حاجة مسلمة في الحرم المكي
حاجة مسلمة في الحرم المكي

محمد المحمود/

لم تكن "الصحوة الإسلامية" التي ازدهرت خلال العقود الأربعة الماضية في منطقة الخليج، تشكل خروجا عن السائد الثقافي في الخطاب الديني المحلي. لم تكن هذه الصحوة أكثر من تفعيل حركي ـ متخم بالحماس النضالي ـ لأهم مقولات التقليدية التي كانت قد بدأت تدخل مرحلة الخمول، أو مرحلة القناعة بالعيش على هامش الحراك المجتمعي؛ بعد أن شعرت بحالة يأس تختصرها مقولة "فساد الزمان". وهنا كانت على قناعة أنها لا تملك أكثر من إبراء الذمة بالوعظ والإرشاد لمن يقف على أبوابها، أو على الأصح، توقفه الشعائر الطقوسية على أبوابها. ولهذا، عندما جاءت الصحوة كانت بالنسبة لها طوق نجاة، أخرجتها من ظلمات الكهوف ومحدودية الفعل إلى فضاء التحدي المفتوح على أفق بلا حدود.

العلاقة بين التقليدية والصحوة علاقة أبوية. التقليدية باركت الصحوة كما يبارك الأب نجاحات ابنه الذي يراه قادرا على تحقيق أحلامه التي عجز عنها في يوم من الأيام. كل المحرمات الصحوية التي ألهبت بها الصحوة واقع مجتمعاتها؛ حتى بات يتنفس معها الحياة من ثقب إبرة، هي محرمات مسطورة في صلب مقولات الخطاب الديني التقليدي، ولكنه ـ ولأسباب تتعلق بطبيعة تكوينه، وبعلائقه، وبانقطاعه التام عن ثقافة وهموم عصره ـ عجز عن تفعيلها في الواقع؛ فجاء "الأبناء الصحويون" ليحققوا أحلام آبائهم التقليديين بفضل انفتاحهم الثقافي والحركي على الجماعات الإسلاموية ذات البعد النضالي، تلك الجماعات التي خاضت ذات التجربة/ تجربة أسلمة المجتمع في أقطارها/ دول المركز العربي؛ ففشلت فشلا ذريعا، بل وتعرضت للاضطهاد الذي اضطر كثيرا من كوادرها للهروب، ومن ثم اللجوء إلى دول الخليج.

المعركة الفكرية المجردة لا تكفي لوحدها، بل لا بد من تفكيك البنى التقليدية التي يتسمد منها الخطاب التقليدي قوته

​​وإذا كانت جماعة الإخوان (وهي المؤسس الحركي لبدايات الصحوة، حراكا وثقافة) يتنازعها تياران: التيار البنائي المعتدل نسبيا، والتيار القطبي المتطرف، فإن الذي ساد داخل الصحوة ـ كما يؤكد ستيفان لاكروا ـ هو التيار القطبي لقدرته على التماهي الأيديولوجي مع مقولات التقليدية في توجهها الإقصائي (زمن الصحوة، ص75و166).

ونلاحظ هنا أن التكفير بدأ يفرض نفسه عند أغلب السروريين/ الصحويين. وهذا ما يؤكده أيضا توماس هيغهامر في كتابه (الجهاد في السعودية، ص13)، ومحمد نبيل ملين في كتابه (علماء الإسلام، ص367). وبهذا يتضح أن الصحوة كانت توليفة من المقولات المتطرفة التي كانت تتفاعل في نشاط حركي يحاول ـ بنضال عقائدي مضمخ بالتضحيات الملهمة ـ تنزيلها على الواقع؛ بوصفها انتفاضة الإسلام في عالم المسلمين.

طبعا، تحاول الصحوة على ألسنة كثير من حملة مشاعلها المقدسة نفي شبهة التطرف عن نفسها، بل وتحاول أحيانا التنكر لعلاقاتها الأيديولوجية والحركية مع جماعات العنف السياسي، كالقاعدة مثلا؛ مع أن الرابط الأيديولوجي ـ إن تعذر إثبات العلاقات الحركية بالدليل المادي ـ متقرر عند كثير من الباحثين. فالباحث القدير/ لورانس رايت، الذي حاول في مئات الصفحات تتبع الأحداث/ الأفكار التي شكّلت الطريق إلى 11 أيلول/سبتمبر، يؤكد أن "الظواهري يتبع التعاليم السلفية للشيخ ابن تيمية" (البروج المشيدة، ص223). وابن تيمية الذي هو المرجع الديني لنائب زعيم القاعدة الإرهابية، هو ذاته شيخ التقليديين المتزمتين على اختلاف تنويعاتهم في العالم الإسلامي، ومنهم الصحويون الذين كانوا يُطْلقون وصف "ابن تيمية الصغير" على المتميزين من دعاتهم، تيمّنا وتبرّكا وتماهيا مع رمز اعتباري في التراث الحنبلي/ السلفي/ التقليدي.

ثمة ما يشبه التواطؤ بين الباحثين على أن مركزية حادثة احتلال جهيمان للحرم المكي عام 1979 في مسيرة نمو الصحوة وازدهارها، على الأقل في الواقع المحلي.

هناك من يرى أنها تشكل البداية الحقيقية للحراك الصحوي، بينما يرى آخرون أنها لم تكن إلا محفزا/ منشطا لمسيرة طويلة من الحراك الديني الذي سبقها، وأنها/ الصحوة كانت ستزدهر بدونه؛ مع فارق طفيف في التوقيت.

وأيا كان الحق، مع هؤلاء أو مع هؤلاء، فقد ساد الانطباع الذي يقول بأن "التجاوزات" في الإعلام التلفزيوني والصحافي الذي ينشر صور النساء هو سبب المشكلة (المملكة من الداخل، روبرت لسي، ص77 و78)، إما لأنه أشعل الغضب الديني عند هؤلاء المتدينين؛ فحملوا أسلحتهم لإنكار المنكر، أو لأنه تسبب في غضب الله على مرتكبي هذه "التجاوزات" فقدّر على العاصين هذا الحادث، أو لهذا وذاك مجتمعين، وهما يؤكدان في النهاية ـ وفق هذا الفهم ـ ضرورة تطهير المجتمع من هذه المنكرات التي أصبح إنكارها فيما بعد خارطة طريق الصحويين.

في عام 2002 صدر قرار حكومي يقضي بضم مدارس البنات إلى وزارة التعليم؛ بعد أربعين سنة من إشراف رجال الدين على تعليم البنات. وقد "كانت إزاحة مدارس البنات بعيدا عن أيدي علماء الدين دليلا واضحا على اتجاه جديد يلوح في الأفق" (المملكة من الداخل، روبرت لسي، ص408). ويكفي أن نقد الخطاب الديني السائد (وليس نقد الدين) شَهِدَ ازدهارا ملحوظا منذ هذا العام، وكان نقدا متنوعا، أسهمت فيه كثير من قنوات التأثير، خاصة الصحافة وبرامج الحوار التلفزيونية ومنتديات الحوار الإلكترونية، فضلا عن الدراما التي لامست هذا الموضوع الشائك/ الخطر، بشجاعة يُقَدّرها كل من يعرف ماذا يمكن أن تفعل أسلحة المتطرفين بمن يظنونه خطرا عليهم، أو على الدين؛ كما يتوهمون.

بين عامي 1979 ـ 2002 عقدان ونيف، هما الزمن الذهبي للصحوة؛ حتى وإن بدأت بوادر أفولها تظهر قبل ذلك بسنوات، أي عقب اصطدامها المباشر بالدولة عام 1994، وهو الصدام الذي أدى إلى إيقاف أشهر رموز الصحوة، ومنع كثير من نشطائها من ممارسة نشاطهم الدعوي/ الحركي، بعد أن اتضح أن الدعوة هنا ليست إلا ذراعا سياسيا يشاغب الواقع السياسي المحلي لصالح تنظيمات دينية أممية، وكما لاحظ توماس هيغهامر فإن "استخدام الصحويين الخطاب الوحدوي الإسلامي كان ذرائعيا؛ إذ إن جوهر أجندة الصحوة كان الإصلاح السياسي الداخلي" (الجهاد في السعودية، ص55). ومقصد الإصلاح السياسي الذي يطرحونه هنا ليس الإصلاح بمدلوله العام، وإنما الإصلاح الديني والسياسي الذي يُمَكّن لهم، ومن ثم يمنحهم القدرة على التحكّم في المؤسسات الحكومية وقراراتها التي سيتخذونها وسائط لفرض قناعاتهم الدينية على الجميع. وما توسلهم بالإسلام إلا لأن "الإسلام في المملكة العربية السعودية هو اللغة الأساسية التي بواسطتها يتم التعبير عن المنافسة الاجتماعية" (زمن الصحوة، ستيفان لاكروا، ص12).

اليوم، تُحاصَر الجماعات الإسلاموية الحركية على أكثر من صعيد، بالتزامن مع تراجع/ انهزام النماذج الملهمة لكثير من أطيافها المتطرفة (كالقاعدة وداعش والنصرة)، بل وكثير من نماذجها المعتدلة نسبيا (كالدول المحكومة بإسلاميين أصوليين)، حتى بدت الظاهرة الأصولية لمن يراقبها من بعيد وكأنها تجنح للغروب الأخير.

بين عامي 1979 ـ 2002 عقدان ونيف، هما الزمن الذهبي للصحوة

​​لكن، سواء وصل هذا الأفول إلى حدوده القصوى، أو كان مجرد تراجع ظرفي، فإن السؤال الأهم هو: هل التحرر من أسر هذا الحراك الصحوي بفعالياته المُوجّهة، وتمددّاته التنظيمية المهيمنة، يعني التحرر من أسر المقولات الصحوية التي كانت هي ثقافة المجتمع على مدى أربعين عاما؟، هل أثرُ أربعين عاما من الضخ الأيديولوجي المكثف الذي صنع ـ بشكل مباشر ـ ذهنية جيل كامل، وصنع وسيصنع ـ بشكل غير مباشر ـ ذهنية أجيال، يمكن التحرر منه بمجرد في بضع سنوات؟، بل هل يمكن التحرر منه دون خوض المعركة الفكرية مع الأسس الفكرية/ العقائدية والفقهية التي يتأسس عليها؟

أكثر من ذلك، نجد أن الثقافة الدينية الصحوية استطاعت التناغم مع المكونات العميقة في المجتمع، تلك المكونات التي لا يزال المجتمع يرى نفسه/ وجوده من خلالها. فمثلا، "حافظ الخطاب الصحوي ـ كسلفه التقليدي ـ على تحالفه وتناغمه مع النظام القيمي القبلي" (اتجاهات النخب السعودية، مشاري النعيم، ص169). وهذا يؤكد أن المعركة الفكرية المجردة لا تكفي لوحدها، بل لا بد من تفكيك البنى التقليدية التي يتسمد منها الخطاب التقليدي قوته؛ من حيث هي تصنع الذهنيات الملائمة له، أو من حيث هي تتحالف معه صراحة لتأكيد عناصر المحافظة التي تضمن مصالح الطرفين.

اقرأ للكاتب أيضا: الفرقة الناجية أو أوهام الاصطفاء

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.