"خبز الحياة"، رواية مصورة عن معسكرات الاعتقال النازية
"خبز الحياة"، رواية مصورة عن معسكرات الاعتقال النازية

حسن منيمنة/

طبعا، التاريخ لا يعيد نفسه، بل لكل لحظة فيه فرادة وخصوصية يستحيل معهما التكرار. غير أن العوامل البنيوية التي تدفع حركة التاريخ باتجاه ما قد تعود إلى الارتفاع بعد انحسار.

وليس من المبالغة استشفاف أوجه شبه لا تنذر بالخير بين المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وبين واقع اليوم.

فعلى مدى قرنين ونيف، وانطلاقا من عصر الأنوار في القرن الثامن عشر، يشهد العالم سجالا بل صراع بين تصورين للمجتمع الإنساني، أحدهما قائم على الفرقة ـ العصب والنسب والولاء لولي الأمر أو الأمة أو العقيدة، والآخر مبني على الجماعة ـ اعتبار وحدة حال للناس كافة وإدارة توقهم للحرية والمساواة.

العلم إذ هو قائم على المساءلة والاعتبار هو بدوره مادة للمساءلة والاعتبار

​​للتنبيه، ليس بهذا الفصل بين "الفرقة" و "الجماعة" افتراض جوهر شر في إحداهما وأصالة خير في الأخرى. بل ينبغي التذكير بأن أولى تجارب الجماعة، أي الثورة الفرنسية والتي ارتدت شعار "الحرية والمساواة والأخوّة" شهدت من الترويع فصولا متعاقبة وأقدمت عمدا وعن سابق تصوّر وتصميم على إبادة سكان مقاطعة ڤانديه لممانعتهم الرضوخ لسيادتها.

وهذا الدور من السجال المستمر اليوم ليس الأول في التاريخ، إذ سبقته أدوار عدة أول المدوّن منها كان في المرحلة الهلنستية، أي في القرون الثلاثة السابقة للتقويم الميلادي، دون أن تختلف أوجه الجدل الفكري حينئذ في صلبها عن تلك المطروحة اليوم بين "القيم العالمية" و "نحن أولا".

الجديد، في ثلاثينيات القرن الماضي كان استحداث وسائل قهر وقمع انتقلت بنتائج الخلاف من النكاية، أي الأذى الجانبي لتعذر القدرة على ما يتجاوزه، كما كان الحال في السابق، إلى القتل الممنهج والذي فتك بمجتمعات كاملة. وإذ تعاظمت الطاقة على الإبادة، مع تخزين السلاح النووي بما يكفي لمحو الحياة من الوجود مرات عدة، فإن الخطر الواقعي للكارثة العظمى يدفع نحو المزيد من الحذر من كافة الأطراف، دون أن ينفي إمكانية خروج ظروف ما عن السيطرة.

"العودة إلى الثلاثينيات" التي يعيشها عالم اليوم هي في إعادة الاحترام لمقولات "الفرقة" كما كان الحال في ذاك العقد السابق للحرب العالمية الثانية، وفي الازدراء المتصاعد لطروحات "الجماعة"، من خلال تصوير العولمة على أنها قناع خبيث لمصالح قلة من المستفيدين على حساب أهل البلاد. وتأصيل هذه العودة تأتي من مداخل عدة، أحد أبرزها القبول مجددا بالحقيقة العلمية المفترضة للفوارق بين الأعراق.

رغم هالة القداسة التي يلقيها التوجه العقلاني على العلم، فإن تزكية البحث العلمي من التأثيرات الذاتية ليس بالأمر السهل. وقد يطمئن الباحث إلى أنه قد بلغ في بحثه القدر الذي يضفي على علمه صفة الإطلاق والموضوعية والحياد، ليبيّن آخر أن الناتج العلمي ذاته قد سار وفق قيود وذاتية وانحياز غفل عنها الباحث الأول. ليس في هذا تيئيس من البحث، ولا نفي لتفاضل المقولات المتعارضة، إنما تذكير وحسب بأنه لا عصمة للعلم، والعلم إذ هو قائم على المساءلة والاعتبار هو بدوره مادة للمساءلة والاعتبار.

في أكثر من موقع، وإن بأشكال مختلفة بعضها قائم على التعمية والتدليس، يعود "علم الأعراق" إلى التأثير في الخطاب الفكري في عالم اليوم. واقع الأمر هو أن الحديث عن "عودة" هنا يتضمن بعض المبالغة، ذلك أن الوعي العرقي لم يفارق الحياة الإنسانية إلا نظريا، وهو وإن كان مرذولا في المحافل العامة ومطعون به في أوساط البحث العلمي، فإنه بقي مستقرا في الوجدان العام وإن بدرجات متفاوتة من التردد نتيجة الدفع من جانب الشرائح التقدمية إلى اعتباره من المخلفات الفاسدة للمراحل الماضية.

حين تكاثرت، في القرن التاسع عشر، الطروحات الساعية إلى تصنيف الأعراق البشرية وتبيين التراتبية بينها، أدرجت هذه الجهود في الإطار العلمي المتشكل مع طرح تشارلز داروين لنظرية النشوء الارتقاء. فكما أجناس الحيوانات تتنوّع وتتفاضل، شاع أنه يصحّ طبعا أن يكون هذا حال الأعراق. وعليه تطورت "العلوم" التي تتقصى تفاصيل الاختلاف الجسدي، بلون البشرة طبعا وحجم الرأس وشكله، والشعر والشفاه والقامة، ولاحقا بفئة الدم، وكذلك الاختلاف الحضاري بين المجتمعات التي اكتشفت الكتابة والعجلة والفنون الراقية، من تلك التي لا تزال على ترحالها أو شظف عيشها.

ونتيجة هذا البحث "العلمي" الجاهد بظنّه في سعيه إلى الموضوعية، اكتشف أصحابه السعداء، كما كان حدسهم، أنهم على رأس التراتبية بين الأعراق. وإذا كان ثمة عرق يضاهيهم أو يزيد عليهم، في حساباتهم، في النجاح والإنتاج (أي اليهود)، فذاك ليس لتفوق طبيعي بل نتيجة لمؤامرة لم يسع لحكماء هؤلاء المتآمرين إلا أن يدوّنوها ليفضحوا مكائدهم.

الواقع أن "علم الأعراق" في مطلع القرن الماضي لم يأت بالجديد. قبله كان "السود" محط لعنة "حام ابن نوح" الكتابية التي ألزمتهم عقاب العبودية، وكان "اليهود" قتلة الإله وأكلة فطير الدم الذين يستحقون الإهانة والتنكيل، فإذ بالعلم، في زمن المكانة العليا للعقلانية يعيد إنتاج المادة نفسها برداء جديد.

في ثلاثينيات القرن الماضي أتى الدفع لهذه التعبئة من الخطابات النارية لدعاة الوعي العرقي

​​في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومع نجاح حملة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في فرض اعتبار ما كانت الثقافة هنا قد تجاهلته من تمييز قائم على القناعة بالفروق العرقية، شهدت الولايات المتحدة والعالم تبدلا في الموقف المعلن باتجاه إقرار مطلق المساواة بين الناس جميعا من حيث الطبيعة، والإصرار على أن الفروق العرقية سطحية ومحصورة بالجسد دون العقل، بل إن العقل عند الولادة مادة خام قابلة للملء والتوجيه من محيطه، وإذ كان ثمة اختلاف في الأداء الدراسي بين الأعراق، فلا بد من إعادته إلى الخلفية الاجتماعية والتاريخية.

لا يزال هذا الموقف هو الأصل المعتمد رسميا في الخطاب العام كما في المواقف العلمية. غير أنه لم يعد منسجما مع واقع بحثي متكاثر، ولا سيما استطلاعات "معدلات الذكاء"، بما ينسب إلى طبيعتها الحسابية من دقة علمية مفترضة. وكان الباحث تشارلز موري في التسعينيات قد أثار ضجة ونقد وإدانة حين أصدر دراسة في هذا المضمار تضع الأفارقة الأميركيين في الترتيب الأدنى في "معدلات الذكاء" (وتمنح اليهود الأشكناز والآسيويين المراتب الأولى).

والإضافة الجديدة الهامة إلى "علم الأعراق" هي في إمكانية تبين الأصول العرقية من الحمض النووي الوراثي، وتطبيق تقنيات البحث هذه على المجتمعات القائمة، لتبيان تمايزها وتماهيها (لإظهار انفراد أقلية ما عن محيطها مثلا، أو لإثبات وحدة شعب منتشر في أصقاع عدة)، أو حتى على مخلفات الحضارة البائدة لاستنسابها.

وإذا كان ثمة تحفظ لا يزال قائما في الولايات المتحدة وعموم الغرب إزاء "الدراسات" العرقية، فإن التنظير حول الفوارق ومقتضياتها يبدو أكثر إطلاقا للعنان في الدول التي كانت سابقا ضمن المنظومة الاشتراكية، ومنها تنتقل بخلاصتها إلى الهامش في العالم الغربي ثم تترشح إلى عموم المجتمع والثقافة.

هذه الظاهرة تتطلب بعض الملاحظات:

الأولى هي أن النتائج العلمية المفترضة تأتي في غالبيتها العظمى مؤكدة للقناعة العرقية القائمة بل تعيد إنتاج موقف "الفرقة" ذاته وإن انطلاقا من حجج جديدة.

الثانية هي أن الدراسات غالبا ما تتنافى، أي يدحض جديدها قديمها، ويؤخذ بآخرها أو أكثرها تأكيدا لقناعة الفرقة دون نقد للتمسك السابق بالدراسة الساقطة بما يلقي الشك على الاعتناق المشابه المستجد.

الثالثة هي أن دراسة "معدلات الذكاء"، إذ تدعي الموضوعية، تنطلق من اعتبار السياق التعليمي الاجتماعي الفكري الغربي معيارا، وعليه تقيس. ثمة نقاط تلاقي بين هذا السياق ونظيره الآسيوي، بل هذا الأخير أكثر شدة وتطلبا. أما إلزام كافة المجتمعات بهذا المعيار فأمر قابل للنقد، وإن لم يكن النقد قد ارتقى إلى القدر الوافي بعد.

هل ثمة فروق طبيعية بين الأعراق؟ الإجابة على هذا السؤال تبتدئ بتعريف العرق، وهو ما لا توافق بشأنه خارج القناعات الشعبية. فحيث يرى العامة فرز بديهي بين "الأبيض" و "الأسود" و "الأصفر"، تنتفي هذه الأنواع وتزول الحدود بينها عند أي استعراض أكثر شمولا للانتشار الإنساني. ورغم الاختزال في الشكل الشائع لتحليل الحمض النووي الوراثي، بما يمنح الفرد نسب مئوية لانتماءات عرقية مختلفة، فإن الأقرب إلى الصواب العلمي، في صيغته الحالية، هو أن كل "عرق" يفرزه التحليل هو نطاق تعددي لتضافر السمات الوراثية بنسب متفاوتة، مع إمكانية التباعد ضمن "العرق" الواحد بما يزيد عنه بين الأعراق، المتقاربة منها والمتباعدة.

فالاختزال في النتائج، إذ تقدم عليه مختبرات التحليل لتقديم ما يرضي المستهلك، أي من يرسل المادة الوراثية لتقصي أصوله، هو بدوره شكل آخر من أشكال إعادة إنتاج القناعات، والتي تنصب في إعادة الاعتبار لعلم الأعراق كموضوع معرفي مبني على الأسس العقلانية، ومؤسس بالتالي للرأي والقرار والعمل.

يعود "علم الأعراق" إلى التأثير في الخطاب الفكري في عالم اليوم

​​ليس من باب الصدفة مثلا أن المعتدي على الكنيس اليهودي في كاليفورنيا الشهر الماضي كان قد اطمأن إلى عرقيته من خلال تحليل وراثي، قبل أن يقرّر الشروع بحربه العرقية المقدسة. وهذا المعتدي ليس وحيدا، فعلم الأعراق بصيغته الجديدة قد لا ينحدر إلى مستوى جهود التنظيف العرقي والتي انغمست بها الولايات المتحدة قبل مئة عام، ولكنه يضع بمتناول من هو مشحون عرقيا ابتداء أداة جديدة للتعبئة.

في ثلاثينيات القرن الماضي أتى الدفع لهذه التعبئة من الخطابات النارية لدعاة الوعي العرقي. هؤلاء لا يزالون اليوم متحفظين، فيما التجنيد يحصل تلقائيا عبر انشار معطيات علوم الأعراق. والنتيجة في الحالتين واحدة، تراجع "الجماعة" الإنسانية كمفهوم موحّد، وارتفاع حدة التشنج بما يزيد من الخطر غير المحسوب.

اقرأ للكاتب أيضا: قرائن 'المؤامرة' في الخطاب السياسي العربي (4): 'الفوضى الخلّاقة'

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.