دبابة إسرائيلية من صنع فرنسي في مرتفعات الجولان خلال حرب 1967
دبابة إسرائيلية من صنع فرنسي في مرتفعات الجولان خلال حرب 1967

د. عماد بوظو/

في مثل هذا اليوم، السابع من يونيو/حزيران، قبل 52 عاما كانت منطقة الشرق الأوسط تعيش اليوم الثالث من حرب الأيام الستة، وأصبح من المؤكّد أن الجيوش المصرية والسورية والأردنية في طريقها لتلقي أكبر هزيمة في تاريخها.

رغم كل الدراسات والأبحاث التي أجريت منذ ذلك الوقت لتحليل أسباب وملابسات ما حدث في هذه الحرب ومحاولة الاستفادة من أخطائها، لكن شيئا لم يتغيّر في طريقة التعاطي العربي مع الأزمات والتحديات التي تواجه الشعوب والدول العربية وخاصة على مستوى الإعلام، الذي ما زال يتّبع نفس أساليب الستينيات لجهة انعدام المصداقية وعدم احترام عقل جمهوره، وإصراره على الاستمرار في صناعة الوهم، والمحافظة على دوره كعامل رئيسي في سلسلة الهزائم المتواصلة منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.

لا يبدو أن الإعلام العربي تعلم شيئا من أخطاء الماضي

​​مهّد الإعلام العربي الأرضية المناسبة لهذه الحرب وللهزيمة فيها، عندما جعل من حرب السويس عام 1956 انتصارا شخصيا لجمال عبد الناصر، رغم أن سبب انسحاب بريطانيا وفرنسا وإسرائيل من قناة السويس وسيناء دون تحقيق أي مكاسب كان تغير ميزان القوى الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وبروز قوى جديدة مهيمنة، هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

وبعد نسب هذا "الانتصار" لعبد الناصر بدأ الإعلام بالترويج لزعامته، ومباركة وتأييد كل ما يتخذه من إجراءات والحديث عن وقوف الجماهير العربية خلفه من المحيط إلى الخليج، مما كان يدفعه نحو مزيد من المغامرات المرتجلة والسياسات الشعبوية كالوحدة مع سوريا والحرب في اليمن، والتي انتهت فيما بعد إلى اتخاذه قرارات أكثر تهورا مثل إخراج القوات الدولية من سيناء وإغلاق مضائق تيران.

كما عجز هذا الإعلام عن مخاطبة العالم، فقد كان فيه من يتحدث عن رمي اليهود في البحر ويعبّر عن ذلك بصور كاريكاتورية فيها بوط عسكري ضخم يدوس أو يركل شخصا صغير الحجم عليه رموز تشير لكونه إسرائيلي، وكانت إسرائيل تنقل ذلك إلى الغرب والعالم لاستدرار العطف عليها، ونجحت في ذلك خصوصا وأن مآسي الهولوكوست كانت ما تزال حديثة في العقل الغربي، في هذا الوقت كان القادة العسكريون الإسرائيليون يعرفون توازن القوى الحقيقي على الأرض وواثقون من قدرتهم، ولكن إعلامهم كان حريصا على تصوير الوضع وكأن إسرائيل في خطر حتى تتمكن من الحصول على أكبر دعم ممكن.

في الأسابيع التي سبقت الحرب كان الإعلام العربي يؤكد على اكتمال الاستعدادات العسكرية، وانتقال القوات إلى ميدان المعركة وجاهزيتها وانضمام قوات من دول عربية بعيدة إلى خطوط المواجهة وتشكيل قيادة عسكرية موحدة للجيوش العربية ولكن كل ذلك لم يحدث سوى على الورق وفي وسائل الإعلام، باستثناء دخول أرتال من الدبابات المصرية إلى سيناء باتجاه الجبهة دون خطة عسكرية لما بعد ذلك، بحيث كان الانطباع بأن الموضوع لم يكن سوى موقف سياسي قوي مترافق مع استعراض عسكري لإحداث تأثير نفسي في إسرائيل.

ففي 20 من أيار/مايو صرّح وزير الإعلام السوري حينها، محمد الزعبي، لوكالة الشرق الأوسط المصرية أن "الوقفة الجبارة للقوى الثورية والتقدمية العربية قد أثبتت أن قوة دولة العصابات ليست سوى نمر من ورق هش مهترئ"، وأكد على نفس هذا الانطباع مستشار الملك حسين ووزير الإعلام الأردني الأسبق سمير مطاوع الذي نقل عن الملك حسين: "من المرعب أن نرى المصريين يتعاملون مع الأزمة وكأنها مناورة سياسية وليست مقدمات للحرب"، أي كان الإعلام العربي يدفع باتجاه حرب دون أن يكون هناك رغبة أو استعداد عند القيادات السياسية والعسكرية لخوضها.

مع بداية الحرب وصل التباين بين ما يحدث على الأرض وما تنقله وسائل الإعلام العربية إلى أقصاه، فبينما كانت عناوين الصحافة المصرية تتحدث عن بداية الزحف إلى تل أبيب وتوغل القوات المدرعة المصرية داخل إسرائيل وإسقاط 86 طائرة إسرائيلية، كانت إسرائيل قد دمّرت على الأرض القوة الجوية المصرية وبدأت هجومها البري على محورين في شمال وجنوب سيناء.

مهّد الإعلام العربي الأرضية المناسبة لهذه الحرب وللهزيمة فيها

​​وفي سوريا أصدر الناطق العسكري في اليوم الأول للحرب 25 بيانا عسكريا تحدثت عن الكثير من العمليات الوهمية وإسقاط 50 طائرة إسرائيلية، ولكن الذي حدث في الواقع كان تدمير ثلثي القوات الجوية، كذلك اقتصرت الحرب في الجبهة الأردنية على مناوشات بسيطة، أما ما نقله الإعلام عن احتلال القوات الأردنية لجبل المكبّر فقد كان عبارة عن دخول بضعة جنود أردنيين إلى مقر للأمم المتحدة جنوب القدس.

وفي الوقت الذي كانت "الجماهير العربية" تحتفل في الشوارع بالانتصارات الوهمية التي ينقلها الإعلام، كانت أوامر موشي ديان تقضي بفرض الصمت على الإعلام الإسرائيلي، فاقتصرت البيانات الإسرائيلية على الإشارة إلى وقوع اشتباكات دون الحديث عن أي تقدّم خوفا من مطالبة الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، حتى أن بعض الإسرائيليين لم يعلموا عن الحرب حتى سمعوا صفارات الإنذار.

كان الجنود الفارّون من الجبهات هم أول من نقل الأخبار السيئة للشعوب في الدول العربية، لأن التضخيم الإعلامي للقوة العربية قبل الحرب جعل من الصعب الاعتراف بالهزيمة وبحجم الخسائر ودرجة الإذلال التي تعرضت لها الجيوش العربية.

وفي متابعة لدوره الضار، اختار الإعلام العربي الولايات المتحدة الأميركية ليحمّلها مسؤولية الهزيمة، دون وجود سبب يبرر ذلك أو فائدة من وضع أكبر قوة في العالم في خانة الأعداء؛ فتسليح الجيش الإسرائيلي كان حتى ذلك الوقت فرنسيا بما فيه سلاح الجو الذي كان يتكون من طائرات ميراج وسوبر ميستير، والمشروع النووي الإسرائيلي ومفاعل ديمونة الذي بدأ تشغيله عام 1963 كان نتيجة للتعاون الفرنسي الإسرائيلي.

والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 كان بريطانيا فرنسيا إسرائيليا، والولايات المتحدة هي من ضغطت لإجبار هذه الأطراف على الانسحاب من الأراضي المصرية. وليس للولايات المتحدة ماضيا استعماريا في المنطقة العربية التي تقاسمتها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بل طالبت مبادئ الرئيس الأميركي ويلسون بحق تقرير المصير للشعوب الخاضعة للاستعمار الأوروبي.

وقبل الحرب بعدة أيام أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول وزير خارجيته أبا إيبان إلى واشنطن وطلب من الرئيس جونسون معرفة إمكانية قيام الولايات المتحدة بإجبار مصر على فتح مضائق تيران، فأجابه جونسون أن حرب فيتنام قد قيّدته وأنه لن يتمكن من فتح المضائق بالقوة الأميركية، ورغم ذلك كان الإعلام العربي يهاجم الولايات المتحدة وكأنه يدفعها للتقارب أكثر مع إسرائيل.

في متابعة لدوره الضار، اختار الإعلام العربي الولايات المتحدة الأميركية ليحمّلها مسؤولية الهزيمة

​​لا يبدو أن الإعلام العربي تعلم شيئا من أخطاء الماضي فعلى نفس الطريق سار بعد سنوات صدام حسين، عندما أقنعه إعلامه أنه حقق انتصارا كبيرا في حربه مع إيران، وأن الجيش العراقي قد أصبح رابع قوة عسكرية في العالم، وأنه أصبح قائد وفارس العرب في العصر الحديث، مما جعله جاهزا لارتكاب الحماقات ودفعه إلى احتلال الكويت، كذلك لم يستمع بعد ذلك لنصائح أصدقائه بالانسحاب من الكويت قبل الهزيمة المؤكدة التي سرعان ما أتت.

وهذا هو وضع النظام الإيراني اليوم، حيث أن تضخيم إعلامه وإعلام حلفائه لقوته يمنعه من تقدير حقيقة حجمه، إذ رغم أن الوظيفة الرسمية للإعلام في الأنظمة الديكتاتورية هي في أن يكون بوقا للسلطة الحاكمة، ولكنه عند قيامه بمهمته تلك يدفع هذه السلطة للغرور والتهور والقيام بتصرفات غير مدروسة، ومن الممكن ملاحظة ذلك اليوم في كافة الدول العربية.

اقرأ للكاتب أيضا: تحريم التبنّي، جريمة رجال الدين بحق الطفولة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة