دبابة إسرائيلية من صنع فرنسي في مرتفعات الجولان خلال حرب 1967
دبابة إسرائيلية من صنع فرنسي في مرتفعات الجولان خلال حرب 1967

د. عماد بوظو/

في مثل هذا اليوم، السابع من يونيو/حزيران، قبل 52 عاما كانت منطقة الشرق الأوسط تعيش اليوم الثالث من حرب الأيام الستة، وأصبح من المؤكّد أن الجيوش المصرية والسورية والأردنية في طريقها لتلقي أكبر هزيمة في تاريخها.

رغم كل الدراسات والأبحاث التي أجريت منذ ذلك الوقت لتحليل أسباب وملابسات ما حدث في هذه الحرب ومحاولة الاستفادة من أخطائها، لكن شيئا لم يتغيّر في طريقة التعاطي العربي مع الأزمات والتحديات التي تواجه الشعوب والدول العربية وخاصة على مستوى الإعلام، الذي ما زال يتّبع نفس أساليب الستينيات لجهة انعدام المصداقية وعدم احترام عقل جمهوره، وإصراره على الاستمرار في صناعة الوهم، والمحافظة على دوره كعامل رئيسي في سلسلة الهزائم المتواصلة منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.

لا يبدو أن الإعلام العربي تعلم شيئا من أخطاء الماضي

​​مهّد الإعلام العربي الأرضية المناسبة لهذه الحرب وللهزيمة فيها، عندما جعل من حرب السويس عام 1956 انتصارا شخصيا لجمال عبد الناصر، رغم أن سبب انسحاب بريطانيا وفرنسا وإسرائيل من قناة السويس وسيناء دون تحقيق أي مكاسب كان تغير ميزان القوى الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وبروز قوى جديدة مهيمنة، هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

وبعد نسب هذا "الانتصار" لعبد الناصر بدأ الإعلام بالترويج لزعامته، ومباركة وتأييد كل ما يتخذه من إجراءات والحديث عن وقوف الجماهير العربية خلفه من المحيط إلى الخليج، مما كان يدفعه نحو مزيد من المغامرات المرتجلة والسياسات الشعبوية كالوحدة مع سوريا والحرب في اليمن، والتي انتهت فيما بعد إلى اتخاذه قرارات أكثر تهورا مثل إخراج القوات الدولية من سيناء وإغلاق مضائق تيران.

كما عجز هذا الإعلام عن مخاطبة العالم، فقد كان فيه من يتحدث عن رمي اليهود في البحر ويعبّر عن ذلك بصور كاريكاتورية فيها بوط عسكري ضخم يدوس أو يركل شخصا صغير الحجم عليه رموز تشير لكونه إسرائيلي، وكانت إسرائيل تنقل ذلك إلى الغرب والعالم لاستدرار العطف عليها، ونجحت في ذلك خصوصا وأن مآسي الهولوكوست كانت ما تزال حديثة في العقل الغربي، في هذا الوقت كان القادة العسكريون الإسرائيليون يعرفون توازن القوى الحقيقي على الأرض وواثقون من قدرتهم، ولكن إعلامهم كان حريصا على تصوير الوضع وكأن إسرائيل في خطر حتى تتمكن من الحصول على أكبر دعم ممكن.

في الأسابيع التي سبقت الحرب كان الإعلام العربي يؤكد على اكتمال الاستعدادات العسكرية، وانتقال القوات إلى ميدان المعركة وجاهزيتها وانضمام قوات من دول عربية بعيدة إلى خطوط المواجهة وتشكيل قيادة عسكرية موحدة للجيوش العربية ولكن كل ذلك لم يحدث سوى على الورق وفي وسائل الإعلام، باستثناء دخول أرتال من الدبابات المصرية إلى سيناء باتجاه الجبهة دون خطة عسكرية لما بعد ذلك، بحيث كان الانطباع بأن الموضوع لم يكن سوى موقف سياسي قوي مترافق مع استعراض عسكري لإحداث تأثير نفسي في إسرائيل.

ففي 20 من أيار/مايو صرّح وزير الإعلام السوري حينها، محمد الزعبي، لوكالة الشرق الأوسط المصرية أن "الوقفة الجبارة للقوى الثورية والتقدمية العربية قد أثبتت أن قوة دولة العصابات ليست سوى نمر من ورق هش مهترئ"، وأكد على نفس هذا الانطباع مستشار الملك حسين ووزير الإعلام الأردني الأسبق سمير مطاوع الذي نقل عن الملك حسين: "من المرعب أن نرى المصريين يتعاملون مع الأزمة وكأنها مناورة سياسية وليست مقدمات للحرب"، أي كان الإعلام العربي يدفع باتجاه حرب دون أن يكون هناك رغبة أو استعداد عند القيادات السياسية والعسكرية لخوضها.

مع بداية الحرب وصل التباين بين ما يحدث على الأرض وما تنقله وسائل الإعلام العربية إلى أقصاه، فبينما كانت عناوين الصحافة المصرية تتحدث عن بداية الزحف إلى تل أبيب وتوغل القوات المدرعة المصرية داخل إسرائيل وإسقاط 86 طائرة إسرائيلية، كانت إسرائيل قد دمّرت على الأرض القوة الجوية المصرية وبدأت هجومها البري على محورين في شمال وجنوب سيناء.

مهّد الإعلام العربي الأرضية المناسبة لهذه الحرب وللهزيمة فيها

​​وفي سوريا أصدر الناطق العسكري في اليوم الأول للحرب 25 بيانا عسكريا تحدثت عن الكثير من العمليات الوهمية وإسقاط 50 طائرة إسرائيلية، ولكن الذي حدث في الواقع كان تدمير ثلثي القوات الجوية، كذلك اقتصرت الحرب في الجبهة الأردنية على مناوشات بسيطة، أما ما نقله الإعلام عن احتلال القوات الأردنية لجبل المكبّر فقد كان عبارة عن دخول بضعة جنود أردنيين إلى مقر للأمم المتحدة جنوب القدس.

وفي الوقت الذي كانت "الجماهير العربية" تحتفل في الشوارع بالانتصارات الوهمية التي ينقلها الإعلام، كانت أوامر موشي ديان تقضي بفرض الصمت على الإعلام الإسرائيلي، فاقتصرت البيانات الإسرائيلية على الإشارة إلى وقوع اشتباكات دون الحديث عن أي تقدّم خوفا من مطالبة الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، حتى أن بعض الإسرائيليين لم يعلموا عن الحرب حتى سمعوا صفارات الإنذار.

كان الجنود الفارّون من الجبهات هم أول من نقل الأخبار السيئة للشعوب في الدول العربية، لأن التضخيم الإعلامي للقوة العربية قبل الحرب جعل من الصعب الاعتراف بالهزيمة وبحجم الخسائر ودرجة الإذلال التي تعرضت لها الجيوش العربية.

وفي متابعة لدوره الضار، اختار الإعلام العربي الولايات المتحدة الأميركية ليحمّلها مسؤولية الهزيمة، دون وجود سبب يبرر ذلك أو فائدة من وضع أكبر قوة في العالم في خانة الأعداء؛ فتسليح الجيش الإسرائيلي كان حتى ذلك الوقت فرنسيا بما فيه سلاح الجو الذي كان يتكون من طائرات ميراج وسوبر ميستير، والمشروع النووي الإسرائيلي ومفاعل ديمونة الذي بدأ تشغيله عام 1963 كان نتيجة للتعاون الفرنسي الإسرائيلي.

والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 كان بريطانيا فرنسيا إسرائيليا، والولايات المتحدة هي من ضغطت لإجبار هذه الأطراف على الانسحاب من الأراضي المصرية. وليس للولايات المتحدة ماضيا استعماريا في المنطقة العربية التي تقاسمتها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بل طالبت مبادئ الرئيس الأميركي ويلسون بحق تقرير المصير للشعوب الخاضعة للاستعمار الأوروبي.

وقبل الحرب بعدة أيام أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول وزير خارجيته أبا إيبان إلى واشنطن وطلب من الرئيس جونسون معرفة إمكانية قيام الولايات المتحدة بإجبار مصر على فتح مضائق تيران، فأجابه جونسون أن حرب فيتنام قد قيّدته وأنه لن يتمكن من فتح المضائق بالقوة الأميركية، ورغم ذلك كان الإعلام العربي يهاجم الولايات المتحدة وكأنه يدفعها للتقارب أكثر مع إسرائيل.

في متابعة لدوره الضار، اختار الإعلام العربي الولايات المتحدة الأميركية ليحمّلها مسؤولية الهزيمة

​​لا يبدو أن الإعلام العربي تعلم شيئا من أخطاء الماضي فعلى نفس الطريق سار بعد سنوات صدام حسين، عندما أقنعه إعلامه أنه حقق انتصارا كبيرا في حربه مع إيران، وأن الجيش العراقي قد أصبح رابع قوة عسكرية في العالم، وأنه أصبح قائد وفارس العرب في العصر الحديث، مما جعله جاهزا لارتكاب الحماقات ودفعه إلى احتلال الكويت، كذلك لم يستمع بعد ذلك لنصائح أصدقائه بالانسحاب من الكويت قبل الهزيمة المؤكدة التي سرعان ما أتت.

وهذا هو وضع النظام الإيراني اليوم، حيث أن تضخيم إعلامه وإعلام حلفائه لقوته يمنعه من تقدير حقيقة حجمه، إذ رغم أن الوظيفة الرسمية للإعلام في الأنظمة الديكتاتورية هي في أن يكون بوقا للسلطة الحاكمة، ولكنه عند قيامه بمهمته تلك يدفع هذه السلطة للغرور والتهور والقيام بتصرفات غير مدروسة، ومن الممكن ملاحظة ذلك اليوم في كافة الدول العربية.

اقرأ للكاتب أيضا: تحريم التبنّي، جريمة رجال الدين بحق الطفولة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.