إسلاميون سودانيون يتظاهرون للدعوة إلى الاستمرار بتطبيق الشريعة
إسلاميون سودانيون يتظاهرون للدعوة إلى الاستمرار بتطبيق الشريعة

بابكر فيصل/

"ولئن ساغت العلمانية في بلاد أوروبا لأن النصرانية مُحرَّفة، ولأن رجال الدين سيطروا على عقول الناس وقلوبهم، وحاربوا العلم والعلماء حربا لا هوادة فيها، ولأن النصرانية لا تتضمن نظاما متكاملا عن الحياة، فإنها لا تسوغ في مجتمعات المسلمين بحال، لأن الإسلام دين شامل متكامل يستغرق قضايا الدنيا والآخرة، ويلبي مطالب الروح والجسد، ونصوصه الكلية تندرج تحتها من أحكام الجزئيات ما لا يتناهى".

الحديث أعلاه هو جزء مقتطع من إجابة مطولة لرجل الدين السلفي السوداني، عبد الحي يوسف، عن السؤالين التاليين اللذين سألهما أحد أصدقاء موقع "المشكاة" الإلكتروني: ما هو حكم الديمقراطية والعمل بها في الإسلام؟ ما هو حكم العلمانية في الإسلام؟

عدم وجود نظرية سياسية في الإسلام يؤكد أن شمولية الدين تعني اكتفائه بوضع القيم والمبادئ العامة

​​من المعلوم أن جميع تيارات الإسلام السياسي تبني دعوتها إلى ضرورة تطبيق الشريعة وأسلمة الدولة وعودة الخلافة على ادعاء يقول إن الإسلام دين شامل لكل نواحي الحياة وبالتالي فإنه من المستحيل فصله عن الدولة مثلما حدث في الديانة المسيحية التي يقولون إنها تختلف اختلافا جذريا عن الإسلام.

وقد شرح الدكتور يوسف القرضاوي فكرة الشمول هذه في كتابه "التربية السياسية عند الإمام حسن البنا" بالقول إنها تعني: "أن الاسلام يشمل الحياة كلها بتوجيهه وتشريعه: رأسيا منذ يولد الإنسان حتى يتوفاه الله. بل من قبل أن يولد وبعد أن يموت حيث هناك أحكام شرعية تتعلق بالجنين وأحكام تتعلق بالإنسان بعد موته. وأفقيا، حيث يوجه الإسلام المسلم في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية من أدب الاستنجاء إلى إمامة الحكم وعلاقات السلم والحرب".

وعند سيد قطب أن "الدين هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة، وهو في الإسلام يعتمد على العقيدة، ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة"، وهذا يعني أن الإسلام يشمل الحياة الإنسانية برمتها ابتداء من السياسة إلى شؤون الحياة الفردية.

بهذا المعنى فإن الدين لدى تيارات الإسلام السياسي ودعاة تطبيق الشريعة ـ وكما يقول صلاح سالم ـ يكون شاملا فقط عندما يتحدث في كل شيء ولا يسكت عن أي شيء، وعندما يطرح كل الأسئلة ويقدم جميع الإجابات، أو كما قال عبد الحي يوسف في إجابته أعلاه عندما "يستغرق قضايا الدنيا والآخرة".

ولكن على العكس التام مما يدعيه هؤلاء فإن شمولية الدين واستمرار فاعليته تكمن في عموميته وتساميه عن الوقائع المتجددة وعدم تدخله في تفاصيل الحياة المتغيرة، فهو يطرح الإجابات على الأسئلة الوجودية الأساسية حول الحياة والموت، خلق الكون ومسيره ومآله الأخير، مصير الإنسان والقيم التي يجب أن تحكم حياته.

رجل الدين السلفي السوداني، عبد الحي يوسف

​​إن اكتفاء الدين بطرح المبادئ والتصورات والقيم الكبرى وامتناعه عن الاستغراق في الشؤون التفصيلية المرتبطة بكيفية إنزالها على واقع الناس في الحياة هو الذي يؤكد على شموليته، وهذا هو الأمر الذي يثبته النص الديني (القرآن) والتجربة التاريخية الإسلامية.

في مسألة السياسة والحكم، يؤكد القرآن على قيم عامة أساسية مثل الحرية والعدل والشورى، ولكنه يصمت عن كيفية تطبيقها في الواقع الحياتي المتغير، ولا يضع تفصيلات محددة يجب إتباعها في جميع الأحوال والأوقات، وكذلك فعل الرسول الكريم في واقع الممارسة التاريخية، فهو لم يترك لأصحابه دليلا تفصيليا لكيفية تسيير شؤون المسلمين بعد رحيله، وكذلك امتنع عن اختيار من يخلفه في إدارة أمرهم.

قد جاء اختيار أبو بكر الصديق في السقيفة بأسلوب غلب عليه النزاع بين المهاجرين والأنصار من جهة وبين آل بيت الرسول وبعض كبار الصحابة من جهة أخرى. فالأنصار الذين يئسوا من تولية سعد بن عبادة بعد أن رأوا تشبث عمر وأبي بكر قالوا "منا أمير ومنكم أمير" ليجيبهم الصديق "منا الأمراء ومنكم الوزراء".

وعند وفاته، لم يترك أبو بكر شأن تولية من يخلفه إلى عامة المسلمين أو حتى أهل الحل والعقد، بل أوصى لعمر بن الخطاب بكتاب مغلق بايع عليه المسلمين قبيل وفاته دون أن يعلموا ما بداخله.

وعندما دنا عمر من ملاقاة ربه لم يتبع أسلوب السقيفة أو أسلوب الصديِّق في الاختيار، بل قصر الاختيار على ستة أسماء "علي وعثمان وطلحة والزبير وابن عوف وسعد"، يختارون من بينهم من سيتولى الأمر.

القرآن والرسول أحجما عن وضع أسلوب مُفصَّل أو وسيلة معينة لاختيار الحاكم

​​أما علي بن أبي طالب فقد تمت توليته تحت ظلال السيوف وعلى أسنة الرماح بموافقة بعض الأمصار ورفض البعض الآخر، عقب فتنة اغتيال ذي النورين. وبعد اغتيال علي انفرد معاوية بن أبي سفيان بحكم المسلمين، ومع توليه إمارة المسلمين تحول الحكم إلى مُلك عضوض واختفت حتى اليوم كل أساليب الاختيار عدا أسلوبي الغلبة والوراثة.

وإذا كان القرآن والرسول قد أحجما عن وضع أسلوب مُفصَّل أو وسيلة معينة لاختيار الحاكم، فإنهما كذلك لم يضعا نظاما معينا للحكم يُحِّدد سلطات ذلك الحاكم وصلاحياته، وآلية اتخاذ القرار في الدولة، والفترة الزمنية التي يبقى فيها الحاكم على سُدَّة الحكم، وغير ذلك من الأمور التفصيلية التي يجب توافرها في أنظمة الحكم.

يقول قاسم أمين في إطار حديثه عن الخلافة الإسلامية: "أما من جهة النظامات السياسية فإننا مهما دققنا البحث في التاريخ الإسلامي لا نجد عند أهل تلك العصور ما يستحق أن يُسمى نظاما، فإن شكل حكومتهم كان عبارة عن خليفة أو سلطان غير مُقيد، يحكم موظفين غير مُقيدين... ربما يُقال إن هذا الخليفة أو السلطان يُولى بعد أن يُبايعه أفراد الأمة، وأن هذا يدل على أن سلطته مستمدة من الشعب صاحب الأمر. ونحن لا ننكر هذا، ولكن هذه السلطة التي لا يتمتع بها الشعب إلا بضع دقائق هي سلطة لقيطة، أما في الحقيقة فإن السلطان هو وحده صاحب الأمر".

إن عدم وجود نظرية سياسية في الإسلام يؤكد ما ذهبنا إليه من أن شمولية الدين تعني اكتفاءه بوضع القيم والمبادئ العامة التي يجب أن تلتزم بها السلطة السياسية في المجتمع دون الخوض في تفاصيل الأشكال والآليات التي تتخذها السلطة في إنزال تلك المبادئ إلى الواقع التطبيقي. إنها "شمولية وجودية" وليست "شمولية سياسية" بحسب تعبير صلاح سالم.

لم يترك الرسول لأصحابه دليلا تفصيليا لكيفية تسيير شؤون المسلمين بعد رحيله

​​ولعل من أبلغ العبارات الدالة على شمولية الإسلام الوجودية وليست السياسية هي تلك المنسوبة للفقيه ابن القيم: "أينما يكون العدل فثم شرع الله". هذه المقولة الدالة تبين أن أحد المقاصد الكلية للدين هو تحقيق العدل وبالتالي فإنه ليس مهما نوع النظام السياسي (الوسيلة) الذي يتم عن طريقه الوصول لتلك الغاية، بل إن تنزيلها إلى أرض الواقع والممارسة وحده كفيل بإعطائها الصفة الإسلامية.

يظن دعاة أسلمة الدولة خطأ أن غياب القيم الوجودية الكبرى من شاكلة الشورى والعدل والحرية عن العالم الإسلامي إنما يرجع لغياب الدولة الإسلامية "الخلافة"، وأن عودة الأخيرة سيضمن إنزال تلك القيم على أرض الواقع ضربة لازب، ويفوت عليهم أن تلك القيم لم تسد طوال تاريخ الخلافة إلا في فترات استثنائية قصيرة جدا، وأن غيابها لم يكن بسبب زوال الخلافة بل كان بسبب الاستبداد الذي كان سمة تلك الفترة من تاريخ البشرية جمعاء.

وبالتالي فإن أي محاولة لأسلمة الدولة أو استعادة الخلافة لن تجدي في بسط القيم الكبرى التي ينادي بها الإسلام طالما أن توجهات تلك الدولة ظلت قائمة على أسس الاستبداد الذي كان سائدا قبل ظهور الدولة الحديثة، وطالما أنها ترفض نظام الحكم الديمقراطي الذي لا تكتمل أركانه إلا بالعلمانية السياسية.

اقرأ للكاتب أيضا: عقوبة الرجم: حول روايات اعتراف ماعز بالزنا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.