جاريد كوشنر
جاريد كوشنر

إيلان بيرمان/

في وقت لاحق من هذا الشهر، ستبدأ إدارة ترامب في طرح خطتها المثيرة للجدل التي طال انتظارها لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، ما لم يتم تأجيلها بسبب الاضطرابات السياسية الحالية في إسرائيل. ولكن عندما تجدد واشنطن ضغطها على القدس ورام الله للعودة إلى محادثات ذات مغزى، فإنها ستواجه عقبة هائلة. بعد سنوات من الركود السياسي، بات ينظر الناخب الفلسطيني، بشكل متزايد، إلى حكومة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كجزء من المشكلة، وليس من الحل لما يعاني منه هذا الناخب.

تم التقاط عمق هذا الاستياء ببلاغة من خلال استطلاع جديد لأكثر من 1000 شخص في الضفة الغربية وقطاع غزة أجراه هذا الربيع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (PSR) وهو معهد الاقتراع البارز في الأراضي الفلسطينية.

من الصعب تصور أن تصل جهود البيت الأبيض لإطلاق عملية السلام إلى النجاح الذي يأمله مسؤولو الإدارة

​​وجد الاستطلاع أن أكثر من 80 في المئة من الفلسطينيين يعتقدون أن السلطة الفلسطينية فاسدة. وحوالي 70 في المئة غير راضين عن أداء حكومة عباس، وتريده أغلبية، وصلت إلى 60 في المئة أن يستقيل. ليس من المستغرب إذن أن يرى حوالي نصف الفلسطينيين (47 في المئة) أن حكومة عباس باتت تشكل "عبئا" على الشعب الفلسطيني، وليس "رصيدا" لقضيتهم.

لكن البديل غير متاح بسهولة. فعلى مدى العقد ونصف العقد الماضيين، عمل الرئيس عباس بجد لتجنب إنشاء مسار خلافة واضح له، وناور بمهارة لتهميش خصومه البيروقراطيين والأكثر اعتدالا. إن هذا الوضع، إلى جانب سن عباس المتقدم وحالته الصحية، يضمن عمليا أن تنحدر المناطق إلى نزاع داخلي كبير ـ وربما طويل الأمد ودموي ـ عقب مغادرته الساحة السياسية.

بدلا من ذلك، يبقى البديل الحقيقي الوحيد لعباس وحكومته هو "حماس"، الحركة الإسلامية المتطرفة التي تحكم قطاع غزة. بعد مضي 12 سنة على استيلائها على السلطة بالقوة، لا تزال حماس تحظى بدعم ثلث سكان غزة، على الرغم من سنوات سوء الحكم والفوضى التي أدت إلى زيادة الفقر والبؤس بين سكان القطاع. في إشارة إلى الاستياء الشعبي من حكومة عباس، ينظر ربع سكان الضفة الغربية إلى "حماس" بشكل إيجابي ـ مما يشير إلى أن نداء الحركة الإسلامية يمتد إلى أبعد من إقطاعاتها الحالية.

وتتعزز مصداقية الحركة مع توتر المواقف الفلسطينية تجاه إمكانية المصالحة مع إسرائيل. في استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، قال 47 في المئة ممن شملهم الاستطلاع إنهم "يؤيدون العودة إلى الانتفاضة المسلحة" ضد الدولة اليهودية. من الواضح أن حماس في وضع أفضل للاستفادة من هذا الرأي، إذا ما قرر الفلسطينيون بالفعل دعم مثل هذا الهجوم المستمر.

في الواقع، الشيء الوحيد الذي يبدو أن الفلسطينيين متفقون عليه في جميع مناطقهم هو أن "صفقة القرن" التي سيعلنها ترامب ليست بداية للحل. في استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، عبر المجيبون عن آراء سلبية موحدة حول المبادرة الأميركية الجديدة، مع اعتقاد أغلبية ساحقة أن الخطة لن تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية أو تقديم ما يعتبرونه "حلا عادلا" لقضيتهم. هذا هو السبب في أن أكثر من ثلاثة أرباع (79 في المئة) من المستطلعة آراؤهم "يعتقدون أن قيادة السلطة الفلسطينية يجب أن ترفض خطة ترامب". لدى "حماس" والسلطة الفلسطينية، في هذه الأثناء، ما يكفي من الذكاء للاستفادة من هذا الرأي، وهذا هو السبب خلف استبعاد كلا الطرفين المشاركة في مفاوضات جديدة مع إسرائيل تحت رعاية إدارة ترامب.

80 في المئة من الفلسطينيين يعتقدون أن السلطة الفلسطينية فاسدة

​​كل هذا يجعل من الصعب للغاية تصور أن تصل جهود البيت الأبيض لإطلاق عملية السلام إلى النجاح الذي يأمله مسؤولو الإدارة. في الواقع، أقر صهر الرئيس ومستشاره البارز، جاريد كوشنر، بذلك في مقابلة تلفزيونية حديثة، أشار فيها إلى أن الحكومة الفلسطينية لا تعمل حاليا بشكل كامل، ناهيك عن الاستعداد لصنع سلام حقيقي.

تعكس تعليقات كوشنر حقيقة قاسية. في الدبلوماسية، تحتاج رقصة التانغو إلى اثنين. ومن الواضح، على الأقل في الوقت الراهن، أن إسرائيل تفتقر إلى شريك رقص جاد على الجانب الفلسطيني.

اقرأ للكاتب أيضا: تركيا ـ أردوغان قلقة... لماذا؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

US Speaker of the House Nancy Pelosi, Democrat of California, speaks about the 101st anniversary of the House passage of the…
ولدت بيلوسي من عائلة مهاجرة من إيطاليا وكانت الفتاة الوحيدة مع ستة أولاد

تتمتع بلدان كثيرة بقيادات نسوية مبهرة هذه الأيام. منها نيوزلندا برئيسة وزرائها جاسيندا أرديرن، التي أدارات عواصف سياسية عاتية في بلادها من هجوم كرايست تشيرتش وصولا إلى جائحة كورونا. وطبعا هناك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والمعروفة باسم "ماما ميركل" والتي استضافت أكثر من مليون مهاجر لألمانيا ودفعت ببلادها نحو التعامل بروح سياسية أكثر إنسانية نحو المهاجرين.

ربما لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، توجد سيدة حديدية من هذا النوع أيضا: نانسي بيلوسي، زعيمة الحزب الديمقراطي، ورئيسة مجلس النواب الأميركي. ولدت بيلوسي من عائلة مهاجرة من إيطاليا وكانت الفتاة الوحيدة مع ستة أولاد. تمثل سيرتها الذاتية نموذجا يعبر عن مدى اندماج المهاجرين في أميركا، حتى الجيل الأول منهم.

وهذا الاستيعاب السريع للمهاجرين يميز الولايات المتحدة عن غيرها من الدول الغربية التي لا تزال معظمها تعاني في ادماج هؤلاء في مجتمعاتها. لكن للأسف لعل هذا الأمر يمكن أن يتغير مع إدارة الأميركي دونالد ترامب والتي تكن عداءً والمهاجرين، حتى القانونيين منهم، هذا بالرغم من أن ترامب نفسه من عائلة مهاجرة.

في العام 1987، أصبحت نائبة في الكونغرس. استمرت بيلوسي بصعود سلم النجاح حتى أصبحت رئيسة الكونغرس سنة 2007

يجري النشاط السياسي في عروق بلوسي. فقد كان والدها عضوا في الكونغرس في ولاية ميريلاند وبعدها أصبح حاكما لمدينة بالتيمور، حيث ولدت بيلوسي ولاحقا بدأت مسيرتها السياسية بمساهمتها في حملات والدها الانتخابية وهي طفلة. ورغم إنجاب والدة بيلوسي، والتي ولدت في جنوب إيطاليا، سبعة أطفال إلا أنها هي الأخرى كانت ناشطة في الحزب الديمقراطي حيث كانت تقوم بتنظيم نساء الحزب. بيلوسي نفسها زوجة وأم لخمسة أطفال ولكن هذه المسؤولية العظيمة لم تمنعها من دخول التاريخ من أوسع أبوابه. مع العلم أن معظم قيادات العالم النسوية لديهن عائلات، لكن يبدو أن بعض الثقافات لا تزال غير قادرة على أن تتخيل قيام المرأة بأكثر من دور، بل وتخشى أمثال بيلوسي، فتحاول أن تقنن ما من شأنه أن يمنع حدوث ذلك.

كشابة يافعة، انتقلت بيلوسي إلى مدينة سان فرانسيسكو وخلال سنوات قليلة وبعد عدة مناصب في الولاية أصبحت رئيسة الحزب الديمقراطي لولاية كاليفورنيا. وبعد ذلك، في العام 1987، أصبحت نائبة في الكونغرس. استمرت بيلوسي بصعود سلم النجاح حتى أصبحت رئيسة الكونغرس سنة 2007، وكانت بذلك أول امرأة على الإطلاق تحصل على هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة. 

وفي عملها كمتحدثة باسم الكونغرس وعضوة فيه، تربعت بيلوسي على ملفات شائكة وواجهتها بقوة ليس فقط أمام منافسيها من خارج الحزب بل حتى من داخله. كانت بيلوسي من المعارضين لحرب العراق كما كانت دائما مدافعة شرسة عن الخدمات الصحية والاجتماعية للأميركيين والتي غالبا ما يصوت ضدها الجمهوريون. ومن آخر الملفات التي أدارتها بيلوسي ملف عزل الرئيس الأميركي، ومرة أخرى دخلت التاريخ بذلك، لتكون المرأة التي أدارت حملة التصويت ضد ثالث رئيس في تاريخ أميركا يصوت الكونغرس لعزله.

 اصطدمت بيلوسي داخل حزبها الديمقراطي مع شابات الحزب الجديدات والمعروفات بسياساتهن المتقدمة واللاتي يشملن المهاجرة الصومالية إلهان عمر، والفلسطينية الأميركية رشيدة طالب والأميركية الكسندرا أوكازيو كورتيز ذات الأصول اللاتينية وهي في عمرها، التاسعة والعشرين، تعتبر المرأة الأصغر في دخولها الكونغرس. 

مما لا شك فيه أن الحزب الديمقراطي، يبدو، بشكل عام، في سياسته الاجتماعية هذه أكثر تقبلا للتعددية وللأقليات حيث يمثل الكونغرس الأخير تعددية لم يسبق لها مثيل في أميركا. ولعل بيلوسي أدارت دفة الصدام ينجاح واستوعبت الخلافات داخل حزبها.

بيلوسي البالغة من العمر ثمانين عاما أنجزت حتى الآن ما لم تستطع آلاف بل ملايين النساء إنجازه ولا تزال مفعمة بالحيوية والنشاط

بيلوسي تتحدى جميع الصور النمطية للمرأة بشخصيتها القوية حتى داخل الولايات المتحدة نفسها. فرغم أن الإحصائيات تشير إلى أنه لا يزال هناك تمييز ضد النساء في أميركا (مقارنة بالكثير من باقي الدول الغربية التي تشترك معها أميركا في الإرث التنويري الليبرالي)، حتى من النساء أنفسهن وبسبب الثقافة العامة فإن بيلوسي تشكل مثلا أعلى في شخصيتها القوية، ولعل أميركا التي لم تنجح بعد في اختيار امرأة كرئيسة بحاجة ماسة لنموذج مثل هذا لنسائها ورجالها.

الأمر الذي يدعو للاستغراب، أنه رغم عداء بيلوسي من قبل الرئيس الأميركي، إلا أنه لم يهاجمها بنفس الضراوة التي هاجم بها باقي خصومه. فما هو السبب يا ترى؟ هل يرى بها ندا يحترمه رغما عن نفسه؟ أم أن السبب هو خلفية بيلوسي المتدينة؟ فبيلوسي المنحدرة من عائلة كاثوليكية قالت لوسائل الإعلام ذات مرة إنها تصلي من أجل الرئيس ومن المعروف أن المتدينين المسيحيين من أكبر داعمي الرئيس.

بيلوسي البالغة من العمر ثمانين عاما أنجزت حتى الآن ما لم تستطع آلاف بل ملايين النساء إنجازه ولا تزال مفعمة بالحيوية والنشاط. فهما هو سر نجاح هذه المرأة؟ ولعلها بذلك تستحق فعلا أن تدرس كمثال لكل أميركية تحلم بكسر الحاجز الزجاجي في السياسة الأميركية. حتى ذلك الوقت، ومما لا شك فيه أن بيلوسي ستبقى تسطر التاريخ إلى أن تبلغ نفسها الأخير.

ولعلنا نتساءل في ختام هذه المقالة، هل تكفي سيدة واحدة لتكون رمزا ملهما للملايين؟ يدفعني التفكير ببيلوسي للتساؤل أيضا: لماذا لم تخلق أنظمة السياسة العربية هكذا امرأة منذ مئات الأعوام؟ حاولت بلا نجاح أن أفكر ولو بامرأة واحدة على الأقل من الدول العربية بأكملها، امرأة لعبت دورا قياديا حقيقيا وطويل المدى يوازي أو يقارب ما قامت به بيلوسي أو ميركل أو أرديرن. فلم أجد شيئا ذا بال. فلماذا لم تنتج مجتمعاتنا هكذا قيادات؟ لا بد أن العوائق سواء القانونية أو الاجتماعية أو الدينية محكمة بشكل صارم مما لا يسمح ولو لواحدة أن تشذ عن القاعدة. ليكون التساؤل الأخير هو كيف نكسر هذه الحواجز لتنفذ وتولد مواهب نسائية عديدة داخل هذه المجتمعات؟