الملك السعودي ورئيس السلطة الفلسطينية خلال القمة العربية الأخيرة
الملك السعودي ورئيس السلطة الفلسطينية خلال القمة العربية الأخيرة

نضال منصور/

قبل أن ينتهي شهر رمضان انقسم العرب إلى "عربين"، فمنهم من اتّبع المملكة العربية السعودية في تحديد موعد عيد الفطر، ومنهم من خالفها ولم يلتزم برؤيتها للهلال وأكمل الصيام.

ربما لا يكون الأمر سياسيا محضا، ولا يغدو أكثر من اجتهاد فقهي، لكن الشارع العربي أكثر من يعرف كيف يقرأ الإشارات السياسية، ويعرف أيضا آليات التعبير عن الخصومات والمناكفات و"الحرد" السياسي بين أنظمة الحكم.

لم يكن الخلاف على موعد عيد الفطر سوى هزة ارتدادية عاجلة للخلافات الصامتة التي شهدتها القمم الثلاث التي استضافتها مكة (مؤتمر مجلس التعاون الخليجي، القمة العربية الطارئة، القمة الإسلامية) وشهدت انقساما واختلافا آخر عنوانه مع من الصراع في المنطقة، هل هو مع إسرائيل أم مع إيران؟

الأردن كان يصوم ويفطر وفق الأجندة السعودية، وهذا العام لأول مرة يخالفها

​​السعودية التي استطاعت جمع قادة الدول العربية والإسلامية خلال أيام في قمم طارئة كانت تريد كسب التأييد لمواقفها المتصادمة مع إيران، وخلق موقف إقليمي معاد لها، ردا على ما وصفته بـ "أعمالها الإجرامية"، بعد اتهامها بتهديد حركة الملاحة، واستهداف محطات ضخ النفط، ودعم "الحوثيين" الذين يستهدفون المملكة بطائرات مسيرة، لكن ما تريده السعودية وتؤازرها الإمارات لم يجد الدعم المطلق، وخرجت أصوات لتعلن تمردها على هذه الأجندة، وتجاهر في مخالفتها ونقدها.

الخلافات الصامتة ظهرت على السطح، قطر بعد انتهاء أعمال القمة وعلى لسان وزير خارجيتها ـ وكأنها تكشف سرا ـ نوهت بأن البيانات أعدت مسبقا ولم يجر التشاور حولها، والعراق اعترض على البيان الختامي للقمة العربية، وسوريا اعتبرت البيان تدخلا في شؤونها مشيرة الى أن "الوجود الإيراني على أراضيها جاء بطلب منها"، وإيران قالت إن "السعودية استغلت فرصة شهر رمضان المبارك ومكة المكرمة كمكان مقدس لأغراض سياسية".

بعيدا عن معارك وسائل التواصل الاجتماعي فإن خلط الأوراق كان مقلقا جدا للأردن الذي يحتفظ بعلاقات متميزة مع السعودية والإمارات، ففي كلمة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تجنب توجيه انتقادات مباشرة إلى إيران، واكتفى بالقول "نؤكد في الأردن وقوفنا إلى جانب أشقائنا العرب في الدفاع عن مصالحهم والحفاظ على أمنهم، واستقرارهم، ورفضنا الحازم لأي تدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية الشقيقة، أو تهديد لسيادتها أو أمنها بأي شكل من الأشكال، والتي كان آخرها ما تعرضت له دول الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية من اعتداءات مدانة ومرفوضة".

كانت هذه الكلمات عابرة في خطاب ملك الأردن في القمة العربية، ولم يذكرها في خطابه بالقمة الإسلامية، وإنما خصص جل كلامه للتذكير بالقضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع في المنطقة، وأسهب في التأكيد على أهمية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مرورا بأهمية معالجة قضايا الوضع النهائي وفي مقدمتها قضيتا القدس واللاجئين، والتذكير بأهمية دعم صمود المقدسيين والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

قرأ الناس في عمان خطاب الملك في القمتين بأنهما ابتعاد وإزاحة عن السياسات والتوجهات السعودية، ولهذا فما أن أعلن مفتي المملكة الأردنية الهاشمية أن يوم الثلاثاء الماضي آخر يوم من أيام شهر رمضان حتى حفلت السوشيل ميديا بآلاف التعليقات التي تعلن الانفكاك عن التبعية السعودية، فالشائع والمعروف أن الأردن كان يصوم ويفطر وفق الأجندة السعودية منذ سنوات طويلة، وهذا العام ولأول مرة يخالف التوقيت السعودي للعيد.

قمم مكة لم تُقرأ فقط بأنها تعبئة وتحشيد ضد إيران، بل فُهمت على أنها توطئة وتمهيد لورشة العمل الاقتصادية في المنامة والتي ستُعقد تحت عنوان "السلام من أجل الازدهار"، التي دعت لها الولايات المتحدة الأميركية وتستضيفها البحرين، وهو ما زاد المخاوف والهواجس وأيقظ الخلافات من سباتها، فورشة المنامة التي لا يزال تنظيمها على الأجندة نهاية الشهر الجاري (حزيران/يونيو) تأتي في سياق مشروع ترامب ـ كوشنير لما يُعرف بـ "صفقة القرن"، والورشة ليست أكثر من خديعة والتفاف على مسار الحل السياسي، والإيهام بأن المنافع الاقتصادية ستذلل العقبات والمشكلات، والأمر ليس أكثر من "بروباغندا" وفقاعات هواء ستنفجر سريعا.

أعجبتني كلمة لرجل الأعمال الفلسطيني الأميركي سام بحور حين قال "إحياء الاقتصاد للفلسطينيين لا يحتاج خطة كبرى، وهو لا يحتاج ورشة عمل، إنه يتطلب أن ترفع إسرائيل حذاءها العسكري عن الجزء الاقتصادي من عنقنا على الأقل".

بعد الدعوة لانتخابات إسرائيلية جديدة، وتلاشي حلم نتانياهو بتشكيل حكومة، قد لا يستمر الحماس الأميركي لانعقاد الورشة الاقتصادية في البحرين، وحتى وعد ترامب ـ كوشنير بإعلان "صفقة القرن" بعد عيد الفطر قد يتأجل ولا يتحقق، فالسلطة الفلسطينية لا تزال تبدي تماسكا في رفض الصفقة، ومصير نتانياهو أصبح في خطر، والملاحقة القانونية في اتهامات الفساد قد تطاله قبل انتخابات الكنيست، وحتى الحلفاء التقليديين مثل الأردن يُظهرون تخوفا واضحا، وحتى رفضا لـ "صفقة القرن" التي يعتقدون أنهم سيكونون ضحايا من ضحاياها.

"صفقة القرن" لها أتباع ومريدين في العالم العربي من أصدقاء ترامب وكوشنير، وهؤلاء مهما امتلكوا من قوة وتأثير لا يستطيعون أن يعطوا شرعية لأي حل سياسي دون مباركة وموافقة الفلسطينيين، وهذا ما كان طوال العقود الماضية منذ عام 1948 وحتى الآن.

إذا ما انهارت السلطة الفلسطينية أو قررت أن تحل نفسها، ما هي التداعيات على المنطقة

​​كثيرة هي الحلول التي قُدمت على طاولة المفاوضات، وربما يُنظر لها الآن على أنها كانت فرصة لا تعوّض للفلسطينيين، والذاكرة لا تنسى الأيام الطويلة التي قضاها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون للتوصل لتسوية سياسية، ولكنه لم ينجح لأنه لم يحظ بتوقيع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي ما زال سبب موته سرا.

لا ينتظر السلطة الفلسطينية وحتى الأردن أيام مشرقة إذا ما قررت الإدارة الأميركية المضي في الضغط للقبول بتسوية سياسية لصالح إسرائيل وتعصف بالحقوق الفلسطينية والمصالح الأردنية، وربما تحمل قادم الأيام في ظل الحصار السؤال الأخطر؛ متى ستنهار السلطة الفلسطينية، وإذا ما انهارت أو قررت أن تحل نفسها، ما هي التداعيات على المنطقة، وما هو مصير إسرائيل بعد وقف التعاون الأمني، وهل ستكون قادرة على مواجهة الانفلات الأمني وتحول الضفة الغربية إلى غزة جديدة؟

ربما لا تذهب أميركا إلى سياسة السقوط وتُبقي الأمر على الحافة، لكن المؤكد أن حلول إدارة ترامب تفتقد الدعم في المنطقة، ليس عند الشعوب فقط، وإنما عند أنظمة عربية تراها مهددة لاستقرارها وعروشها.

اقرأ للكاتب أيضا: حين تسافر ويأبى الوطن أن يغادرك

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.