درج حزب الله على التصعيد في مطلع كل صيف
درج حزب الله على التصعيد في مطلع كل صيف

منى فياض/

نعجز عن متابعة وتيرة تهديدات إيران "اللفظية" لأميركا، أو "الشيطان الأكبر" في قاموسها؛ مع أنها بدأت تظهر "اللين" مؤخرا تجاه الدول العربية، مطالبة بمعاهدة عدم اعتداء معها! وتفرج عن نزار زكا، في مسايرة وإظهار حسن نية للبنانيين. إذ يبدو أنها ترغب برفع حملة "الويل والثبور" عن كاهلها؛ موكلة إياها إلى وكيل أعمالها اللبناني. أعني هنا، الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، الذي صعّد خطابه المتوتر ضد الجميع مؤخرا بعد فترة هدوء، إلى حد افتعال الهجوم على موقف رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في القمة العربية "الذي لم يحترم النأي بالنفس"! هذا النأي المنصوص عليه خصيصا كي يمتنع حزب الله بالذات عن التدخل في الشؤون العربية الداخلية!

تصعيد نصرالله هذا، ضرب، مرة أخرى، بعرض الحائط وجود الدولة اللبنانية من أساسها. مع ذلك يخفي تصعيده أكثر مما يظهر. يبدو أنه يجهد لإخفاء المعلومة التي يريد إيصالها، تجاوبا مع ما جاء به ديفيد ساترفيلد في جولته الأخيرة بين بيروت ـ تل أبيب. فالأخير، بحسب صحيفة الحياة، نقل معطيات وعرض صورا وخرائط لما نقل أنها مواقع منصات الصواريخ الدقيقة في لبنان، محذرا من أن واشنطن لا تستطيع إلا أن تأخذها بعين الاعتبار وأنها قد لا تتمكن من لوم إسرائيل عند القيام بعمل ما!

يبدو أن الشعب اللبناني قد تدجن وغلبه اليأس والاحباط لأنه لا يغضب ولا يحرك ساكنا

​​من هنا مسارعة الأمين العام إلى خطابه التهديدي عالي النبرة بشكل معاكس تماما لتمارين التهدئة التي كان يلعبها مؤخرا. ومع أنه أعلن امتلاكه صواريخ دقيقة الصنع؛ لكنه مرر، في الوقت ذاته، الجملة المفصلية "لا مصانع لتصنيع الصواريخ الدقيقة!". ولم ينس التهديد ببنائها في حال...

هذا التوتير الإضافي للأجواء يحصل على مشارف فصل الصيف، الذي كان يُنتظر أن يكون واعدا سياحيا، علّه يخفف من ثقل الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي يعيشها لبنان. ولقد درج حزب الله على التصعيد في مطلع كل صيف، وكأن هناك خطة لإضعاف الشعب اللبناني وإفقاره سواء برفع الضرائب والاقتطاع من الرواتب أو بشل الاقتصاد وتعطيل استعادة الحركة السياحية.

كل ذلك يدل على عدم الالتزام بمصلحة الدولة ومصلحة الشعب اللبناني ولا بإرادته؛ وعدم احترام الدستور أو القوانين، ما يضرّ بمصلحة الدولة العليا؛ الأمر الذي يهدد بالخراب الشامل؛ إذا لم يكن ما نعيشه خرابا كافيا بعد.

لكن إذا اعتمدنا مقولة فريدريك أنجلز: "في كل مكان تتناقض فيه بنية السلطة لبلد ما، مع النمو الاقتصادي لهذا البلد، تكون الهزيمة من نصيب السلطة السياسية وأدوات العنف التي تلجأ إليها".

فهذه السلطة السياسية، التي تحكم بإشراف وهيمنة حزب الله العلنية، تشعر أنها غير مجبرة على تقديم أي حساب لأحد عما تمارسه بحق البلاد والعباد. حكم اللاأحد هو الحكم الأكثر طغيانا طالما أن ليس ثمة أي شخص يبقى ليُسأل أو يُحاسب عما أنجز أو لم ينجز.

هذا ما يعيدنا إلى مقولة جان بول سارتر: "إن المرء يشعر نفسه أكثر من مجرد إنسان حين يتمكن من فرض نفسه، ومن جعل الآخرين أدوات تطيع رغباته، ما يعطيه لذة لا تضاهى".

فالسلطة كما يفهمها حكام لبنان الجدد تقوم على جعل الآخرين يتصرفون تبعا لاختياراتهم. وتمارس حاليا على طريقة وزير الخارجية جبران باسيل الذي تشي تصرفاته بأنه يريد أن يقول للبنانيين: "سأفرض إرادتي رغم مقاومة الآخرين لها، حيثما أستطيع". إنها إعلان حرب على اللبنانيين، بحسب تعريف الحرب بوصفها: "فعل عنف يهدف إلى إجبار الخصم على فعل ما أريده".

إنها سياسة الأمر والطاعة؛ الشرط الأساسي لممارسة سلطة الطغيان. فالسلطة التي تستخدم قوة لا تتوافق مع القانون، هي سلطة عنف خارجة عن الشرعية وبالتالي مستبدة. فحتى ولو كانت سلطة تلجأ إلى نوع مخفف من العنف. النتيجة هي نفسها في النهاية.

ليس أدل على ما وصلنا إليه من مخالفة القوانين من مطلع محاضرة بعنوان "نعتذر من الشعب اللبناني... لكن القضاء ليس بخير"؛ ألقيت في مطلع الشهر الحالي في نادي قضاة لبنان ألقتها القاضي أماني سلامة، وجاء فيها:

"نعتذر من الشعب اللبناني الذي نحكم باسمه، لأن بعضنا لم يقم بملاحقة فاسدي هذا الوطن،

نعتذر لأن بعضنا لم يقطع دابر الهدر الفاضح في الدولة،

نعتذر لأن بعضنا استقوى بالغير ولم يستقوِ إلا على الضعيف،

نعتذر لأن لبعضنا حسابات شخصية ومساومات تعيق ارتقاء القضاء إلى حيث يجب،

نعتذر لأننا لم نستطع العمل على استرداد بعض من حقوقنا إلا بالاعتكافات،

نعتذر لأننا لم نحاسب أنفسنا كفاية،

نعتذر لأننا لم ننتزع بعد استقلاليتنا الكاملة،

نعتذر لكل ذلك ونعتذر بعد وأكثر"...

نحن، للأسف، فقدنا أي حس بالعدالة، أو أي ثقة بالقدرة على التغيير

​​لكن يبدو أن الشعب اللبناني قد تدجن وغلبه اليأس والاحباط لأنه لا يغضب ولا يحرك ساكنا. وعلى رأي حنة أرندت، في أنه من المؤكد أن غياب الغضب والعنف، مؤشر واضح على انتزاع الإنسانية عن الإنسان، لا حضورهما. فليس الغضب، بأي حال من الأحوال، رد فعل تلقائيا إزاء البؤس والألم؛ فما من أحد تصرف بغضب إزاء داء لا دواء له أو إزاء هزة أرضية أو أوضاع اجتماعية تبدو له غير قابلة لأي تغيير. يظهر الغضب فقط حين تكون هناك احتمالات لحدوث تبدل في الأوضاع. وحين يخدش حس العدالة لدينا، نتصرف بغضب.

وها نحن، للأسف، فقدنا أي حس بالعدالة، أو أي ثقة بالقدرة على التغيير. ينحصر الاعتراض بالعراضات الافتراضية على منصات التواصل الاجتماعي. وإلا فكيف نفسر نزول حوالي مئة شخص فقط أمام المحكمة العسكرية يوم 3 حزيران/يونيو بعد صدور الحكم القضائي "الفضائحي" بتبرئة المقدم سوزان الحاج وعدم محاسبة أحد على سجن وتعذيب الممثل المسرحي زياد عيتاني البريء من كل تهمة؟

اقرأ للكاتبة أيضا: تمارين لبنانية على الديكتاتورية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.