياسة متمايزة عن أسلافه، حيال "حق تقرير المصير" للفلسطينيين. دشّن الملك معادلة "الأردن هو الأردن وفلسطين هي فلسطين"، وعرّف المصلحة الوطنية الأردنية العليا في الحل النهائي للقضية الفلسطينية بقيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، على خطوط الرابع من حزيران/يونيو وعاصمتها القدس الشرقية، واعتبار أي حل دون ذلك، إنما يفتح الباب على مصراعيه، لأدوار أردنية غير مرغوبة (فيدرالية، كونفدرالية وغيرها)، أو لحلول في الأردن وعلى حسابه.

الوصاية الهاشمية على المقدسات، أمر بالغ الرمزية بالنسبة للهاشميين والأردنيين

​​وفقا لآخر إحصاء صدر عن مركز الإحصاء الفلسطيني (الحكومي)، فإن أعداد الفلسطينيين في الأردن تبلغ 4.4 مليون نسمة، غالبيتهم تحظى بالجنسية الأردنية (حوالي الثلثين)، والباقي يحتفظون بحق الإقامة وبعض الحقوق المدنية ووثائق سفر لا تثبت جنسية حاملها.. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن عدد سكان الأردن من الأردنيين يبلغ 7.5 مليون نسمة، فإن نسبة الفلسطينيين من إجمالي عدد السكان تكون حوالي 60 بالمئة، وهي نسبة عالية، سيزيدها تعقيدا، دخول ثلاثة ملايين فلسطيني من سكان الضفة الغربية في التعداد العام للسكان، أو ربما إضافة مليوني فلسطيني في قطاع غزة إلى هذا التعداد.

وما لا يدركه كثير من المراقبين الغربيين والإسرائيليين، بمن فيهم المختصين بالشؤون الأردنية، فإن البلاد شهدت في العقود الثلاثة الأخيرة، نمو تيار "الهوية الوطنية الأردنية"، وتنامي إحساس الأردنيين، بالذات من أبناء العشائر الأردنية، بهويتهم الوطنية، وتزايد القلق في أوساطهم من مغبة أن يفضي أي حل منقوص لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، إلى تبديد هوية بلادهم الوطنية، وتحويلهم إلى أقلية ضئيلة في وطنهم..

والحقيقة، أن لا أحد بمقدوره تجاهل قوة وتأثير هذا "اللاعب الجديد" في المعادلة الأردنية، والذي لم يكن حاضرا بذات القوة والزخم في محطات تاريخية سابقة، منذ وحدة الضفتين قبل سبعين عاما وانتهاء بكافة المحاولات التي بذلها الملك الراحل الحسين بن طلال في استعادة حكمه للضفة الغربية.

المشهد الأردني الداخلي اليوم يبدو مختلفا، و"معادلة الأردن هو الأردن وفلسطين هي فلسطين" هي المعادلة الضامنة لأمن الأردن واستقراره وهويته، وليس بمقدور الملك عبد الله الثاني، أن يتجاهل هذه الحقيقة، وربما هذا هو المصدر الرئيس لقلقه من "صفقة" تستبدل الحل السياسي (تقرير المصير) بالازدهار الاقتصادي، وتقترح كيانا على الفلسطينيين أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي، يرفضه الفلسطينيون بإجماع وطني نادر.

الأردن وحق عودة اللاجئين

يستقبل الأردن أكثر من أربعين بالمئة من اللاجئين المسجلين في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا". ويبلغ عدد المسجلين منهم على كشوفها حوالي 2.2 مليون لاجئ، ويُعتقد أن العدد الكلي ربما تجاوز الثلاثة ملايين لاجئ، بعد تراجع عمليات تسجيل المواليد الجدد في ضوء انتفاء أية حوافز للمضي في عملية التسجيل، وبسبب "اغتراب" مئات ألوف اللاجئين الفلسطينيين للعمل في دول الخليج وغيرها.

شهدت الأردن في العقود الثلاثة الأخيرة، نمو تيار "الهوية الوطنية الأردنية"

​​هؤلاء يتمتعون بالجنسية الأردنية، في ضوء نتائج "مؤتمر أريحا 1949" والإطار القانوني والدستوري لوحدة الضفتين حيث تعهدت الدولة الأردنية في حينه، بعدم الانتقاص من حقوق مواطنيها الجدد: اللاجئين الفلسطينيين، في "العودة والتعويض" وفقا للقرار الدولي 194، وعلى اعتبار أن "مواطنتهم الأردنية" لا تنتقص من حقهم في العودة.

أي حل لا يلحظ حلا عادلا لقضية اللاجئين وفقا لهذه المرجعيات، العودة و/أو التعويض، سيضع الدولة الأردنية في مواجهة مباشرة مع قطاع رئيس من مواطنيها، وهذا عامل آخر من عوامل عدم الاستقرار المتوقعة في حال أمكن لإدارة ترامب فرض "صفقتها" على الأردن والفلسطينيين والمنطقة.

ولا يتوقف التهديد لأمن الأردن واستقراره عند هذه النقطة فحسب، فثمة ما يزيد عن مليون فلسطيني في الأردن، لا يتمتعون بالجنسية الأردنية، وهم متحدرون من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.. هؤلاء وبموجب ما يُشاع أن "صفقة القرن" تنص عليه، يتعين الاحتفاظ بهم في أمكان إقامتهم، وتجنسيهم (اقرأ توطينهم). أمر كهذا لن يجد مقاومة ورفضا من قبل هؤلاء فحسب، بل وسيجد مقاومة أشد ورفضا أعلى، من قبل أشقائهم الأردنيين من أبناء العشائر وشرق الأردن.. هؤلاء يشكلون ما بين 14 إلى 18 بالمئة من سكان البلاد ومن أصحاب الحق في الاقتراع حال توطينهم.. مثل هذه المقترحات ستكون بمثابة صب مزيد من الزيت الحار فوق جمر "أزمة الهوية" والتوترات والاستقطابات الداخلية الأردنية.

وربما هذا ما يفسر "الدور الطليعي" الذي لعبه الأردن في العامين الفائتين لاستنقاذ "الأونروا" بعد القرارات الأميركية المتعاقبة بتخفيض الدعم لهذه المنظمة الدولية، وصولا لـ "تصفيره" وتزايد الدعوات الأميركية ـ الإسرائيلية لتصفية هذه المنظمة. الأردن رفض عرضا أميركيا بتسلم مبالغ إضافية من الدعم المالي، تعادل، وربما تزيد عن كل ما تنفقه "الأونروا" على اللاجئين في الأردن.. المسألة بالنسبة للأردن ليست مالية وخدمية فحسب، المسألة سياسية بامتياز في المقام الأول والأخير.

الأردن والقدس ورعاية المقدسات

أولى الملوك الهاشميون منذ أن أخرجهم "آل سعود" من مكة المكرمة حيث كانوا يرعون "بيت الله الحرام"، أهم مسجد في الإسلام، أولوا اهتماما خاصا برعاية المسجد الأقصى في القدس، وقد دشن الشريف حسين، الجد الأكبر لملوك الأردن، هذه الرعاية، وأوصى بأن يوارى جثمانه الثرى في رحاب الأقصى المبارك، وجرى توارث هذه الرعاية جيلا بعد آخر، وصولا للملك عبد الله الثاني. ولقد أنفق ملوك الأردن من حساباتهم الخاصة، الكثير من الأموال لرعاية وترميم هذا الأثر الإسلامي المقدس، ووضعوا كل ما بحوزتهم من أوراق لحمايته من عمليات التهويد و"الأسرلة" التي حاولت إسرائيل أن تغير بنتيجتها طابع المدينة الديني والتاريخي والتراثي والقانوني.

في العام 2103، وبعد أن بدا أن عملية السلام قد تلقت ضربات قاتلة، تزايدت في إثرها التعديات الإسرائيلية على المسجد وأكنافه، وقع الملك عبد الله الثاني والرئيس محمود عباس اتفاقا أوكل بموجبه الفلسطينيون الملك برعاية المسجد والمقدسات، لا سيما وأن القدس الشرقية لم تنتقل للسيادة الفلسطينية، وبعد أن اتضح أن إسرائيل تحث الخطى وتسابق الزمن لتكريس ضمها وتهويدها.

القدس وهي مصدر من مصادر شرعية نظام الحكم في الأردن

​​قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إليها، عزز المخاوف الأردنية من صفقة القرن، ووضع الرعاية الهاشمية للمقدسات في مرمى سياسات اليمين الإسرائيلي الديني والقومي المتطرف، وسط صمت يبلغ حد التواطؤ من قبل فريق ترامب المكلف بهذا الملف، وهذا سبب إضافي من أسباب القلق والتحسب الأردنيين من المقاربة الأميركية الجديد لملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

الوصاية الهاشمية على المقدسات، أمر بالغ الرمزية بالنسبة للهاشميين والأردنيين سواء بسواء، فمكانة القدس عندهم تفوق مكانتها عند غيرهم من العرب والمسلمين، وهي مصدر من مصادر شرعية نظام الحكم في البلاد، ولا يمكن للأردن أن يبتلع انتهاكات إسرائيل لهذا الدور، أو تعديها عليه، كما لا يمكن لعمّان أن تغفر لتل أبيب محاولاتها اللعب بروقة "رعاية المقدسات" فتعرضها أو تلوّح بها، تارة على السعودية وأخرى على تركيا، لكأننا في "بازار" يفوز به من يدفع الثمن المناسب.

هذه أبرز وأعمق المخاوف الأردنية من "صفقة القرن" وتداعياتها، وهي ذاتها الأسباب التي دفعت الأردن مرغما، لأن يكون في صدارة صفوف معارضيها ومنتقديها، وهو ـ الأردن ـ وإن حاول تفادي الاشتباك المباشر مع حليفه الأكبر دوليا: واشنطن، إلا أن "تكتيكه" هذا، لا يخفي أعمق مخاوفه الاستراتيجية على أمنه واستقرار وهويته وشرعية حكمه ونسيجه الاجتماعي ووحدته الوطنية.

اقرأ للكاتب أيضا: السعودية وتحديات 'إعادة ترميم' دورها الإقليمي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.