Sudanese protesters
Sudanese protesters

عمران سلمان/

بقراره مهاجمة المعتصمين السودانيين على هذا النحو الوحشي، والمفارق لكل ضمير أو أخلاق، كشف المجلس العسكري أنه ليس سوى عصابة من عصابات الجنجويد التي سبق أن مارست أعمال القتل والاغتصاب والتعذيب وجرائم الحرب ضد سكان دارفور، وأفلتت للأسف من العقاب بسبب تراخي المجتمع الدولي والحسابات السياسية الضيقة.

سيناريو دارفور

وفي إعادة للذاكرة لما كان يحدث في دارفور، قامت عصابات الجنجويد التي باتت تعرف بقوات الدعم السريع يوم الاثنين، وبالتعاون (حسبما كشفت عنه الصحفية السودانية يسرا الباقر) مع جهاز الأمن والمخابرات الوطني ومليشيا الشرطة الشعبية ومليشيا الأمن الشعبي ومليشيا الدفاع ومليشيا الأمن الطلابي ومليشيا الشيخ عبد الحي الإسلامية، بأعمال القتل والتعذيب واستباحة الأعراض والممتلكات وإحراق المنازل ليس في موقع الاعتصام فقط ولكن في سائر الخرطوم، ما دفع والي العاصمة إلى الاستقالة من منصبه احتجاجا على ما يجرى.

على دول العالم ألا تكتفي فقط بإدانة أعضاء المجلس العسكري، وإنما أيضا المطالبة بتسليمهم للعدالة ومحاكمتهم

​​طبعا معظم هذه المليشيات هي من أجهزة النظام السابق، وجاءت مشاركتها في عمليات القمع والتنكيل بهدف وحيد وهو الانتقام من المحتجين ومحاولة إعادة الاعتبار للنظام السابق أو على الأقل إثبات قدرتها أنها لا تزال تسيطر على الوضع، رغم سقوط رموزها المهترئة. وثمة ما يشير إلى أن هذه المليشيات التي تتلقى أوامرها مباشرة من نائب رئيس المجلس العسكري، سوف تواصل انتهاكاتها في العاصمة وغيرها من المدن السودانية في الأيام المقبلة.

سقوط سريع

والواقع أن المجلس العسكري الذي فشل في الحصول على اعتراف أو قبول يعتد به، سرعان ما كشف عن وجهه الحقيقي بوصفه امتدادا لنظام البشير المعزول. ورغم المناورات الكثيرة التي قام بها من أجل تثبيت وضعه والحصول على شرعية ما، إلا أنه فشل في خداع السودانيين بأنه جزء من ثورتهم. هذا الانكشاف السريع من شأنه أن يسهل على قوى الثورة التعامل معه من الآن وصاعدا، فكل ما يقوله أو يفعله يندرج في إطار سياسة التدليس والكذب.

فاللجوء إلى القوة بهذا الشكل، قد تجاوز حتى ما فعلته الأنظمة العسكرية التي جاءت بها الانقلابات في المراحل السابقة. وهو لا ينم سوى عن اليأس والشعور بأن اللعبة التي حاول تسويقها منذ البداية عن انحيازه إلى المحتجين ضد النظام السابق، قد وصلت إلى نهايتها. فرفضه تسليم السلطة إلى حكومة مدينة وإصراره على مواقفه بأي ثمن، كانت إشارة واضحة، لا تقبل اللبس، على نواياه المبيتة في الاحتفاظ لنفسه بالحكم.

أكثر من ذلك فقد كشفت مشاركة آلاف المسلحين والمرتزقة في قمع المحتجين، أن المجلس العسكري، وخلافا للوعود التي قدمها لا يزال يبقي على الأجهزة الأمنية والمليشيات التابعة للنظام السابق، بكامل تسليحها وتنظيمها وقياداتها، ما يعني أنه يعتبرها جزءا منه.

محاسبة المجلس العسكري

إن الأمر المضحك والمثير للسخرية حقيقة هو أن المجلس العسكري الذي يسمى ما جرى مجرد "أحداث مؤسفة" يعترف بأن الأجهزة الأمنية المشتركة التابعة له (وهو هنا يقصد مليشيات الجنجويد والنظام السابق) هي من قامت بالمجزرة، وفي الوقت نفسه يأمر النيابة العامة بالتقصي والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها. بل يطالب السودانيين بتجاوز ما حدث وطي صفحة الماضي والتطلع إلى أخرى جديدة!

والحقيقة أن انكشاف المجلس العسكري على هذا النحو السريع والفاضح والدموي، هو رسالة ليس فقط للسودانيين، وإنما أيضا للمجتمع الدولي.

اللجوء إلى القوة بهذا الشكل، تجاوز حتى ما فعلته الأنظمة العسكرية التي جاءت بها الانقلابات في المراحل السابقة

​​رسالة للسودانيين بأن المجلس عازم على إجهاض ثورتهم وتحويلها إلى جسر له للبقاء في السلطة، سواء بالقوة إن لزم الأمر أو بالخداع عبر تنظيم انتخابات شكلية يفوز فيها الأقوى من بين أعضاءه.

وهي رسالة للمجتمع الدولي بأن عليه التحرك وتوفير الحماية للمحتجين، والإصرار على حل المجلس العسكري ونقل السلطة إلى حكومة مدنية.

وعلى دول العالم ألا تكتفي فقط بإدانة أعضاء المجلس العسكري، وإنما أيضا المطالبة بتسليمهم للعدالة ومحاكمتهم على ما ارتكبوه من جرائم ضد السودانيين، ولا سيما قوات الدعم السريع التي نكلت من قبل بأهالي دارفور.

اقرأ للكاتب أيضا: الصراع المسكوت عنه في المنطقة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.