السروت مغنيا في ذكرى انطلاق الثورة السورية
السروت مغنيا في ذكرى انطلاق الثورة السورية

رستم محمود/

ليس صحيحا أن الكُرد السوريين وحدهم كانوا على جفاء في نعي مُنشد الثورة السورية وأبرز شخصياتها عبد الباسط الساروت، الذي ذهب ضحية المعارك التي تدور شمال مدينة حماة السورية قبل أيام. إذ يُمكن رصد أربعة مجموعات من المكونات السورية، كانت على جفاء مُماثل مع حادثة رحيل الساروت: الكُرد وأبناء الأقليات المذهبية والدينية السورية، مع جزء من التنظيمات والشخصيات المدنية من قوى المُعارضة السورية، مُضافا إليهم عدد غير قليل من مُتبني الخيار السلمي المُطلق للثورة السورية، من أبناء المُدن والميسورين السوريين.

لم يكن هذا التموضع مُجرد تشكيل ذاتي وشخصي فحسب، بل شكل إلى حد بعيد استعارة لما عاشته وتعيشه الثورة السورية من تحولات، كان الساورت بسيرته وخياراته أبرز ممثليها والمعبرين عنها، فيما شكلت هذه القطاعات الأربعة المذكورة الجانب الآخر من تحولاتها. بمعنى ما، فإن الحادثة الأخيرة عبرت عن تلاقي ديناميكيتين متوازيتين، شغلتا الثورة السورية، واحدة مثلها الساورت، والأخرى مثلتها هذه الطبقات.

♦♦♦

في بداياتها وكامل سنتها الأولى، كانت الثورة السورية فعلا شديد العمومية، ضمت واحتضنت الأغلبية المُطلقة من السوريين المناهضين للأسدية السياسية. كانت القيم العُليا لتلك الثورة، مُتعلقة بطلب الحريات العامة والديمقراطية السياسية ومناهضة الشمولية المركزية. بقول أكثر مُباشرة، كانت الثورة شديدة التجرد والمباشرة والوضوح والعمومية، ولأجل ذلك كانت قادرة على لمّ كامل طيف السوريين المُناهضين للأسدية. كان الساورت وأمثاله خلال هذه الفترة كثيري الرمزية والحضور والتعبير عن هوية الثورة تلك، بشخصياتهم وخياراتهم وشعاراتهم السياسية والروحية.

آليتان للتخوين والنبذ المُتبادل شغلت، وما تزال، كامل المُنتمين الأوائل للثورة السورية

​​بالتقادم، ولأسباب كثيرة التركيب والتعقيد، فإن الثورة السورية خضعت لثلاثة تحولات، حدثت في أغلبها المطلق رغما وتجاوزا لرغبات المنتمين إليها، لكنها حدثت في المحصلة، وشتت طيف المنتمين هؤلاء.

فقد أصيبت الثورة بالأقلمة شديدة الاستقطاب، بين إيران وتركيا ودول الخليج العربي، وهو ما دفع كثيرون لأن يعيدوا حسابتهم، بالذات تلك المتعلقة بالانتماء المطلق للثورة السورية وخياراتها وتحولاتها.

كان الأكراد السوريون أبلغ تعبير عن ذلك، فتحول القواعد الاجتماعية الكُردية من موالاة الأحزاب السياسية الكُردية التقليدية المندرجة في الثورة السورية إلى حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب والدخول في مواجهات مسلحة كثيرة مع فصائل وقوى رافعة لخطاب وشعارات الثورة السورية، كان أساسه الإحساس بأن هذه الثورة إنما صارت تدخل في أجندة المشروع الإقليمي التركي، الذي يشكل الرعب من الحقوق الكردية، ولو بحدها الأدنى وإن خارج حدود تركيا، يشكل مركز الوعي والتفكير الاستراتيجي لهذا المشروع، منذ قرابة القرن وحتى الآن.

خلال هذه الفترة أيضا، كان عنف النظام السوري الماحق بحق المدنيين السُنة السوريين، كان قد حقق الكثير في مجال تقسيم السوريين، وشكّل لوحة سورية عمومية، بين نظام طائفي علوي وثورة سُنية الهوى والخطاب. ساعده في ذلك، التلهف الشديد من قبل التيارات والأحزاب السياسية الإسلامية السورية، بالذات جماعة الإخوان المسلمين السورية، تلهفهم للهيمنة والاستحواذ على مؤسسات وتعبيرات وتوجهات الثورة السورية، واعتبار الآخرين، قوى وشخصيات وحساسيات، اعتبارهم مجرد ملاحق وأدوات لتبرئة الذات مما صار واضحا للغاية.

كان هذا التحول الثاني عضض من همة أبناء الجماعات الدينية والمذهبية السورية المُنخرطين في الثورة. الذين انقسموا بين مغادرين لها ومتحولين إلى دفة النظام السوري، وتشكيل ثالث جمعته مساحة واحدة مع المدنيين من السُنة السوريين، حيث صاروا يعتبرون بأن الثورة إنما خُطفت منهم لصالح الإسلاميين/السُنة، مثل باقي تجارب الربيع العربي، وإن قبل نجاحها في إسقاط نظام السوري، وأنهم هم "المُلاك الحقيقيون" لهذا الثورة.

اجتمع العاملان السابقان، الأقلمة والطائفية السياسية الرهيبة، وخلقا معا موجة العُنف الرهيبة، التي حطمت سوريا، عمرانا وبشرا. بيد النظام السوري وآلته العسكرية وحلفائه الإقليميين أولا، وبيد القوى الإسلامية الراديكالية المتطرفة، أمثال داعش وجبهة النصرة ثانيا.

هذا التموضع الأخير كان شديد الاستقطاب، ما ترك أية مساحة ذات معنى للخيار بين وحشين، إما نظام الأسد أو الإسلاميين المتطرفين. مال سُكان المُدن وأبناء الطبقات الميسورة بأغلبيتهم للأسد نفسه، لأنه على الأقل يوفر لهم أنماطا من الاستقرار الأمني والحريات الاجتماعية في الحياة العامة.

♦♦♦

خلال هذه السنوات، مثلت تجربة العلاقة الوجدانية بين الساروت وأمثاله وهذه التشكيلات السورية الأربعة تعبيرا واضحا عن تلك التحولات، وإن كانت قد حدثت كلها خارج إرادة وتطلعات الطرفين.

فمن رمز وطني عمومي، شكل مع الممثلة السورية الراحلة فدوى سليمان بريقا خاصا للثورة السورية، إلى مقاتل عنيد في سبيل حماية ذويه وأبناء مدينته حمص، إلى شخص تلقى أقصى درجات الألم بعد عدة إصابات في المعارك وفقدانه لوالده وأربعة من أخواته والكثير من أصدقاءه، وفي المحصلة قائد مجموعة مسلحة من عشرات المقاتلين، موالٍ ومبايع للتنظيمات المتطرفة، أمثال جيش العزة، وقيل إنه في مرحلة ما بايع تنظيم داعش الإرهابي نفسه.

على نفس المنوال، فإن هذه التكوينات السورية الأربعة قد حدثت بداخلها تحولات شبيهة. من قوى مُندرجة في الثورة السورية بالمطلق، إلى مجموعات ذات حساسية من التأثيرات الإقليمية وحذرة من الخطابات الطائفية وشديدة الرعب من التنظيمات المتطرفة وإمكانية انتصارها، ولو كانت الجائزة إسقاط نظام الأسد نفسه. تحولت إلى تكوينات سياسية بشروط خاصة، مختلفة عن الطيف الآخر من ممثلي الثورة السورية.

لأجل ذلك، ولأن التحولين السابقين كانا باتجاهين متعارضين تماما، فإن آليتين للتخوين والنبذ المُتبادل شغلت، وما تزال، كامل المُنتمين الأوائل للثورة السورية.

دفة الذين نعوا الساروت واعتبروه بطلهم والرمز الابرز للثورة السورية، أيا كانت التحولات التي طرأت عليه وعليها، معتبرين أن مناهضة النظام السوري، كانت وستبقى معيارهم الوحيد والمطلق لقياس الأشياء، وعلى رأسها الثورة السورية، معتبرين أن الآخرين إنما خانوا ذلك المبدأ التأسيسي.

خضعت الثورة السورية لثلاثة تحولات، حدثت في رغما وتجاوزا لرغبات المنتمين إليها

​​الآخرون على العكس تماما، كانوا وما يزالون يتهمون المتطرفين بسرقة وتحطيم الثورة السورية، وتقديم خدمة موضوعية لاستمرار نظام الأسد، وأن الساروت وأمثاله كان شركاء في الثورة السورية بمعناها الأولي، وأنهم بالتقادم صاروا في خدمة النظام، وإن كانوا يظهرون متناقضين ومتصارعين في المشهد العام.

في نفس يوم مقتل الساروت، قتل الشابان الكُرديان حنان حسين حنان وعبدالرحمن بلال شيخ أحمد بدم بارد، على الطريق الرابط بين مدينتي عفرين وراجو، على يد عناصر من التنظيمات المتطرفة للمُعارضة السورية، ودون أي سبب، فالضحيتان كانا مجرد مدنيين يعملان كبائعين متجولين، وقتلهما كان يقصد إرعاب الكُرد السوريين في منطقة عفرين فحسب.

نفس صفحات التواصل الاجتماعي التي خونت القوى السياسية والاجتماعية الكردية التي تعاملت بجفاء مع خبر مقتل عبد الباسط الساروت، خلت تماما من أي تعليق على هذا الحادث المريع.

اقرأ للكاتب أيضا: حكاية الفساد في العراق 2/2.. المؤسسات المعلولة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مودة الأدهم
مودة الأدهم إحدى فتيات التيك توك اللواتي جرى اعتقالهن في مصر (المصدر: حساب مودة في انستغرام) | Source: Instagram

كثيرا ما تتدخل المنظمات الدولية للدفاع عن الناشطين والمعارضين السياسيين الذين يتعرضون للاعتقال أو الاضطهاد في بعض دول العالم، ولكن من النادر سماع اعتراض من هذه المنظمات على ما تتعرض له المرأة في الشرق من ظلم في النواحي الاجتماعية، خصوصا إذا كانت الاتهامات الموجّهة لها ذات طبيعة أخلاقية استخدمت فيها عبارات من نوع القيام بأفعال "مخلّة بالآداب العامة" أو تسيء "لقيم المجتمع"، وتأكّد ذلك مؤخرا في غياب أي رد فعل على اعتقال عدة فتيات في مصر لنشرهن على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع قصيرة راقصة أو ساخرة.

فقد تم توجيه اتهامات عديدة لهؤلاء الفتيات تستند على مواد مأخوذة من قوانين مختلفة، أولها القانون 180 لتنظيم الإعلام لعام 2018 والذي ينص "يجب على المواقع عدم نشر أخبار كاذبة أو الدعوة إلى مخالفة القانون أو العنف أو الكراهية أو التمييز بين المواطنين والعنصرية أو يتضمن طعنا في أعراض الأفراد أو سبّا أو قذفا لهم، أو امتهان الأديان السماوية أو العقائد الدينية أو يخالف النظام العام والآداب العامة"، وأوضحت المادة 29 من هذا القانون بأنه لا يجوز توقيع عقوبة سالبة للحرية في تلك القضايا بل تقتصر العقوبة على حجب الموقع، إلا في الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد.

وبما أن هذه المادة لا يترتب عليها سجن الفتيات فقد تم استخدام المادة 25 من قانون تقنية المعلومات 175 لعام 2018 والتي تنص "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة 50 حتى 100 ألف جنيه أو بأحد هاتين العقوبتين من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة رسائل إلكترونية لشخص دون موافقته أو منح بيانات شخصية إلى موقع إلكتروني لترويج سلع دون موافقته، أو نشر أخبارا أو صورا تنتهك خصوصية شخص دون رضاه"، والمقصود في هذه المادة من يقوم باختراق حسابات الآخرين أو سرقة معلوماتهم وخصوصياتهم ونشرها بطريقة تسيء لهم.

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات

ولأن هذه المادة أيضا لا تنطبق على الفتيات الموقوفات فقد تم استخدام عبارات في إتهامهن مثل "التحريض على الفسق والفجور" حتى يصبح بالإمكان شملهن بقانون مكافحة الدعارة لعام 1960 والمقصود به كل من يدعو أو يدفع نحو ممارسة الدعارة، رغم أنه لا يوجد في ممارسات هؤلاء الفتيات شيء من هذا القبيل، كما تم استخدام المادة 178 من قانون العقوبات لعام 1952 التي تتناول استعمال صور مخلة بالآداب العامة.

ما يمكن استنتاجه، أن النيابة العامة المصرية كانت تبحث عن أي نص قانوني تستطيع فيه سجن هؤلاء الفتيات لأنه لا عقوبة إلا بنص، حتى أنها لجأت لاستعمال عبارات بعيدة تماما عن القضية مثل "الإتجار بالبشر"، في مبالغة لفظية تستهدف تبرير الإجراءات المشددة التي اتخذت بحقهن، في إشارة إلى دعوة فتيات للتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص آخرين رغم تأكيد المتّهمة المسجّل بصوتها على ضرورة الالتزام بالاعتبارات الأخلاقية.

هذه الطبيعة الكيدية في توجيه الاتهامات لضمان إدخال فتيات في مقتبل العمر إلى السجن لأطول فترة ممكنة، تتناقض مع القضاء في العالم المتحضّر الذي يقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ولا يمكن تجاوز معرفة هؤلاء القضاة ما هي انعكاسات ذلك على مستقبل الفتيات، في مجتمعات تعتبر الرجال إذا تعرضوا للسجن أو التوقيف لأي سبب "أصحاب سوابق"، مما يشكل وصمة تلاحقهم طوال حياتهم، فكيف لفتيات صغيرات في بيئات مغلقة يلعب مفهوم السمعة فيها دورا كبيرا.

ورغم أن القضاة يعرفون وضع السجون في مصر وما تتعرض له السجينات هناك، والذي وصفته سلمى أشرف مسؤولة الملف المصري في "هيومن رايتس مونيتور": "أوضاع النساء في السجون المصرية من أسوأ الأوضاع على مستوى العالم فهن يتعرضن للإهمال الطبي والقتل البطيء المتعمد". 

وذكر تقرير أعدته الكاتبة إيمان عوف اعتمادا على شهادات حيّة: "عند التحويل للسجن يبدأ التفتيش الذاتي في المدخل، حيث تقف السجينات عاريات تماما ويطلب منهن الجلوس والوقوف بوضعية القرفصاء ثم تتحسّس السجانات أجسادهن، الأثداء والمهبل والشرج ويحدث ذلك في كثير من الأحيان أمام حراس السجن في غرفة مفتوحة الأبواب والشبابيك وأحيانا تستعين السجانة بالحراس لنزع ملابس السجينة التي ترفض نزع ملابسها".

وقالت المحامية ماهينور المصري "مهما كان ما يحدث مع المعتقلات السياسيات مرعبا فإنه لا يمثّل شيئا بما يحدث مع السجينات بتهم جنائية، حيث يتعرضن لتفتيش مهبلي مهين وفحص كشف عذرية"، هذه هي السجون التي أرسل إليها القضاء المصري طالبة جامعية في التاسعة عشرة من عمرها، رغم أنه لا يوجد ما يمنع قانونيا من محاكمتها طليقة كما يحصل في أغلب دول العالم التي تعتبر نفسها مسؤولة وحريصة على مصلحة أبنائها وبناتها وليست جهة تريد الانتقام منهم بعقلية محاكم تفتيش العصور الوسطى.

ومما يؤكد على وجود هذه الرغبة في الانتقام أن عشرات الشباب والفتيات والسيدات قاموا وقمن بتسجيل ونشر مئات المقاطع على هذه المواقع، لكن اللاتي تمّت إحالتهن للقضاء هن فقط الفتيات الأصغر عمرا أو من لديهن معالم أنوثة واضحة، وكأن المعالم الأنثوية التي خلقها الله ليتناسب جسد المرأة مع الحمل والإنجاب والإرضاع هي تهمة تخدش حياء المجتمع المصري وتشكّل تهديدا لأخلاقه.

ومع أنه في الكثير من هذه المقاطع لم يكن هدف الفتاة أن تبدو جميلة بل أن تقدم شيئا طريفا أو ساخرا حتى لو كان ذلك على حساب شكلها، لأن غايتها جذب أكبر عدد من المشاهدات وزيادة أعداد المتابعين مما قد بعود عليها بمردود مالي، والذي اعتبرته النيابة مؤشرا على وجود أمر غير أخلاقي، رغم أن هناك شبابا ينشرون مقاطع على نفس المواقع ويحققون عائدات مالية دون أن يتم اتهامهم بشيء.

المجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات، من رئيس جامعة القاهرة الذي قال بأن الجامعة ستتخذ أقصى عقوبة بحق واحدة منهن بلهجة لا تتماشى مع مسؤول تربوي يعتبر طلابه مثل أبنائه، إلى السلطة القضائية التي يسيطر عليها رجال تدل تصرفاتهم على أن هدفهم الانتقام من المرأة وليس تحقيق العدالة، وسلطة تشريعية ترى أن وظيفتها هي المزاودة الخطابية في القضايا التي تعرض عليها، خصوصا عند لعب دور حماية الفضيلة، وإعلام يعيش أسوأ أيامه ويبحث عن عناوين مشوّقة تجذب المشاهدين حتى لو كان ذلك على حساب الإساءة لسمعة النساء، وسلطة تنفيذية تماشي المزاج الشعبي لأنه ليس لديها الشجاعة الكافية لمواجهة حالة الهيستيريا والهوس بالمرأة التي تعيشها مصر حاليا.

ويكرر جميع هؤلاء لتبرير سلوكهم المتحامل على المتّهمات عبارة: "خصوصية المجتمع المصري"، في اعتراف ضمني بأن هؤلاء الفتيات ما كانوا ليسجنوا من أجل هذه التسجيلات لو كانوا في بلد آخر، لأن هذه الخصوصية تبيح سجن النساء وإهانتهن لأتفه الأسباب، كما تبيح التحرّش بهن في الشوارع ثم وضع اللوم عليهن، كما تسمح بالاعتداء جنسيا على الفتيات اليتيمات والفقيرات ثم تحميلهن مسؤولية هذا الاعتداء.

وكان آخر الأمثلة على خصوصية المجتمع المصري أن يترافق اعتقال الفتيات مع إطلاق سراح من قتل بدم بارد الفنانة سوزان تميم بعفو رئاسي، بعد ثلاث سنوات من إطلاق سراح من كلّفه بهذه الجريمة وأعطاه أموالا لتنفيذها بعفو مماثل، فالمجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل.