عجز رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو عن تشكيل ائتلاف جديد بعد فوزه بولاية خامسة في نيسان/أبريل
عجز رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو عن تشكيل ائتلاف جديد بعد فوزه بولاية خامسة في نيسان/أبريل

ديفيد ماكوفسكي/

في الأسبوع الأخير من أيار/مايو، اتخذت إسرائيل خطوة غير مسبوقة منذ تأسيسها قبل 71 عاما عندما صوّت الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) على حلّ نفسه وإجراء جولة أخرى من الانتخابات البرلمانية في 17 أيلول/سبتمبر، بعد مرور خمسة أشهر فقط على الجولة السابقة.

ويعود سبب هذه الخطوة إلى عجز رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو عن تشكيل ائتلاف جديد بعد فوزه بولاية خامسة في نيسان/أبريل. فهل ستؤثر إعادة خلط الأوراق هذه على قدرة نتانياهو على إدارة كل من المعارضة السياسية والتحقيقات الجنائية التي يواجهها محليا؟ والأمر الأكثر أهمية، كيف سيؤثّر ذلك على جهود السلام التي خططت لها إدارة ترامب، بما فيها المؤتمر الاقتصادي المقبل في البحرين؟

المأزق السياسي لنتانياهو

يُعزى السبب الرئيسي لفشل رئيس الوزراء الإسرائيلي في محاولته لتشكيل ائتلاف إلى إحجام زعيم "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان عن منحه الدعم البرلماني الضروري لضمان أغلبية تشمل 61 مقعدا في الكنيست المؤلف من 120 مقعدا ـ وهو رفض جاء وسط جدال حول مشروع قانون يقضي بفرض غرامات مدنية على بعض المؤسسات الدينية إذا لم يؤدِ عدد كاف من الشباب اليهود المتشددين الخدمة العسكرية. وأصرّ ليبرمان على أنه يعمل انطلاقا من مبادئه لكن المقربين من نتانياهو قالوا إنه مدفوع برغبة شخصية في الثأر من رئيس الوزراء. ووجه نتانياهو نفسه انتقادات حادة لليبرمان بسبب حجبه المقاعد وجر البلاد إلى انتخابات "غير ضرورية"، بل حتى اتهم وزير الدفاع السابق المتشدد بانتمائه إلى معسكر "اليسار".

انتخابات أيلول/سبتمبر قد تقوّض خطة السلام على المدى الطويل

​​وخلال النجاحات السابقة التي حققها نتانياهو في الانتخابات، تمكّن عادة من الجمع بين حملات انتخابية بمهارة عالية وقدرة هائلة على التفاوض بعد الانتخابات لتشكيل ائتلاف. وقد تطلبت جهود تشكيل تلك الائتلافات تعاونه مع الخصوم، سواء عبر جذب الأحزاب من يسار الوسط لتوسيع ائتلافاته أو على الأقل التهديد بالقيام بذلك من أجل تخفيف مطالب شركائه الصغار في معسكر اليمين.

لكن هذا العام، ألغت لائحة اتهام أولية بشأن ثلاث تهم فساد معظم الهامش المتاح أمام نتانياهو للمناورة. فقد فاز حزب "أزرق أبيض" الوسطي بنفس عدد المقاعد التي فاز بها حزب "الليكود" وأوضح أنه لن ينضم إلى حكومة يشكّلها نتانياهو طالما أنه لا يزال تحت سحابة قانونية. وهذا ما جعله رهينة المطالب المتضاربة لأحزاب اليمين، معززا التكهنات بأنه سيبقى كذلك إذا فاز مجددا بالانتخابات في أيلول/سبتمبر.

وبالفعل، يشكّل توقيت قرار حلّ الكنيست ضربة قوية لنتانياهو. فقد كان يعتمد على إقرار حكومته التالية لقانون من شأنه أن يحدّ من صلاحية "المحكمة العليا الإسرائيلية" في مراجعة الإجراءات البرلمانية، مما يزيد من فرصه في إقرار إجراء منفصل لعزل نفسه بشكل إضافي عن الخطر القانوني طالما يكون في سدة الحكم. إلا أن رد الفعل العام ضد المناورة لضمان حصانته سيمكّن خصومه من الترشح ضمن برامج انتخابية تصوّره على أنه تهديد لديمقراطية إسرائيل.

علاوة على ذلك، حدد المدعي العام جلسة استماع حول تهم الفساد [الموجهة ضده] في تشرين الأول/أكتوبر، ومن المرجح أن يليها صدور لائحة اتهام رسمية، يُحتمل أن تقضي على فرصة ثانية أمام نتانياهو للحدّ من صلاحيات المحكمة.

التداعيات على خطة السلام للرئيس ترامب

حتى قبل الإعلان الذي صدر في الأسبوع الأخير من أيار/مايو، بدا أنه تمّ مرة أخرى تعليق خطة إدارة ترامب للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين التي طال انتظارها. فلا يزال فريق الرئيس الأميركي عازما على إجراء ورشة عمل اقتصادية في البحرين في 25 و26 حزيران/يونيو تشمل تمثيلا وزاريا من عدة دول عربية، ووزير المالية الإسرائيلي، ورجال أعمال من الدول المشاركة.

ويمكن القول بأمان إنه إذا اعتقدت الإدارة الأميركية بأن الخطة بأكملها ستلقى ترحيبا دوليا جيدا، فسوف تكشف النقاب عن مكوناتها السياسية بالتزامن مع تلك الاقتصادية. ومع ذلك، فقد سبق لـ"السلطة الفلسطينية" أن أعلنت أنها لن تشارك بورشة العمل، مؤكدة على ادعاءها بأن أي تركيز على التنمية الاقتصادية مصمم ليحل محل التطلعات السياسية الفلسطينية.

بإمكان واشنطن التعاون مع الأمم المتحدة ومصر وغزة لزيادة الإنفاق على البنية التحتية في القطاع

​​وبالتالي، فمن الناحية التكتيكية القصيرة الأجل، ترحب الإدارة الأميركية بقرار إجراء انتخابات جديدة في إسرائيل لأنه يوفر مبررا منطقيا عاما بحدّ ذاته للسبب الذي يمنع واشنطن من الكشف عن خطتها الكاملة في البحرين ـ ولا سيما المكونات المتعلقة بالقضايا الجوهرية للوضع النهائي (أي الحدود والترتيبات الأمنية والقدس واللاجئين والاعتراف المتبادل).

ومع ذلك، فإن انتخابات أيلول/سبتمبر قد تقوّض خطة السلام على المدى الطويل أيضا. فقد تنبأ كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، الذي هو أحد كبار منتقدي إدارة ترامب، أن قرار إسرائيل سيقضي على الخطة بالكامل، بإشارته إلى أن "صفقة القرن" ستصبح الآن "صفقة القرن القادم".

كما أن التقويم السياسي الأميركي لا يوفر الدعم للخطة ـ إذ بحلول الوقت الذي تتشكل فيه حكومة جديدة في إسرائيل (من المرجح أن يحدث ذلك في نهاية تشرين الأول/أكتوبر على الأقل)، ستكون دورة الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2020 في أوجها، مما يجعل المسؤولين الأميركيين أقل استعدادا بكثير للسعي إلى فرض الخيارات الصعبة التي تتطلبها عملية صنع سلام حقيقية.

وللمفارقة فإن نتانياهو، الذي كان سابقا من ركائز خطة السلام الأميركية، قد يصبح الآن عائقا أمامها. فطالما أنه في السلطة وتحت قيد الاتهام، فلا يمكن لإسرائيل تشكيل حكومة وحدة تضم حزبي "الليكود"/"أزرق أبيض" التي من المرجح أن تتبنى خطة ترامب. وحتى لو حقق حزب "أزرق أبيض" فوزا مطلقا في أيلول/سبتمبر، سيرفض قادته على الأرجح خطة كبرى يعارضها الفلسطينيون معارضة شديدة.

وهذا يترك إدارة ترامب أمام خيارين. الأول، يمكن أن يصرّح الرئيس الأميركي بأنه يجب تأجيل عناصر الخطة السياسية، معلقا الآمال على قدرته على الفوز بولاية ثانية واستئناف الموضوع في المستقبل.

وكبديل، ونظرا لكل ما تم إنجازه لوضع الخطة المؤلفة من 50 صفحة وفقا لبعض التقارير، فقد يقرر ترامب الكشف عن اقتراحه في وقت لاحق من هذا العام كرؤية طموحة وليست وثيقة عملياتية تنص على إجراء مفاوضات فورية. وسيتماشى ذلك مع الفكرة بأن الإدارة الأميركية تعتبر الخطة أداة مرجعية تاريخية للإدارات القادمة يمكنها التصرف على أساسها عندما تكون الظروف بين الإسرائيليين والفلسطينيين أكثر ملاءمة.

ما الذي سيتم التباحث حوله في البحرين؟

من المرجح أن يعرض المسؤولون الأميركيون أفكارهم الاقتصادية في البحرين كمقدمة لخطة السلام الشاملة لإدارتهم وليس بديلا لها. ومن شأن هذه المقاربة أن تدحض ادعاء "السلطة الفلسطينية" بأن واشنطن عازمة على إحلال "سلام اقتصادي" فقط.

وفي الوقت نفسه، قد يُثبت التركيز بشكل حصري على رؤية اقتصادية طويلة الأمد بأنه غير مجد، لأنه من المستبعد أن يحصد الاقتصاد تمويلا كبيرا دون تسوية سياسية.

لذلك، على وفد الإدارة الأميركية إلى البحرين أن يكون مستعدا لمناقشة عدد لا يحصى من المبادرات التي تعالج المزيد من التحديات العاجلة. فالأوضاع الأمنية الهشة في قطاع غزة والمشاكل الاقتصادية المتفاقمة في الضفة الغربية تشكّل محفزا للعمل على بذل جهود قصيرة الأجل ترمي إلى استقرار الوضع على الأرض.

للمفارقة فإن نتانياهو، الذي كان سابقا من ركائز خطة السلام الأميركية، قد يصبح الآن عائقا أمامها

​​ويتمثّل أحد الأهداف التي يمكن تحقيقها في قيام الولايات المتحدة ودول أخرى (مثل قطر) بإيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه من القرار الضار لـ "السلطة الفلسطينية" بحرمان نفسها من أكثر من 60 بالمئة من ميزانيتها ـ أي حوالي 200 مليون دولار شهريا ـ بسبب خلاف على الخصومات الإسرائيلية من عائدات الضرائب المحولة لـ "السلطة".

كما بإمكان واشنطن التعاون مع الأمم المتحدة ومصر وغزة لزيادة الإنفاق على البنية التحتية في القطاع؛ على سبيل المثال، من شأن تحديث شبكات الكهرباء أن يساعد سكان غزة الفقراء إلى حد كبير، في حين قد تؤدي التحسينات الناتجة عن معالجة مياه الصرف الصحي محليا إلى منع حدوث تسرب في المناطق الإسرائيلية المجاورة.

وأخيرا، وقبل التوجه إلى البحرين، على مسؤولي الإدارة الأميركية التواصل مع "اللجنة القضائية في مجلس النواب" الأميركي التي أقرت إجراء يقضي بوقف التمويل البالغ 61 مليون دولار اللازم لنجاح التعاون الأمني الإسرائيلي ـ الفلسطيني بوساطة أميركية في الضفة الغربية ـ وهو قرار ينطوي على مشاكل نظرا لمخاطر اندلاع أعمال عنف شديدة في الوقت الحالي.

ديفيد ماكوفسكي هو زميل "زيغلر" المميز ومدير "مشروع العلاقات العربية ـ الإسرائيلية" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟