بيتر فولك خلال توقيع أحد كتبه عام 2006
بيتر فولك خلال توقيع أحد كتبه عام 2006

أذكر قصة طريفة مفادها أن مجلة مصرية قديمة، (أظن أنها كانت تدعى "الفكاهة" 1950 ـ 1951،) أجرت ذات يوم مسابقة لأفضل قصة بوليسية يكتبها قارئ، ووضعت لها جائزة مادية مجزية، مشترطة أن تتضمن لغزا محيرا حول هوية القاتل الذي ارتكب سلسلة من الجرائم، وطارحة محاولة استكناه هوية القاتل على قراء المجلة أنفسهم.

وصل إدارة المجلة عدد وافر من القصص، حظيت واحدة منها بالجائزة الأولى لما حوته من غموض وإثارة، وبقي معرفة من هو القاتل من قبل كاتبها القارئ الفائز بالجائزة الأولى. تبارى قراء المجلة عبر رسائلهم في تخمين هوية القاتل، وعندما عجزوا عن إيجاد الجواب الصحيح، سألت هيئة تحرير المجلة كاتب القصة عمن يكون القاتل. هنا جاء الجواب الصادم العجيب: "إنه القارئ".

المسلسل البوليسي المعتمد على "الزعبرة" أو "التجليط" لا يمكن أن يلقى النجاح

​​ذكرتني بتلك الفكاهة بما أتحفتنا به محطات التلفزيون الفضائية من مسلسلات بوليسية لبنانية/سورية ومصرية خلال شهر رمضان الفائت، والتي تحول تأثيرها من إثارة الخوف إلى إثارة الضحك، كما لو أن المشاهد يتفرج على أفلام كارتون.

بالمقابل، يبدو أن بعض صناع الكوميديا خانهم التقدير السليم، فصوروا ما يستهين بالحياة الإنسانية وآلام البشر من أجل تمرير مقولة دعائية معينة، ثم تلا ذلك اعتذار لبق لم ينقذ صاحبه من حملة قدح وذم وتشهير بما يتجاوز كل الحدود المألوفة.

الملاحظ أنه يسود عالم الإنتاج التلفزيوني هذه الأيام هوس شديد بهذين النمطين من المسلسلات: الكوميدي والبوليسي، لكن ـ للأسف الشديد ـ يبدو أن صناع عدد من هذه المسلسلات يستهينون بالاطلاع على النماذج العالمية الملهمة لهذين النمطين.

بداية، لا بد أن ننوه إلى أن كل نمط فني يوجد فيه مستوى عالٍ ورفيع، ومستوى متدنٍ ورديء. ينطبق هذا على التراجيديا كما على الكوميديا، وصولا إلى مسلسلات التشويق وأفلام الوسترن (الكاوبوي) والخيال العلمي. ربما كان من أمتع أنماط الفن الدرامي ما يمزج نمطين مع بعضهما مزجا ذكيا، وخاصة الإثارة والكوميديا. هناك أمثلة عدة على ذلك في تاريخ السينما والتلفزيون، أذكر مثالين عنهما، هما فيلم "المتاهة" Charade (1963) من إخراج ستانلي دونن وبطولة كاري غرانت وأودري هيبورن، ومسلسل "كولومبو" التلفزيوني من بطولة بيتر فولك، وكلاهما حقق نجاحا ساحقا بحيث ما زال يعاد بثهما من المحطات التلفزيونية الأميركية حتى الآن.

لا شك أن أسوأ الكوميديا هي الكوميديا التي لا تضحك. حتى إذا افترضنا أن لعمل كوميدي ما رسالة فكرية هامة، لكن أحداثه وشخصياته لا تضحك، فإنه سيفشل حتما. نجح موليير وبومارشيه وماريفو وخلدت أعمالهم ليس لأنها تحتوي رسائل اجتماعية ناقدة، ولكن لأنها تضحك.

العمل الكوميدي الناجح، سواء كان رواية أم مسرحية أم فيلما أم مسلسلا تلفزيونيا، هو الذي يحترم قيم معظم المشاهدين، ويتجنب جعل السماجة دافعا للإضحاك، لأنها إذا أضحكت فإنما هي تضحك شريحة ضيقة من المشاهدين، وليس الغالبية العظمى من الناس.

أما أشد عيوب الأعمال البوليسية الفاشلة، فهو التخبط في تصوير شخصيات ميلودرامية من أجل إقحام الشبهة والارتياب حول الفاعل، وتعقيد حبكة الأحداث بشكل مفتعل بهدف زيادة جرعة التشويق، ثم التسبب بخيبة أمل لدى الجمهور في أواخر المسلسل عبر قفلة غير محكمة.

في الواقع، يسيء بعض ممارسي نمطي الإثارة التشويق فهم قواعد اللعبة، أو يمارسونها باستهانة خلال محاولتهم التشبه بكاتب معين وتقليده باتباع وليس بإبداع. ربما لا يذكر سوى قلة أن أول قصة بوليسية في تاريخ الأدب هي مسرحية "أوديب"، التي يقوم فيها أوديب الملك بالبحث عمن ارتكب جريمة قتل الملك السابق، فإذا به يكتشف في نهاية التحقيق أنه هو القاتل الذي قتل أباه وتزوج من أمه، فيعاقب نفسه بفقئ عينيه نتيجة شعوره العميق بالذنب.

بالطبع، هذه النهاية مفجعة للغاية بحيث تثير الرعشة والخوف المسميان "كاثارسيز" من قبل أرسطو، وبذلك استطاع الكاتب الإغريقي سوفوكليس إرساء حجر أساس للنمط البوليسي على أرقى مستوى.

بدورها، تعتبر مسرحية وليم شكسبير "هاملت" عملا بوليسيا عبر تفسير مشروع، فشبح الملك المقتول يظهر لابنه الأمير هاملت ليخبره بأن شقيقه الذي اقترن بزوجته وأصبح ملكا قد اغتاله غيلة وغدرا، ويناشده الانتقام لروحه المعذبة، فيبدأ هاملت بنصب فخ للإيقاع بالمجرم، بينما يحاول الملك الطاغية التخلص من هاملت وقتله. هل هناك شك في أنها ليست حبكة بوليسية مثيرة خاصة عندما يؤدي دور هاملت النجم بنديكت كامبرباتش، الذي اشتهر بدوري شرلوك هولمز ودكتور سترينغ؟

أول قصة بوليسية في تاريخ الأدب هي مسرحية "أوديب"

​​لا تخلو روايات أغاثا كريستي التي يلعب فيها هركول بوارو دور المحقق البلجيكي ذي خلايا الدماغ الرمادية والشارب المعقوف المنسق بعناية من لمسات كوميدية كثيرة تألق فيها خاصة الممثل السينمائي بيتر أوستينوف.

من جهته، لم يوفر الممثل جريمي بريت الذي جسد شخصية شرلوك هولمز في مسلسل تلفزيوني اللمسات الكوميدية، التي زاد عيارها الممثل روبرت داوني جونيور بطل سلسلة أفلام شرلوك هولمز في الألفية الثالثة من إخراج غاي ريتشي.

بالمقابل، لم يوفق النجم الكوميدي روان أتكينسون، رغم موهبته الأكيدة، (وهو الذي اشتهر في شخصية "مستر بين") في التصدي لأداء شخصية المفتش ميغريه، لأن الشخصية التي ابتدعها خيال الروائي جورج سيمنون جادة تماما، ولا مكان في حبكات تلك الروايات البوليسية الصارمة للكوميديا.

أذكر أن الفنان الكوميدي السوري اللامع ياسر العظمة كان يفكر عمليا في أداء بطولة مسلسل بوليسي يلعب فيه دور محقق بارع وغريب الأطوار، كما فعل ذات مرة في مطلع شبابه، لكن بطل "مرايا" أقلع عن الفكرة بسبب حسه الثقافي المرهف، إذ خشي ألا تتناسب الكوميديا التي اشتهر بها مع الإثارة والتشويق، فيختلط الأثران المنشودان، ويضيع تأثير الضحك والخوف معا.

لنتذكر أن نمط Film Noire السينمائي، الذي اشتهر من خلاله النجم همفري بوغارت وسواه، ولد من خلال روايات داشيل هاميت وريموند تشاندلر. ولنتذكر أن أشهر كتاب النمط البوليسي المشوق شملوا غراهام غرين (مبدع رواية "الرجل الثالث")، جون لو كاريه (مبدع رواية "المنزل الروسي")، الفرنسي روبرت توماس (مبدع مسرحية "الفخ")، باتريك هاميلتون (مبدع المسرحية التي اقتبس عنها فيلم "المصباح الغازي")، إيرا لافين (مبدع مسرحية "فخ الموت")، وأنتوني شيفر (مبدع مسرحية وفيلم Sleuth.)

ولنتذكر أن أشهر كتاب الرواية في عصرنا يتضمنون روبرت لودلام (مبدع شخصية جيسون بورن)، دان براون (مبدع شخصية الروفسور روبرت لانغدون)، وعديد من كتاب الرواية الجاسوسية أيضا، من ايان فلمنغ (مبدع شخصية جيمس بوند)، إلى جون لو كاريه، وصولا إلى توم كلانسي (مبدع شخصية جاك رايان).

أما أشهر مخرجي أفلام الإثارة والرعب، ألفريد هتشكوك، فلم يغفل إطلاقا تضمين اللمسات الكوميدية في عديد من أفلامه، ومنها "شمال شمال ـ غرب". لا ننسى، بالمقابل، قيام المخرج والنجم الكوميدي وودي آلن بمقاربة أفلام تجمع ما بين التشويق من جهة، والكوميديا من جهة أخرى، ومنها فيلمه Scoop وفيلمه Manhattan Murder Mystery).

العمل الكوميدي الناجح، هو الذي يحترم قيم معظم المشاهدين، ويتجنب جعل السماجة دافعا للإضحاك

​​حبذا لو يضع صناع الدراما العربية نصب أعينهم أن المسلسل البوليسي المعتمد على "الزعبرة" أو "التجليط" ـ إذا استخدمنا التعبيرين العاميين الشائعين في اللهجتين السورية واللبنانية ـ لا يمكن أن يلقى النجاح، لأنه يستهتر بعقل المشاهد ويقدم ما هو "مفبرك" على أنه دراما تستحق الاقتناع.

هذه السقطات المميتة لا يمكن تحسينها عبر براعة مخرج يحسن إدارة الكاميرا والممثلين، ولا تغيرها جاذبية نجم أو نجمة، ومحبة الجمهور لوسامة واجتهاد أي منهما.

كم هو مضحك منطق ذلك الكاتب الذي فاز ذات يوم بمسابقة أدبية في كشفه النقاب عن أن القاتل إنما هو القارئ! بذلك التفسير العجيب قتل قصته نفسها، وجعل جمهور القراء بأكمله أشبه ما يكون بالزومبي في أفلام الرعب الحديثة.

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.